مقالات سياسي

ذكرى الحرب العالمية الأولى والخلافة

استطاعت القوى الغربية في الحرب العالمية الأولى توجيه ضربة موجعة للأمة الإسلامية تمثلت في هزيمة الدولة العثمانية والقضاء على الخلافة واستعمار ولاياتها العربية وفق اتفاقية سايكس-بيكو 1916م، وأتبعتها بضربة موجعة أخرى هي إعطاء وعد بلفور لليهود في 1917م، ومساندتهم في إيجاد دولة لهم في فلسطين. ويكاد يكون ذلك أهم إنجاز للغرب في تلك الفترة، ورغم ذلك لا يعرف الكثير من المسلمين عن الحرب العالمية الأولى سوى أنها كانت بين ألمانيا ودول الغرب بريطانيا وفرنسا وأمريكا ومن ثم روسيا، وفي هذه الأيام تمر ذكرى اندلاع تلك الحرب وبالتحديد في 28/7/1914م، ومن اللافت أن معظم التقارير والأفلام الوثائقية تتجاهل الحديث عما حدث للدولة العثمانية، وإن تحدثت يكون حديثا مقتضبا لا يلامس الواقع التاريخي بشكل حقيقي ولا يبين مدى الكارثة التي حلت بالأمة الإسلامية من جراء تلك الحرب، وكأن الدولة العثمانية آنذاك كانت دولة هامشية لا قيمة لها، وكأن تداعيات تلك الحرب لم يكن لها أكبر الأثر في قلب موازين القوى في العالم، وخلق واقع جديد كان الغرب يحلم به ويسعى إليه، بل ويتمنى أن يستيقظ من نومه ليرى ذهاب دولة المسلمين دولة الخلافة العثمانية، ليرتاح الغرب ويطمئن أن لا راعي ولا حامي للأمة الإسلامية بعد القضاء على ما تبقى من دولتهم، والتي على ضعفها وهزالها في أواخر أيامها استطاعت أن تقف سدا منيعا أمام مخططات يهود ومن ورائهم الغرب للسيطرة على فلسطين وإقامة دولتهم المزعومة فيها، لتكون خنجرا مسموما في خاصرة الأمة الإسلامية يمنعها من الوحدة مرة ثانية وإعادة أمجاد المسلمين. ولا تزال الأمة تعاني حتى اليوم من غياب دولة المسلمين فتداعت الأمم على أمة الإسلام كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، احتلال هنا وقتل وتدمير وتشريد هناك، ونهب منظم لثروات الأمة، وتبديد لمقدراتها، وإفقار لشعوبها بأيدي حكام رويبضات رضوا بأن يكونوا أدوات في يد الغرب الكافر ليمنعوا أي عمل يستهدف عودة العزة للأمة الإسلامية.

كان السلطان عبد الحميد يدرك جيدا أنه في يوم من الأيام ستنشب مثل تلك الحرب بين دول أوروبا التي تتربص بالخلافة وتنوي لها كل شر، وكانت خطته تتلخص في الاستعداد لذلك اليوم بتقوية الدولة عسكريا وتجهيزها وتطويرها، ومن ثم الانضمام لدولة تسود البحار ليتمكن من مواجهة أعداء الدولة الذين يكيدون لها وبخاصة إنجلترا وفرنسا، ولكن تم التآمر على السلطان وعزله في 1909، وبعد ذلك بخمس سنوات قامت الحرب وانحازت الدولة العثمانية لألمانيا ولكنها لم تكن جاهزة لدخول مثل تلك الحرب، فأصابتها الهزيمة التي كانت مقدمة للقضاء عليها ومحوها من خارطة القوى السياسية العالمية التي كانت لها فيها كلمتها المسموعة.

لقد نص بروتوكول معاهدة لوزان المعقود بين الحلفاء والدولة التركية عام 1923 على الشروط المعروفة بشروط كروزن الأربعة على ما يلي:

أولا – قطع كل صلة بالإسلام.

ثانيا – إلغاء الخلافة الإسلامية.

ثالثا –  طرد الخليفة خارج الحدود، ومصادرة أمواله.

رابعا – اتخاذ دستور مدني بدلا من دستور تركيا القديم المؤسس على الإسلام.

والمتأمل في تلك الشروط يدرك مدى الحقد الذي كان يحرك الحلفاء تجاه الدولة العثمانية باعتبارها دولة للمسلمين، وله أن يتساءل ما علاقة تلك الشروط بقضية الحرب، وهل كانت هناك شروط مماثلة تتعلق بألمانيا، إلا إذا كان الأمر يتعلق بخوف حقيقي من دولة الخلافة وحرص شديد من الغرب على القضاء عليها. لقد كانت هناك معارضة شديدة من قبل بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني لانسحاب قوات التحالف من اسطنبول والاعتراف بالجمهورية التركية، لكن كروزون وزير خارجية بريطانيا آنذاك اعتبر تلك المعارضة والخوف من بعض نواب المجلس غير مبرر، ذلك أنه أدرك أن تركيا لن تقوم لها قائمة بعد القضاء على مصدر قوتها الإسلام والخلافة، وهذا هو ما قاله لهم بالنص، “القضية أن تركيا قد قضى عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام”.

كل هذا وأكثر يتم تجاهله من قبل كل من أحيا ذكرى الحرب العالمية الأولى، فهو لا يريد تذكير المسلمين بتكالب دول الغرب الكافر على دولتهم دولة الخلافة العثمانية، وهو لا يريد تذكير المسلمين بالنتائج الخطيرة التي أضرت بالمسلمين أكثر من غيرهم، برغم أن تلك الحرب هي من دق المسمار الأخيرة في نعش خلافة المسلمين، ونحن هنا نريد أن نؤكد للأمة إدراك الغرب لخطورة أن يكون للمسلمين دولة بحجم دولة الخلافة، فإذا كان الغرب يدرك ذلك ويخاف منه فيجب على المسلمين أن يهبوا لإقامة تلك الدولة مرة ثانية ولتكن على منهاج النبوة حتى تزلزل كيان الغرب الكافر وتجعل كيدهم في نحرهم، وما ذلك على الله بعزيز.