خبر وتعليق سياسي

رأي في حدث: واقعة التسمم

ليست واقعة التسمم التى ألمت بطلاب الأزهر فى المدينة الجامعية يوم الإثنين 1/4/2013 هى الحادث الجسيم الأول الذى نال من أبنائنا في مصر الكنانة، فقد سبقته إصابات بالسل لبناتنا ودهم لأطفالنا بالقطار سنة 2005، إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة الكثيرة التي تكاد أن لا تعد، ولكن الجديد في الأمر هو اندفاع أبنائنا الطلاب الى اقتحام المشيخة والتعريض بشيخ الأزهر!

وإنه وإن كانت جرأة الطلاب على علمائهم بهذا الشكل المهين هو في الأساس أمر منكر غير مسبوق؛ فإنه لا يمكن فصلها بحال عن المناخ السياسى المضطرب الذى نجم عن إجهاض ثورة يناير المباركة، والذى ما زال يلقى بظلاله الثقيلة على مشهد الشارع المصرى.

وإنه وبالرغم من أن مشيخة الأزهر و”الإخوان المسلمون” يرفعان شعارا واحدا وهو ما يسمى بالإسلام “الوسطي” أو “المعتدل”، ويتوافقان على شكل ونظام واحد للدولة وهوالدولة الوطنية المدنية الديمقراطية العلمانية؛ إلا أنهما قد اختلفا فى أمور أخرى، حيث أبدى الأزهر عدم ارتياحه لاتجاه الإخوان فى مسيرة إعداد الدستور إلى فرض هيمنتهم باسم الإسلام، ورَفَضَ إلحاق صفة الإسلام بالصكوك التى يحاول الإخوان فرضها فى مصر، ظنًا منهم أنها المخرج من الأزمة الاقتصادية الراهنة، وأنكر الأزهر المد الشيعى فى البلاد الذى يبدو أن الإخوان لا يأبهون به، وقد شكل هذا الخلاف عقبة قوية أمام المسيرة السياسية التى ينتهجها الإخوان فى البلاد؛ لذا فقد ارتأوا محاولة إقالة شيخ الأزهر من منصبه والإتيان بآخر هو خيرٌ منه زكاة وأَقْربُ رُحمًا.

ولكن كيف السبيل إلى ذلك وشيخ الأزهر يملك حصانة دستورية؟ فقد اعترف القيادي السلفي البارز ياسر برهامى بهذه الإشكالية وقال: “لقد اضطررنا للموافقة على تحصين شيخ الأزهر فى الدستور ضد الإقالة حتى لا ينسحب الأزهر من الجمعية الدستورية”، وأضاف: “ممكن بعد الدستور نخترع أى شيء لإقالته!”، فجاءت قضية التسمم فرصة سانحة للشروع في ذلك.

وفعلا فقد سارت التصريحات والأعمال السياسية من قبل الاخوان فى هذا الاتجاه، فالدكتور العريان يعلق على هذا الحادث فى نفس اليوم وقبل التحقيق بقوله: “إن هذا من القيادة الفاسدة”، وحمَّل شيخ الأزهر”المسئولية السياسية” لما حدث، وطالب الإخوان صراحة بإقالة شيخ الأزهر، وأعلنوا عن أحقية عضو إرشاد الجماعة الشيخ عبد الرحمن البر بهذا المنصب بوصفه عميدًا فى الأزهر، كما وأبدوا رغبتهم كخيار آخر فى تعيين الشيخ يوسف القرضاوى مكان شيخ الأزهر، لما فى ذلك من ضمان لاستمرار تدفق الأموال من قطر!

والناظر فى هذه التصريحات من كلا الطرفين لا يتصور أنها ممكن أن تصدر ممن يحرصون على مصلحة الأمة الإسلامية؛ ذلك لأن الإسلام دين الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وليس دين الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف؛ فإيذاء الناس، والصكوك الرأسمالية، ومنح الحصانة لأي أحد، والهجوم على أشخاص باسم الإسلام من أجل تحقيق مكاسب حزبية رخيصة، هي كلها أعمال منكرة ما أنزل الله بها من سلطان، وما أملتها عليهم إلا الأهواء والمصالح الدنيوية، والإسلام الذى يدينون به يأباها، ويحتِّم على المسلم الخضوع المطلق لخطاب الشارع الحكيم لا غير. فالحكم الشرعى المستنبط من النصوص الشرعية هو الذى يحدد للمسلم حكم كل فعل من أفعاله، وكل واقعة من وقائع حياته، فإيذاء المسلم محرم بقوله عليه الصلاة والسلام: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”؛ والصكوك المطلوب أسلمتها تخالف خطاب الشارع الحكيم؛ فكيف يسعى الإخوان الى إقرارالمحرمات بين ظهرانى المسلمين؟! والحصانة الممنوحة لشيخ الأزهر لم يعطها الشارع .. لا للمانح ولا للممنوح؛ فكيف يقوم بذلك من يرفع شعار الإسلام؟ إن هذا لشيء عجاب!

وليت هذا التصرف غلطة جاهل، أو هفوة عالم، توهّم أن فى المسألة استثناءً خاصًا فأمضاه، أو ظن أن بها ضرورة متحققة ملجئة فأعملها؛ إذن لهان الأمر، ولكنه ليس كذلك، فأنّى لأولئك “الإسلاميين” الذين تمكنت منهم شهوة الجاه والسلطان أن يدركوا أن تبرير المخالفات الشرعية بالمصلحة بات لديهم منهجا ثابتا ومسلكا متبعا، وأنه وليد فهم غريب للإسلام أفرز ما أسموه بالإسلام الوسطى أو المعتدل، ذلك الفهم الذى خرج من رحم الغزو الفكري الاستعماري الذي يجعل المنفعة المقياس الأساس للأعمال، والذي أملى عليهم القبول بكثير من المفاهيم الغربية الأخرى والتنازل عما يقابلها من المفاهيم الإسلامية!

فتسلمهم للسلطة المنقوصة في نظام ديمقراطي علماني يفرض عليهم قيوداً وخطوطاً حمراء، حاملين في نفس الوقت لهذا الفهم الضيق المخالف للإسلام، جعلهم يتوهمون أن لا بديل للسير في هذا الطريق، وأنه هو الملجأ والخلاص، فظنوا أن من واجبهم حمل الناس عليه طوعا أو كرها، لذلك تراهم يمارسون بفقه هذا الدين الغريب شتى الأفاعيل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! كما أن قبولهم بالحريات الغربية أطلق لهم العنان للقيام بأي شيء خلال صراعهم مع القوى الأخرى، ما دام الفعل يخدم مصالحهم بغض النظر عن واقعه الشرعي، واعتمادهم الديمقراطية التي تفرض حكم الأكثرية جعلهم يستميتون فى محاولة التنفذ إلى كل مفاصل الدولة لضمان استمرار الأكثرية لهم، ولو بالتسلط وإقصاء الآخرين بأي شكل؛ حتى أحالوا كنانة الله فى أرضه وخيرة جنوده من خلقه إلى ساحات هرج ومرج، وجعلوها رهينة ذليلة للكافر المستعمر! وغفلوا عن خطاب الله تعالى لهم بقوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (سورة محمد 22)

لقد آن الأوان لأهلنا فى أرض الكنانة – وهم أهل ذكاء وحمية – أن يكسروا هذا القيد الاستعمارى الذى ما أطال عمره إلا هذه الفئة الغير واعية التي تسلقت على أكتافهم بمعسول الكلام، فهي التي – ولو بدون قصد – تضيق حلقات السلاسل حول رقابهم … تعديا على الدين وعبثاً بالأمانة.

ولن ينفكوا عن ذلك إلا إذا أخذت الأمة على أيديهم وانعتقت من التابعية، وسعت لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، التى روج لأجهزتها الفعالة ودستورها الفذ شبابٌ مخلص فى شوارع مصر وميادينها، وأمام مساجدها وجامعاتها، ففى ظلّها فقط تتحقق العزة والكرامة والأمن والرفاهية لأهل مصر ولجميع المسلمين، بل وللبشرية فى كل أرجاء الأرض، ذلك وعد الله وبشرى رسوله، فإلى هذا الفوز العظيم ندعوكم أيها المسلمون …!