خبر وتعليق سياسي

رأي في حدث: التصعيد بين كوريا الشمالية وأمريكا عبثٌ بمصائرِ الشعوب!،والخلافةُ وحدها ستقطعُ دابرَ كلِ لعوب

الحدث:

روسيا تحذر والصين تدعو للتهدئة بين أمريكا وكوريا الشمالية، وتأتي هذه التصريحات بعدما أمر زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وحدات الصواريخ الإستراتيجية بأخذ وضعية الاستعداد لمهاجمة قواعد عسكرية أميركية بكوريا الجنوبية والمحيط الهادئ، وجاءت هذه التهديدات بعد إعلان واشنطن أن قاذفات من طراز “بي 2” الإستراتيجية القادرة على حمل أسلحة نووية نفذت طلعات فوق شبه الجزيرة الكورية. يُذكر أن بيونغ يانغ صعدت لهجتها ضد سول وواشنطن منذ تشديد العقوبات عليها على خلفية تجربتها النووية الأخيرة، حتى أنها هددت بشن حرب نووية شاملة عليهما وتحويلهما إلى “بحر من نار” إذا مضت أميركا فيما أسمتها سياسة التخويف التي تعتمدها ضدها. [رويترز 29/03/2013م].

الرأي:

لفهم هذه التصعيدات فهماً سياسياً صحيحاً، لا بد أن نفهم طبيعة العلاقات بين أمريكا وكوريا الشمالية والصين من جهة، وبين أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان من جهة ثانية، وأمريكا وروسيا من جهة ثالثة…

إن قصة أمريكا مع البرنامج النووي لكوريا الشمالية لم تبدأ أمس، بل بدأت منذ عام 1986 عندما طلبت أمريكا معلومات وتفاصيل عن برنامجها النووي ورفضت كوريا تسليمها لها، وسلمتها للصين، وكان عدد الوثائق 19 ألف صفحة. وقد حصل اتفاق بين أمريكا وكوريا الشمالية عام 1994م، بعدما هددت أمريكا بضرب المفاعل النووي لكوريا الشمالية، ينص هذا الاتفاق على أن توقف كوريا الشمالية برنامجها النووي، وتغلق مفاعلها النووي في يونجبون الذي بدأت نشاطها النووي فيه عام 1987، مقابل أن تزودها أمريكا بمفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف. ولكن أمريكا لم تف بوعودها، فاستأنفت كوريا نشاطها النووي وأعادت تشغيل مفاعل يونجبون وطردت المراقبين الدوليين من البلاد، في نهاية عام 2002، وذلك على اثر اتهام أمريكا لكوريا الشمالية أن لها برنامجا نوويا سريا، واتهام كوريا الشمالية لأمريكا بالنكوص عن وعودها بتقديم مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف. وفي أكتوبر 2006 أعلنت كوريا الشمالية عن إجراء أول تجربة نووية. وفي فبراير عام 2007 تم الاتفاق في السداسية التي تضم كوريا الشمالية نفسها وأمريكا وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية على إغلاق مفاعلها النووي يونجبون مقابل مساعدات تقدم لها لتزويدها بالوقود. وقد أعلنت أمريكا أنها ستقدم لكوريا الشمالية 25 مليون دولار. وبعد نقل الأموال هذه إلى كوريا الشمالية سمح لفرق التفتيش والمراقبين بالدخول وأغلق مفاعل يونجبون. وفي يوليو 2008 سلمت كوريا الشمالية تقريرها المتعلق ببرنامجها النووي في إطار صفقة تخليها عن برنامجها النووي. وقد توقفت مباحثاتهما في نهاية عام 2008 على اثر خلافات بينهما بسبب الدعوة إلى التأكد من التزام كوريا الشمالية بالتزاماتها التي تعهدت بها في الاتفاقيات السابقة. وفي بداية العام 2009 أعلنت عن انسحابها من السداسية وإعادة تشغيل مفاعلها النووي في يونجبون بعد أن طردت المفتشين الدوليين من البلاد وهددت باستئناف تجاربها النووية. ثم أجرت تجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى يحمل قمرا صناعياً. فاتخذ مجلس الأمن قرارا يدينها ويطلب تطبيق العقوبات عليها التي جمدت من قبل بعد قرار مجلس الأمن رقم 1718 عام 2006 عقب إجرائها أول تجربة نووية. فأعلنت مرة ثانية في 14/4/2009 على اثر قرار مجلس الأمن الذي صدر قبل يوم من هذا التاريخ أنها انسحبت من السداسية، وأعلنت انه لا جدوى منها، وأنها غير ملتزمة بأي اتفاقيات أبرمت خلال المحادثات السداسية.

يتبين من ذلك أن أمريكا كانت تعمل على خداع كوريا الشمالية بحيث توقف كل نشاطها النووي مقابل لا شيء سوى وعود والتزامات كاذبة أو التزامات تتأخر بتحقيقها أو تتراجع عنها أو عن قسم منها، إلا أن كوريا الشمالية كانت واعية، فكلما رأت من أمريكا مراوغة تعود إلى استئناف نشاطها النووي. ويظهر أن أمريكا ليست حاسمة لحد النهاية في هذا الموضوع. وربما يمنعها من ذلك إنها لا تريد أن توتر علاقاتها مع الصين وتوجد قطيعة بينهما لوجود مصالح لها في الصين أهم وأكبر من المفاعل النووي الكوري الشمالي.

كما أنه يفهم من تصرفات أمريكا وتصريحاتها وردود الفعل عليها في تلك المنطقة أن لها أهدافاً أخرى، ومنها تعزيز وجودها في المنطقة لتبقي سيطرتها محكمة عليها بحيث تبقى دول المنطقة محتاجة للحماية الأمريكية (اليابان وكوريا الجنوبية)، فتتمكن من ابتزازها واستغلالها، وخاصة أن لها وجوداً عسكرياً كبيراً في هذه المنطقة، حيث يبلغ عدد القوات الأمريكية فيها حوالي 250 ألف جندي أمريكي. فنرى وزير دفاع أمريكا الأسبق روبرت غيتس يعقد اجتماعا خاصا مع وزيري دفاع كوريا الجنوبية واليابان على هامش المؤتمر الأمني في سنغافورة ويعلن بعد هذا الاجتماع:”إنه من المهم أن تتعاون كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة والعالم أجمع كي تواجه هذه المشكلة أطراف متعددة“. [راديو سوا 31/05/2009]، ما يعني أن أمريكا، تحاول استغلال هذه المشكلة لبسط هيمنتها على المنطقة وإثبات قيادتها للعالم، وإخافة الصين من أنها؛ أي أمريكا، ربما تشعل حربا هناك مع جارتها وحليفتها كوريا الشمالية، في أية لحظة، أي أن أمريكا من خلال هذه المشكلة تحاول ابتزاز الصين في نزع تنازلات منها، وتسهيلات في الاقتصاد والتجارة والمال وفي السياسة المتعلقة بالمنطقة، وتبقى مطوِّقة الصين ومرابطة على حدودها بذريعة كوريا الشمالية وأسلحتها النووية وصواريخها. وليس هذا غريبا على أمريكا فهي تستخدم نفس الأسلوب مع روسيا!، تسوِّق نصب صواريخ مضادة في بولندا ورادارات متطورة في التشيك تجاه روسيا بذريعة الصواريخ الإيرانية “وخطورتها”.

أما كوريا الجنوبية واليابان فهما الطرف الأضعف في هذا العبث الدولي!، وشعوبهما يكتويان اقتصادياً والسبب هو الهيمنة الأمريكية عليهما بشكل مباشر وغير مباشر عبر  جيوشها المرابطة على أراضيهما وابتزازات هنا وهناك، فلا تريدان للأمور أن تتوتر أكثر، وأن تحصل حرب على حسابهما. ودوماً نجد كوريا الجنوبية تبادر لتهدئة الأمور، فمثلاً قد صرح الرئيس الكوري الجنوبي (باك) مطلع العام 2008: “لقد تعهدت بالتواصل مع الشمال مقابل تخليه عن طموحاته النووية[الفرنسية 11/06/2008]، وكانت كوريا الجنوبية تعمل للمصالحة مع كوريا الشمالية باستمرار، وقد عقدت قمتين بين رئيسيهما في عام 2000 وفي عام 2007 وكل ذلك بمبادرة جنوبية.

 وأما موقف روسيا فهو انتقادٌ للتصعيد الأمريكي والكوري الشمالي على السواء، لكنها أكثر حدة تُجاه التصعيد الأمريكي، فهي غير راضية عن أمريكا ولعبها لدور البوليس الدولي وبسط نفوذها في شبه الجزيرة الكورية حيث: “أعرب سيرغي لافروف في تصريح للصحفيين أن موسكو انتقدت الاجراءات التي يجرى اتخاذها خارج المجلس من قبل أمريكا ومن ضمنها التدريبات العسكرية بين كوريا الجنوبية وأمريكا[الجزيرة نت 29/03/2013]، وروسيا تهدف إلى علاقات جيدة مع اليابان، وليست لها مصلحة في أن تطوير كوريا الشمالية برامجها النووية والصاروخية، لأنها تدرك أن أمريكا تتخذها وسيلة لإحكام سيطرتها في المنطقة. وتريد منها أن تبقى في دوامة المحادثات في إطار المباحثات السداسية تحت عينها ولا تخرج عنها حتى يتم التوصل إلى حل يوقفها عن تطوير برامجها النووية والصاروخية، وبالتالي إنهاء ما يسمى بمسألة شبه الجزيرة الكورية.

فهل يمكن أن تؤدي سخونة الأحداث إلى أن تشن أمريكا حرباً على المنشآت النووية لكوريا؟ إن هذا مستبعد، على الأقل في المدى المنظور، فإن أمريكا لم تقم بمثل هذا عندما كانت كوريا الشمالية لا تمتلك القنبلة النووية ولا تمتلك صواريخ بالستية، في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تعلم أن كوريا تسير نحو ذلك، وكانت تتوقع أن تصل إلى القدرة النووية، فكيف إذاً تشن حرباً عليها الآن وقد امتلكت أسلحة نووية، وبخاصة وأن علاقة كوريا مع الصين لازالت قوية؟.

فلماذا قامت أمريكا بعمل الطلعات العسكرية عبر طائرتيها الخميس؟

إذا ما أخذنا في الحسبان “أن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وقعتا الأحد الماضي 24/03/2013 على خطة مشتركة للرد على استفزازات كوريا الشمالية تتضمن تفاصيل عن كيفية التعاون في هذا الرد وبعض البنود الاقتصادية الهامة“، فعندها ينجلي بوضوح أن طلعات القاذفات الأمريكية كانت تهدف إلى طمأنة الحلفاء الرئيسيين في كوريا الجنوبية واليابان على أن واشنطن تقف إلى جوارهم وسط تهديدات الشمال رغم أن أمريكا تمر بأزمة مالية خانقة، لكنها كعادتها “تتحمل” في سبيل الدفاع عن السلام العالمي!، ويوافق هذا التحليل ما صرح به (ديني روي) الخبير في الشؤون الأمنية في آسيا والمحيط الهادي لدى مركز ايست-ويست في هاواي قائلاً: “من وجهة النظر الأمريكية يجب طمأنة كوريا الجنوبية بشأن استمرار الالتزام الأمريكي لاسيما في أوقات قد يشكك فيها البعض في هذا الالتزام بسبب الأزمة المالية[رويترز 30/03/2013]. أما بخصوص كوريا الشمالية فهي لن تخاطر بشن حرب على أمريكا في المدى المنظور خصوصاً أنها تأتمر بأمر الصين بحكم طبيعة العلاقات بينهما وأن الصين حليفها الوحيد، والصين لا تجترئ على تحدي أمريكا فهي لا تمتلك طموحات دولية، يقول الخبير الاستراتيجي لي مينج يونج الخبير في شؤون كوريا الشمالية في جامعة سوكميونج ويمن في سول: “يبدو أن على الزعيم الشاب لكوريا الشمالية والذي يبلغ من العمر 30 عاماً ان يثبت قدرته على التصدي لتهديد متصور من جانب الولايات المتحدة بشكل أو بآخر[الجزيرة نت 29/03/2013]، ولذلك فقد سمعنا التهديد بشن حرب على أهداف أمريكية وبعض الضجيج اللازم لكسب تأييد شعبه، مع أنه يدرك أنه غير قادر على شن حرب خصوصاً وأن بلاده في الوقت الحالي مع ذوبان الجليد في فصل الربيع يساعد جيشها – وقوامه 1.2 مليون جندي –  الفلاحين في الزراعة، وهي مهمة رئيسة في بلد يعاني من نقص مزمن في الغذاء، وأيضاً فإن الزعيم الكوري الشمالي الشاب قد صُعق عندما أدرك أن أمريكا  تستطيع الوصول لأرضه بكل سهولة! فعندما وصلته تقارير العملية العسكرية الأمريكية وأدرك أن قاذفتي الشبح الإستراتيجيتين أقلعتا من قاعدة (وايتمان الجوية بولاية ميسوري) الأميركية لإسقاط ذخائر خاملة قبالة الساحل الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة الكورية، قبل أن تعودا إلى قاعدتهما الرئيسية، في رحلة يبلغ طولها عشرين ألف كيلومتر بدون توقف!، فبالتالي أمريكا ستصله وقتما أرادات!، وها هو وزير الدفاع الأميركي (تشاك هاغل) يصرح في نفس السياق ويقول إنه يتعين على كوريا الشمالية فهم الرسالة التي وجهتها طلعات طائرتين من هذا الطراز بدون توقف الخميس من الولايات المتحدة إلى كوريا، وأوضح أن هذه المهمة: “توضح قدرة الولايات المتحدة على القيام بضربات طويلة المدى وبالغة الدقة وسريعة كما يحلو لها[رويترز 29/03/2013]، لذلك فتصعيد اللهجة من الزعيم الكوري الشمالي الجديد لا يخرج عن إطار الضجيج وطمأنة شعبه بأنه زعيم حقيقي كوالده، ومن كل ما سبق يظهر أن قيام كوريا الشمالية بهجمة عسكرية رغم كل هذا التهديد والوعيد هو مستبعد إلى حد ما.

يا عقلاء العالم: إنه بعد كل هذه الوقائع التي تبين بشكل صارخ كيف أن العالم يسيطر عليه رأسماليون جشعون يحركون جيوشهم العسكرية وعملائهم السياسيين ورجال مخابراتهم من أجل السيطرة على ثروات العالم والعبث بمصائر الشعوب سواءً أكانت إسلاميةً أو غير إسلامية، والنتيجة واحدة: أزمات اقتصادية لكل العالم، ومليارات تُنفق على سباق التسلح والبرامج العسكرية النووية، وكل ذلك لخدمة من؟!، إنها لخدمة مصالح امبراطورية العم سام… (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)… إن على العالم أن يدرك أنه لا خلاص للبشرية من سيطرة إمبراطورية الشر أمريكا وإثارتها للصراعات، وعبثها في مصائر الشعوب إلا بقيام دولة الحقِ والنور؛ الخـلافة الراشدة، فالحـلافة كانت وستظل هي القادرَ الأوحد على نشرِ العدلِ؛ وقطع دابرِ كل لعوبٍ من الكفارِ المستعمرين بتطبيقها لشرعِ سيد المرسلين:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)