مقالات اقتصادي

الأزمات الاقتصادية بين الإسلام والرأسمالية (الجزء الأول): مشكلة النظام النقدي

بقلم الدكتور ياسر صابر، مفكر إسلامي وباحث اقتصاد

لقد عصفت أزمات اقتصادية متلاحقة بالغرب، كان آخرها فى صيف 2008، وظن كثير من الناس أنها قد إنتهت، وأن الساسة الغربيين استطاعوا إيجاد حلول لها، إلا أن هذه الأزمات لم تنتهِ بعد ولايُرجى منها نهاية، ومن الغريب أن هذه الأزمات قد طالت العالم الإسلامى بالرغم من تركز أربعة أخماس ثروات العالم به! فهل هذه الأزمات هى أزمة مال أم أزمة مبدأ؟ وماهى الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمات؟ وهل يمكن أن تحدث مثل هذه الأزمات فى ظل النظام الاقتصادى فى الإسلام؟

إن الاقتصاد إصطلاحاً يعنى تدبير شؤون المال، بإيجاده ابتداءاً أو تنميته أو توزيعه، وحين نتحدث عن أزمة اقتصادية فإننا نعنى بها مشاكل يصعب حلها تتعلق بتدبير شؤون المال، ومن الأسباب الهامة التى أدت إلى أزمات اقتصادية هى اختلال النظام النقدى، وطبيعة النظام الربوى، وأنواع الملكية فى النظام الرأسمالى. وسوف نتعرض لها بشىء من التفصيل لتوضيحها، ثم بعد ذلك سوف نبين واقعها فى الإسلام ونعطى الإجابة على التساؤل الخاص بإمكانية حدوث مثل هذه الأزمات فى النظام الإسلامي.

النظام النقدى

من أجل فهم أسباب هذه الأزمات التى بدأت منذ بداية القرن الماضى لابد من التعرض إلى النظام النقدى فى العالم، والذى تطور فى المائة عام الأخيرة بشكل انقلابى جعل منه البلاء الكبير. ولفهم النظام النقدى وماطرأ عليه من تغيير، علينا أن نفهم نشأته أولاً.

إن الإنسان لايستطيع أن يعيش منعزلاً عن مجتمعه، بل يسعى إلى أن يتبادل مع غيره السلع والخدمات، وفى المجتمعات البدائية كانت تتم هذه المبادلات بشىء كبير من البساطة، فمن يحتاج إلى سلعة كان يستبدلها بسلعة أخرى متوفرة لديه، فكان يستبدل القمح بالأرز مثلاً أو التمر بالشعير، ولم تتوقف عملية المبادلة على السلع بل تعدتها إلى الخدمات، فكان يمكن مبادلة جهد بسلعة أو سلعة بجهد أو جهد بجهد، كأن يذهب عامل للحفر يحفر بئراً عند طبيب مقابل خدمة من الطبيب تُقدم إليه وهكذا. ومع تقدم المجتمعات وتعقدها صارت عملية المبادلة صعبة، وهذا مما جعل هناك حاجة ملحة لأن تتخذ المجتمعات مقياساً تقدر به قيمة السلعة أو الخدمة فيما يعرف بالثمن أو الأجر. ولكى يكون هذا المقياس معبراً عن القيمة سواء أكانت قيمة سلعة (ثمن) أو قيمة جهد (أجر) يجب أن يحمل هذا المقياس قيمة حقيقية فى ذاته، فكان الذهب والفضة هما المقياس الذى اتخذته البشرية لتقدر به القيمة سواء الثمن أو الأجر.

فقد اتخذت الدولة الرومانية الدنانير الهرقلية نقداً لها وكانت من الذهب، والدولة الفارسية قد اتخذت لها دراهم فضية نقداً كانت تسمى الدراهم الساسانية، وحين أقام الرسول عليه الصلاة والسلام أول دولة إسلامية فى المدينة تعامل بالدنانير الهرقلية والدراهم الساسانية، وفى عام 20 هجرية أضاف عمر بن الخطاب إليها “باسم الله وباسم الله ربى” حتى جاء عام 75 للهجرة وقام عبد الملك بن مروان بنقش أول دنانير كانت هى أول نقد إسلامى فى تاريخ المسلمين. وقد استقر التعامل بهذا النقد أى الذهب والفضة فى العالم حتى بداية القرن العشرين. ولقد تميزت هذه الحقبة من تاريخ البشرية بالاستقرار الاقتصادى وتجنب الأزمات الاقتصادية لأن حركة الاقتصاد فى أى دولة كانت حقيقية، فإذا خرجت سلع من أى دولة أو خدمات يدخل مقابل لها ذهب وفضة، أى تدخل أعيان بقيمة حقيقية لها وجود، وليست أرقاماً متوهمة ليس لها أى وجود فى دائرة رأس المال الطبيعية. ومن الأمور اللافتة التى صاحبت هذه الحقبة أن الأسعار بقيت ثابتة تقريباً على مدى 150 عاماً منذ 1760 حتى عام 1910 دون أى تغيير.

وبعد الحرب العالمية الأولى حدث اضطراب فى النقد بسبب عزوف الدول الغربية قبيل الحرب عن قاعدة الذهب والفضة النقضية، فأصبحت العملة الورقية غير مغطاة بالذهب والفضة، وكانت قيمتها مبنية على ثقة الناس في اقتصاد الدولة، فلما ضعف الاقتصاد جراء الحرب، ولجأت الدولة إلى طبع الأوراق النقدية الغير مغطاة لسد عجز مدفوعاتها، أدى هذا إلى التضخم، وإلى فقدان الناس ثقتهم في الاقتصاد وبالتالي ثقتهم في العملة فانهارت قيمتها. إلا أنه في عام 1922 عاد الاستقرار بشكل جزئى إلى ميزان الذهب، إلا أنه لم يدم أكثر من 7 سنوات حيث انهار تماماً عام 1929 وحدثت الأزمة الاقتصادية الكبيرة المعروفة بالكساد الكبير. ثم تلى ذلك الحرب العالمية الثانية عام 1939 والتى خرجت منها أمريكا منتصرة، وقد استطاعت بانتصارها هذا أن تفرض إرادتها، فقامت “بشيطنة” النظام النقدى فى اتفاقية (بريتون وودز) عام 1944 مستغلة تركز ثلثى الذهب الموجود في العالم على أرضها، فأبقت على ارتباط الدولار بالذهب لفترة، وألغته عن باقى العملات، وجعلت نسبة التحويل لهذه العملات تُحسب مباشرة بالدولار، بمعنى أن الدولار أصبح هو المقياس للعملات الأخرى، فأصبح هو العملة النقدية العالمية التي تُقاس بها كل السلع والخدمات في التداول العالمي، ففرضت أمريكا بذلك عملتها على العالم، وجعلت منها الأداة الفعالة للتحكم في الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالحها، وبسبب تركز جزء كبير من الذهب فى ذلك الوقت في الولايات المتحدة استطاعت أن تغطى الدولار بنسبة عالية من هذا المعدن النفيس، واستمر هذا الحال حتى قام نيكسون فى 15 أغسطس عام 1971 بالإلغاء التام لربط الدولار بقيمة معينة ثابتة من الذهب، ومنذ ذلك الحين أصبحت قيمة الدولار في الأسواق تهبط وتقف. حسب مصالح الإدارة الامريكية ومطامعها الاستعمارية، مع أن القيمة الحقيقية للدولار لا تتعدى قيمة الورق المطبوع عليه.

وقد أصبح النظام النقدى فى العالم منذ ذلك التاريخ فى حكم العدم، ولايعبر بأى حال من الأحوال عن واقع الحركة الاقتصادية لأى دولة أو قوة اقتصادها الحقيقية، بل كانت القرارات السياسية للدولة هى التى تمنح عملتها القوة أو الضعف، وبعد أن خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية منتصرة أنشأت المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد الدولى، والبنك الدولى خدمة لمصالحها، وبهما استطاعت أن تسيطر على النظام النقدى العالمى سيطرة شبه كاملة علاوة على سيطرتها بدولارها الذي أصبح العملة العالمية.

كل هذا أدى إلى النتيجة الطبيعية أن النقد الموجود فى العالم لايعبر عما تملكه الدول حقيقة من سلع وخدمات، أى أن هناك نسبة كبيرة من المال الموجود غير حقيقية، وهذا ما أثر في إيجاد اقتصاد غير حقيقى “unreal economy”، ناهيك عن تأثير اقتصاد البورصة الوهمي و”فقاعته المالية” في ذلك، وهذا بدوره كان السبب الأول الذى أحدث أزمات اقتصادية، لأن العلاقة الطبيعية بين المال الموجود والنقد الذى يعبر عن قيمته قد اختلت ومن مظاهر هذا الاختلال حدوث تضخم وازدياد الأسعار وتقلبها بشكل سريع.

والمصيبة الكبرى في أزمة النقد هى تحكم أمريكا بالعالم من خلال تحكمها بسعر الدولار، لأن باقى دول العالم تتخذه احتياطياً لعملاتها، أى هو بمثابة الذهب والفضة بالنسبة لعملة تلك البلدان، وهذا يعنى أن أية هزة للدولار تجبر كل دول العالم – التى تحتفظ باحتياطات كبيرة من الدولار- أن تسارع هى بإنقاذه حتى لاتتضرر. وهذا يعنى باختصار أن أمريكا قد وضعت كل دول العالم معها فى سفينتها، حتى إذا غرقت أخذت الجميع معها، وهذا يفسر محاولات أوروبا وبخاصة الصين، التي تحتفظ بأكبر احتياطي عالمي من العملة الأمريكية، إنقاذ الدولار فى عام 2008، وهذا يذكرنا كذلك بمحاولات شارل ديجول فى ستينيات القرن الماضي استعادة نظام الذهب للتخلص من سيطرة الدولار، إلا أن محاولاته باءت بالفشل.