بيانات صحفية اقتصادي

أزمة مصر الاقتصادية هي في الواقع أزمة نظامفهو أسّ الداء ومكمن البلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فقرٌ مدقع، بطالة مقنعة، فوضى سياسية واقتصادية، غنى فاحش لفئة قليلة العدد على حساب غالبية الناس، هبوط غير مسبوق في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، أكل مدخرات الناس، انحدار قوي في مستوى المعيشة، زيادة مطّردة في الدَّين العام، ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، تفريط في الموارد الاقتصادية والاستراتيجية لصالح أعداء الأمة… واقعٌ تعيشه مصر هذه الأيام، فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية في السنوات الماضية بعد أن استولى الجيش على الحكم والسلطة، مع أن السبب المعلن لانقلاب الجيش على محمد مرسي هو حفظ البلاد من الانهيار ومنع بيع مقدراتها لقطر!

الغريب أنه لا توجد حلول حقيقة مطروحة من قبل النظام للخروج من الأزمة، وما يُعرض من قبله هي سياسات فاسدة، مثل الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذان أغرقا مصر في مستنقع الديون المتراكمة والربا المضاعف منذ سبعينات القرن الماضي، فتلك القروض تمنحها هاتان المؤسستان الدوليتان الاستعماريتان تحت شروط قاسية، ترهن الاقتصاد المصري بإرادة الدول الاستعمارية وأطماعها، ولم تؤدِ هذه الشروط يومًا في أي بلد إلى نهضة اقتصادية حقيقية، بل أدّت إلى زيادة الضرائب، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، بما يسمّونه في قواميسهم “ترشيد الإنفاق”… ليزداد الناس فقراً على فقر. 

يصرّ النظام المصري على الدوران في حلقة الديون المفرغة، فيسدّ الديون الربوية بديون جديدة، وقد وافق صندوق النقد الدولي مؤخرا على منح قرض جديد لمصر قيمته 3 مليارات دولار يُسدّد على 46 شهرًا، لتصبح مصر ثاني أكبر دولة مديونة للصندوق بعد الأرجنتين. كما رفع البنك المركزي المصري معدلاتِ الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس (3 بالمئة)، مُدّعيًا أن هذا هو السبيل الوحيد لكبح جماح تدهور الجنيه المصري، ومن ثم وقْف تزايد نسبة التضخم الذي وصل إلى 19%، ووفقًا لتقرير البنك المركزي المصري لشهر أيلول/ سبتمبر 2022م، فقد وصل حجم الدين الخارجي للبلاد إلى نحو 157.8 مليار دولار، وهو ما يعني زيادته بنحو 5 أضعاف مقارنة بالعشرة أعوام الماضية، حيث بلغ في نهاية عام 2012م نحو 34.4 مليار دولار.

إن محاولة النظام البائسة للخروج من هذا النفق المظلم بالاقتراض ورفع نسبة الفائدة وبيع أصول الدولة… لن تُجدِ نفعًا، فكلها حلولٌ مأخوذة من النظام الرأسمالي الغربي، الذي هو أُسّ البلاء، فهذا النظام بآلياته وقوانينه وحريته المالية يترك العنان لإبداعات الرأسماليين والمضاربين الشيطانية لاحتكار مزيد من الأموال وتضخيم ثرواتهم على حساب عامة الناس. إذن السبب في فشل كل هذه الحلول والخطط في إنعاش الاقتصاد والتغلب على الأزمة هو كونها مأخوذة من النظام نفسه الذي أوجد هذه الأزمة وتسببّ فيها، ألا وهو النظام الرأسمالي، والمستجير به كالمستجير من الرمضاء بالنار، وقد شكّك مفكرو الغرب وكبار الرأسماليين أنفسهم في نجاعة الحلول المطروحة، واعترفوا بأن هذه الحلول -إن نجحت- ستساهم في تأجيل الانهيار فحسب، أما أن تحلّ المشاكلَ حلاً جذرياً فهذا ما لن يكون.

إننا في حزب التحرير ندعو إلى حلّ الأزمة بالتغيير الجذري، فالحل لا يمكن أن يكون من داخل الدوامة الاقتصادية الرأسمالية التي أدّت إلى هذا التردي الفظيع في الاقتصاد، بل يجب كسر الجُدُر الفكرية التي أحطنا بها أنفسنا والبحث عن حلول من خارجها، وهذا حال كل مفكر وعالم يبحث عن حل حقيقي لأية مشكلة من المشاكل. إننا كحزب سياسي، يفهم الإسلام كمبدأ شامل للحياة تنبثق عنه جميع النظم التي تسيّر حياة الإنسان في هذه الدنيا تسييراً دقيقاً ومميزاً، ندعو البشرية كلها -مسلمين وغير مسلمين- إلى دراسة الإسلام ونظامه الاقتصادي دراسة عميقة مستفيضة، لتلتمس عظمة هذا الدين وعظمة الحلول التي يطرحها ودقتها، وتدرك أن هذا الإسلام هو النظام الأوحد الذي يحمل في طياته الحلول الصحيحة لمشاكل البشرية جمعاء، ولا منقذ ولا مغيث لها إلا بتطبيقه تطبيقاً شاملاً في كل شؤون الحياة.

إنه لمن المحزن حقاً أن نلجأ نحن المسلمون أصحاب هذا المبدأ الإلهي العظيم في حلّ مشاكلنا في أرض الكنانة إلى نُظم وضعية سقيمة، ثبت فشلها عند واضعيها قبل غيرهم، وحري بنا أن نعود إلى إسلامنا العظيم لنفهمه ونجعله الأساس لحل كل مشاكلنا، ويكفينا قول المولى تبارك وتعالى في كتابه: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))، التقوى الحقيقية هي أن نتقي الله في كل ما نفعل، أي نلتزم أوامره عزّ وجل ونواهيه في كل ما نقوم به من أعمال، ومنها كل المعاملات في المجالات الاقتصادية، فنلتزم في إبرام العقود والبيع والشراء وتأسيس الشركات… وكل الأعمال التجارية بأحكام الشرع كاملة، والشرع قد فصّل فيها التفصيل الكافي، ووضع شروطاً صارمة لكافة التعاملات التجارية. من الخطأ الفاحش الظنّ بأن النظام الاقتصادي في الإسلام هو نفسه النظام الرأسمالي لكن دون ربا، لأن الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام تختلف عن التي يقوم عليها النظام الرأسمالي كل الاختلاف، فهناك أنواع من الملكية تحدّدها طبيعة الشيء المَملوك، فيكون إما ملكية فردية أو ملكية عامة أو ملكية دولة، وهناك أعيان لا تجوز ملكيتها ملكية فردية البتة، لا لشركات ولا لأفراد (كآبار البترول والغاز والثروات الغزيرة في باطن الأرض)، وهذا التقسيم لا يعرفه النظام الرأسمالي، كما أنه لا حرية تملك في الإسلام، بل التملك محصور بالأسباب الخمس التي حددها الشارع، بخلاف الرأسمالية التي أباحت التملك بأية وسيلة من الوسائل ما دام ليس فيها تعدٍّ على حقوق الآخرين، سواء عن طريق الربا أو القمار أو ممارسة الفحش أو ما شابهه، وفي مجال الشركات فقد حرّم الإسلام الشركات المالية البحتة كشركات المساهمة، التي يغيب عنها الإيجاب والقبول ويغيب عنها عنصر البدن، بل فرض بأن يدخل شريك ببدنه وعمله الشركة لتصحّ، وأن تنعقد الشركة بالإيجاب والقبول بين جميع الشركاء، ونهى أن يبيع الإنسان ما لا يملك… بهذه القيود الشرعية وغيرها يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي. النظام الاقتصادي في الإسلام ينتج حلولاً لكل المشاكل الاقتصادية في الدولة ضمن المنظومة الإسلامية الكاملة في الحكم والسياسة الخارجية ونظام التعليم والنظام الاجتماعي… ذلك أن النظام الإسلامي بنية متكاملة الأركان، وليست بنية ترقيعية من كل واد عصا! لهذا يمكننا القول إن الأزمة الاقتصادية الراهنة في مصر هي أزمة نظام، نعم هي أزمة نظام أثبت فشلا منقطع النظير، ولذلك يجب لفظ النظام الرأسمالي لفظ النواة، ووضع الإسلام موضع التطبيق بشكل فوري انقلابي شامل.

يا أهل الكنانة! إن أزمتكم الحقيقية هي في النظام الرأسمالي الذي يحكمكم وما تفرع عنه من قوانين ملّكت الغرب أعناقكم وفرضت هيمنته على مواردكم وثرواتكم، ولا نجاة لكم إلا بتطبيق الإسلام كاملا بكل أنظمته، وعلى رأسها الرؤية الاقتصادية التي أشرنا لها، والتي لا تُطبّق بمعزلٍ عن باقي الإسلام، بل تُطبّق في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي يحمل لكم مشروعها كاملًا حزب التحرير، موصلا ليله بنهاره عاملًا لإقامتها.

أيها المخلصون في جيش الكنانة! إنكم مسؤولون أمام الله عز وجل عمّا يحيق بمصر وأهلها تحت سمعكم وبصركم بل وبحمايتكم لهذا النظام وسياساته الكارثية. أيها الضباط والجنود! يا من تكنّون في صدوركم حبَّ الله ورسوله ودينه! مَن للإسلام وشرعه ودولته إن لم يكن أنتم؟! من ينصره ويضعه موضع التطبيق في دولته غيركم؟! الله الله في دينكم وإسلامكم وخلافتكم! إنكم أعلم الناس بفساد هذا النظام ورأسه ومنفّذيه، يشهد على ذلك ما تُمنحونه من رواتب ومميزات، كرشوة يُضمن بها صمتكم ويُؤمَن بها جانبكم ويُشترى ولاؤكم، وهي أقل بقليل من حقوقكم الفعلية من ثروات مصر وخيراتها الهائلة، فلا تستبدلوا سحت الحكام بما أحله الله لكم الذي يذهب بكم وبأولادكم إلى جهنم، واخلعوا عن أعناقكم طوق هذا النظام واقطعوا كل ما يربطكم به من حبال، وانحازوا لأهلكم وحققوا طموحهم في عيش كريم لا يحققه فعلًا إلا الإسلام ودولته، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فكونوا أنتم أنصارها، وأعيدوا سيرة أنصار الأمس بنصرة العاملين المخلصين من حزب التحرير لإقامتها على حقيقتها، دولة هدى ونور، عسى الله أن يفتح بكم ويتمّ عليكم نعمته وفضله فتكون مصرُ الكنانة بكم مصرَ المنورة، درةَ تاج الخلافة ونقطة ارتكازها، اللهمّ عاجلا غير آجل.