مقالات أنشطة

عبر ودروس من الأحداث في مصر

حوار مجلة الوعي الإندونيسية مع أ. شريف زايد رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

هل ما حدث في مصر يمكن اعتباره فشلا للإسلام السياسي؟

لا يمكن طبعا وصف ما حدث في مصر بعد 30/6 بأنه فشل للإسلام السياسي، ذلك أن الذين وصلوا إلى الحكم مما يُطلق عليهم أصحاب الإسلام الوسطي وأعني بهم جماعة الإخوان المسلمين،لم يكونوا يحملون مشروعا إسلاميا سياسيا حقيقيا، بل أكثر من ذلك لم نرى لهم طوال السنة التي حكموا فيها أي بوادر لمثل هكذا مشروع، لا على صعيد الدستور الذي أخرجوه، والذي لا يختلف كثيرا عن دستور 1971 العلماني، ولا على صعيد القوانين التي بقيت على حالها ولم يعتريها أي تغيير باتجاه الإسلام، ولا على صعيد العلاقات الخارجية، فقد ظلت الهيمنة الأمريكية والتدخل الأمريكي في شئون البلاد واضحا بشكل فاقع، وظلت العقلية الرأسمالية الاقتصادية هي هي، وقد ظهر هذا من خلال إصرار حكومة هشام قنديل على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، والإبقاء على الربا وطرح وزارة المالية لأُذونات الخزينة بفائدة من 15% إلى 16%، كما ظل التنسيق مع كيان يهود على قدم وساق، وبقيت اتفاقية كامب ديفيد محترمة، فباختصار:تصرف الدكتور مرسي كرئيس لجمهورية مصر، تلك الدولة العلمانية التي تفصل الإسلام عن الدولة، ولم يتصرف باعتباره ابنًا لحركة إسلامية تحمل مشروعا إسلاميا، وبالتالي فإن الحديث عن فشل الإسلام السياسي، هو كلام غير صحيح، لأن الإسلام السياسي هذا لم يحكم أصلا، ومن وصلوا للحكم لم يكن لديهم مشروع تغييري حقيقي على أساس الإسلام.

إذا كان الفشل ليس للإسلام السياسي، فمن أو ماذا فشل في مصر؟

الذي فشل في مصر هو الديمقراطية، تلك الفكرة التي انبهر بها البعض حتى من أبناء ورموز التيار الإسلامي، ورأوا فيها حلا عبقريا لتداول السلطة، والتي تروج لها أمريكا في بلادنا على أنها هي الحرية في اختيار الحاكم، في محاولة لإخفاء وجهها الحقيقي الذي لا يمكن أن يقبل به مسلم، وهو أن يكون التشريع أي التحليل والتحريم بيد البشر، وها هم قد انقلبوا على ديمقراطيتهم الزائفة ورفضوا نتائج صندوق الانتخابات، سواء في انتخابات مجلس الشورى أو الرئاسة أو الاستفتاء على الدستور، فظهر لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن ديمقراطيتهم فاشلة زائفة. فالذي فشل إذاً وانكشف دَجله وبان عواره هو النظام الديمقراطي ومن وراءه دول الغرب التي تدعي أنها ترفع لواءه، فإذا بها تغض الطرف عن انقلاب عسكري دموي أطاح برئيس منتخب حسب أصولهم الديقراطية، بل وأكثر من ذلك ترى أبشع صور القمع والقتل دون أن تحرك ساكنا، سوى تصريحات استهلاكية لا قيمة لها، وقد سمعنا ما قاله رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، توني بلير، إنه “يؤيد تماما ما قامت به القوات المسلحة المصرية في مصر حفاظا على هويتها المنفتحة، مقارنة بالرؤية المنغلقة التي كان يتبناها الإخوان المسلمون “. إذاً الذي فشل في مصر هو الديقراطية التي افتضح أمرها وأمر دعاتها ومن يقف وراءها من دول الغرب الكافر، كما يمكننا القول بفشل أمريكا في إحداث استقرار في مصر يحفظ لها مصالحها من خلال استعمال الإسلام الوسطي الذي يمثله الإخوان، والذين لم يستطيعوا إحداث مثل هذا الاستقرار .

محمد مرسي انتُخب رئيسا لجمهورية مصر بالأغلبية و الإخوان المسلمون حصلوا علىأغلبية في برلمان مصر، ما يعني أن دعم المجتمع في مصر لمرسي كبير و هو رئيس شرعي بكل مقياس الديموقراطية، مع كل هذا تم افتزاز الجماهير بسرعة للمظاهرة ضد مرسي و مطالبته بالتنحي من منصبه أو العمل علىإسقاطه؟

الناس في مصر أغلبهم مسلمون، وهم في الغالبية العظمى منهم يحبون الإسلام ويريدون أن يرونه مطبقا في واقع حياتهم، وبالتالي فقد أعطوا أصواتهم في الانتخابات البرلمانية لمن رفع شعار الإسلام، كجماعة الإخوان وحزب النور السلفي، فحصل حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان على نسبة 44% وحصل النور على22%، لكن بعد مضي حوالى ستة أشهر من هذه الانتخابات جاءت الانتخابات الرئاسية التي نجح فيها المرشح الإسلامي محمد مرسي بشق الأنفس، فحصل على حوالي52% من الأصوات أمام أحمد شفيق ممثل النظام السابق، الذي لم يمر على ثورة الناس عليه سوى سنة ونصف السنة، وهذه النتيجة لها دلالتها الخطيرة، ومن هذه الدلالات أن النظام السابق ما زال يمتلك القوة والقدرة على المناوارة، وأن هناك دولة عميقة تضرب بجذورها في كل أركان النظام، وأيضا كانت هناك دلالة أخرى وهي التراجع في نسبة المؤيدين للتيار الإسلامي، خصوصا بعد الأداء السيء لهم في مجلسي الشعب والشورى. وكان لهذين السببين، دور كبير في خروج الناس في 30 يونيو ضد الدكتور مرسي:1- الدولة العميقة، 2- فشل الإخوان في إدارة الدولة وحل مشاكل الناس الحياتية.

وأيضاً هناك تضخيم لأعداد المتظاهرين بشكل كبير لا يعبر عن عددهم الحقيقي، لإظهار الأمر وكأنه ثورة شعبية وليس انقلابا عسكريا تم بالتنسيق مع أمريكا!

ولمَ تم الانقلاب ضد مرسي من قبل الجيش بهذه السهولة، مستخدما احتجاج الجماهير كغطاء شرعي لهذا الإنقلاب؟

لم تكن أمريكا لتقبل بانقلاب عسكري دون سند شعبي، وهذا كان شرطها على الفريق السيسي حتى لا تقع في حرج، خصوصا وأن القانون الأمريكي يمنع إعطاء مساعدات مالية لحكومات جاءت عن طريق الانقلابات العسكرية، وقد لاحظنا أن أمريكا لم تصف ما حدث بأنه انقلاب عسكري. لقد أظهرت هذه الحركة الانقلابية أن الذي يحكم مصر بالفعل هو من يمتلك القوة، وهو الجيش الذي لم يستطع الإخوان كسب ولائه، والذي يبدو لنا أنه مازال يحمل عداءا تاريخيا للإخوان.

مرسي كان يمسك سلطة بأغلبيةالأصوات في الانتخاب،وتحالف الإخوان المسلمين مع حزب النور السلفي تمثل أغلبية في البرلمان، لكن لماذا لم يستطع مرسي وتحالف الإخوان أن يقدمالكثير للإسلام في مصر؟

الأغلبية التي كان يشكلها حزب الحرية والعدالة “الإخوان المسلمون” وحزب النور “السلفيين” لم يستفد منها التيار الإسلامي، ولم تشكل مكسبا للمشروع الإسلامي، ذلك لأنه لم يكن هناك في الحقيقة مشروع لهما يمكن وضع الأصبع عليه ووصفه بأنه مشروع إسلامي، لقد انخرطا الحزبان في اللعبة الديمقراطية وغرقا فيها غرقا تاما، وأنا أذكر في بدايات ظهورهما كقوة سياسية في الوسط السياسي أن حزب النور مثلا قال عن البورصة أنها مخالفة للشرع الإسلامي، وعندما ووجِه بهجوم كبير من قبل العلمانيين، ذهب في اليوم التالي هو وحزب الحرية العدالة لافتتاح البورصة المصرية في خطوة تشكل تراجعا عن موقفه من البورصة. ثم بدأ الصراع بين الحزبين واضحا على السلطة، فكل واحد منهما أراد أن يسوِّق نفسه للغرب باقترابه كثيرا من المفاهيم الغربية وطلب ود الدول الغربية، والبعد كثيرا عن المفاهيم الإسلامية خاصة المتعلقة بإدارة البلد من ناحية الحكم والسياسة. ناهيك عن أن السلطة الحقيقية لم تكن بيد أي منهما، بل كانت في يد أمريكا من خلال المؤسسة العسكرية، التي حافظت على النظام العلماني بكل أدواته ومؤسساته، ولهذا كان من الطبيعي ألا ينجحا في تقديم أية مكاسب حقيقية تصب في صالح الإسلام والمشروع الإسلامي. لقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أنهما أساءا كثيرا من حيث يدرون أو لا يدرون إلى المشروع الإسلامي، الذي أرادت أمريكا أن تظهر فشله علَّها تستطيع واهمة أن تصرف الناس عنه.

و كيف يمكن لجيش مصر أن يتخذ إجراءات وحشية ضد المتظاهرين؟ مع أنهم من أبناء مصر و أكثرهم من المسلمين؟

صحيح أن الجيش من أبناء مصر، وأكثره من المسلمين، لكن قيادته ممثلة بوزير الدفاع وبعض القادة الكبار، تربطهم مصالح بأمريكا تجعل منهم أدوات للمحافظة على المصالح الأمريكية في مصر، التي تشكل عمقاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في المنطقة، وتستطيع تلك القيادة تبرير كل ما تقوم به من إجراءات وحشية ضد المتظاهرين من خلال جهاز الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، التي على سبيل المثال استخدمت الدكتور علي جمعة المفتي السابق، والداعية عمرو خالد، والشيخ سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف السابق، في إصدار فيديوهات تبرر كل ذلك من ناحية شرعية، كما أنهم يسيطرون على آلة إعلامية ضخمة، تقوم بحشو عقول الناس بما تريد، بل ربما تقنع الكثيرين بأن المتظاهرين قتلوا بعضهم البعض ليظهروا أنفسهم أنهم ضحايا، ناهيك عن الحديث عن الأمن القومي وتهديد السلم الأهلي وتنفيذ أجندات خارجية من قبل المتظاهرين، واستعمال فزَّاعة الإرهاب لتبرير كل ذلك القتل عند الناس والجنود والضباط الذين يقومون بذلك. قد لا يصدق بعض الضباط أو الجنود ذلك وربما يتمردوا على تنفيذ أوامر القتل، ولكن تحرص القيادة العسكرية على عدم إظهار ذلك لوسائل الإعلام، وربما تلجأ لإبعاد هؤلاء عن المشهد إما بالقتل أو السجن.

وبهذه الخلفية، هل يمكن للجيش المصري أن يعطي النصرة لتطبيق الأحكام الشرعية وإقامة الحكم الإسلامي في مصر؟ و ما يجب أن نفعل لتحقيق ذلك؟

الجيش المصري هو من نسيج هذا الشعب، وجنوده وضباطه في غالبيتهم العظمى مسلمون محبون للإسلام، وهم يشعرون بما يشعر به الناس، ويتألمون لما يتألم منه الناس، ولكن قطاع عريض منهم لا يدرك أين الخلل في تركيبة النظام السياسي الموجود، فلو تم الاتصال بهم وتوعيتهم لأمكن التأثير فيهم وكسبهم إن شاء الله، فهم ليسوا معزولين في معسكرات خارج المناطق السكنية، بل هم من بنية المجتمع، فمنهم الأب والابن والخال والعم والصديق، والاتصال بهم والحديث معهم ممكن، والإسلام هو عقيدتهم وحضارتهم التي ينتمون إليها، فمن الممكن أن يعطي الجيش المصري النصرة لإقامة الخلافة شريطة أن يرى حملة هذا المشروع في أرض الواقع، يغذون السير نحوه ويصلون الليل بالنهار لتحقيقه، ويرى التفاف الناس من حولهم، ويدرك عظمة هذا المشروع من خلال الصراع الفكري والكفاح السياسي الذي يمارسه حملة الدعوة في المجتمع. لقد انحاز الجيش في 25 يناير لحركة الشارع العارمة ضد مبارك وحاشيته- وان اضطُر لذلك- لكنه سينحاز بشكل فعلي لمشروع الخلافة إذا التف الناس حوله، واتصل حملة هذا المشروع بقادته وضباطه اتصالا واعيا يجعل منهم حراسا وناصرين للخلافة ولمشروعها. 

ما العوامل الرئيسة لإيجاد تغيير حقيقي في مصر؟

لا يمكن إحداث تغيير حقيقي في مصر بدون أمرين:

الأول: إيجاد رأي عام منبثق عن وعي عام عند الأمة على مشروع الخلافة، وهذا يتم من خلال الصراع الفكري مع الأفكار المخالفة للإسلام الموجودة في المجتمع، كأفكار الديمقراطية والوطنية والقومية والعلمانية وغيرها، والكفاح السياسي مع الحكام من خلال فضحهم وكشف ألاعيبهم وعمالتهم لأعداء الأمة، وكشف خطط الكافر المستعمر في بلادنا.

الأمر الثاني: طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، الممثلة في الجيش وأصحاب الرأي في الدولة.

و ما الذي يجب أن يفعله الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية الأخرى و الأمة الإسلامية في مصر؟

يجب أن يعمل الجميع على تحقيق هذين الأمرين في المجتمع، خصوصا وقد تبين للجميع أن طريق الديمقراطية والمشاركة السياسية في تلك اللعبة لا يوصل إلى التغيير المنشود، ولقد رفض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الحكم منقوصا أو مشروطا واستمر في سيره حتى منَّ الله عليه بأن ساق له هذا الحي من الأنصار فبايعوه ونصروه، وأعطوه السلطان كاملاً، وأقاموا الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.

و في هذه الإوضاع،ماإمكانية إقامة الخلافة؟

الخلافة قائمة لا محالة، وإمكانية إقامتها هذه الأيام أقوى من أي وقت مضى، فقد انكشف الحكام للأمة وبانت عمالتهم وخدمتهم لأسيادهم في الغرب الكافر، وظهر عوار المبدأ الديمقراطي، وانفضح أمر الديمقراطية الزائفة، ولعل هذا من حسنات ما حدث في 30 يونيو إن كان له حسنات. فلقد اتضحت معالم الصورة لمن كانت على بصره غشاوة الديمقراطية والحريات الزائفة، وظهر لكل ذي بصيرة أن الإسلام هو وحده القادر على إنقاذ الناس من ضيق الدنيا وضنك العيش. قال تعالى:”ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا”