مقالات فكري

الخلافة القادمة الغائظة لأذناب العلمانية

ما زال بعض أذناب العلمانية في مصر يُصر على السير في طريق التضليل حتى نهايته، فمنهم من يسن قلمه ومنهم من يطلق لسانه لضرب الإسلام من ناحية سياسية، ليوهم الأمة أن ليس للإسلام نظامٌ سياسيٌ محددٌ، بل وليس من شأن الإسلام أن يكون له صلة بالحكم والسياسة، ويكاد يظهر الغيظ من الخلافة في كلامهم جميعا، والكل ينهل مما أسس له الكتاب الساقط “الإسلام وأصول الحكم” الذي يقرر كاتبه بكل صلف واستكبار “أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية. كلا، ولا القضاء ولا وظائف الحكم ومراكز الدولة، إنما تلك خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع منها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة”. إن هذا الكلام يعد عند هؤلاء العلمانيين كلامًا محترمًا ينسف فكرة الخلافة عند الإسلاميين الذين يدعون لها، خاصة وقد صدر عن شيخ معمم من علماء الأزهر الشريف، وبرغم أن الأزهر أخرجه من زمرة العلماء حينها، إلا أن هذا القرار عند هؤلاء العلمانيين هو قرار سياسي صدر بإيعاز من الملك فؤاد الذي كان يخطط لأن يكون خليفة المسلمين حينها، وبرغم أنه صدرت الكثير من الكتب التي تفند دعاوى الكاتب الساقطة إلا أن هؤلاء العلمانيين لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة تلك الكتب التي تتميز عن كتابهم الأيقونة هذا بالعمق والشمول وإيراد الأدلة الشرعية على أقوالهم. لقد عميت قلوب هؤلاء عن كل هذا وانبروا يرددون ما كتبه علي عبد الرازق متصورين أنه قد يسعفهم في معركتهم التي يخوضونها ضد الإسلام باعتباره نظامًا كاملًا شاملًا والحكم جزء منه.

ففي 27 سبتمبر الماضي كتب إبراهيم العريس في جريدة الحياة مقالا بعنوان “«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق: معركة حول قضية الخلافة”، والمقال عبارة عن محاولة لاستدعاء الكتاب والكاتب في معركة فاشلة يخوضها التيار العلماني ضد دولة الخلافة بشكل خاص وضد فكرة أن الإسلام دين ومنه الدولة بشكل عام، والعجيب أن الكاتب يعترف بفشل الكتاب وكاتبه في خوض المعركة وقتئذ، وبرغم ذلك يستدعيه اليوم في معركة أكثر من فاشلة، فالأمة اليوم أكثر وعيًا على إسلامها، وأكثر التفافا حول فكرة الخلافة باعتبارها نظام حكم إسلامي وفريضة فرضها الله على هذه الأمة.

وعلى صعيد مواز على شاشة التلفاز نسمع ونرى إبراهيم عيسى يوجه سهامًا طائشة نحو دولة الخلافة، وهو أيضا لم يأت بجديد، فهو يردد ما قرأه في كتب المستشرقين وأعداء الخلافة والأمة، فالخلافة بالنسبة له نظام أسود وقمعي، فهو يردد في برنامجه هذا الكلام الساقط كالببغاء قائلا: “إن الحكم الإسلامي منذ بدايته لم يستقر على نظام شوية أبو بكر بالانتخاب، وعمر بالتعيين، وعثمان بالتعيين، وعلي بالانتخاب، ومعاوية بحرب أهلية طاحنة، وبعد كده كل واحد بيورث ابنه”. بل ويعتبر عيسى “الدعوة للخلافة هي دعوة للجهالة، فالخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان”، مضيفًا: “الخلافة كانت نظام أسود وكله قمع وحروب أهلية وصراعات”. ثم يرى سيادته أن هيمنة وسيطرة الخلافة على العالم آنذاك ليست ميزة يتفاخر بها المسلمون، فالاسكندر سيطر وهيمن على العالم أيضا حسب قوله. وتناسى عيسى أو تغافل عن أن هيمنة الاسكندر وسيطرته كانت هيمنة استعمارية انتهت بموته وزوال ملكه بينما الفتوحات الإسلامية صهرت الشعوب المفتوحة في بوتقة الإسلام برغم اختلافاتهم العرقية واللغوية، وحققت الدولة الإسلامية نجاحًا منقطع النظير في إيجاد تلك الأمة الإسلامية المترامية الأطراف، وهذا ما لم يحدث لأي مبدأ أو دين سوى للإسلام وللدولة الإسلامية. وبرغم زوال الدولة الإسلامية وسلطان المسلمين من الأرض وتعرض أغلب شعوب الأمة للقمع والاضطهاد بسبب إسلامها إلا أنها ظلت متمسكة بإسلامها وعقيدتها تعض عليها بالنواجذ، فكيف لهذا الرجل أن يساوي بين الفتح الإسلامي والاستعمار المقدوني للشعوب وإذلالها ونهب ثرواتها وخيراتها؟!

وأما قوله “أن الخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان”، فقول ساقط لا يمكن أن يكون مبررا لرفض الخلافة، فالخلافة دولة بشرية وليست دولة إلهية يصيبها ما يصيب الدول من ضعف وفتور، ولكنها برغم تلك الهزيمة عادت فلملمت شتاتها وطردت الصليبيين شر طردة، وهزمت المغول، بل واعتنق المغول دين الإسلام وحملوه للعالم بالدعوة والجهاد، وبنفس منطق إبراهيم عيسى المعوج هذا سيرفض دولة النبوة كذلك لأنها هُزمت في أحد، وكاد أن يُعصف بها في حصار الأحزاب، وكاد أن يفتك بجيشها في مؤتة لولا الانسحاب الماهر للجيش بقيادة خالد بن الوليد. ثم لماذا لا نرى الصحفي الهمام يشن حملة مماثلة على النظامين الملكي والجمهوري اللذين في ظلهما ضاعت فلسطين وهزمت جيوش سبع دول عربية أمام عصابات يهود، وفي ظل النظام الجمهوري ضاعت سيناء والجولان والضفة وغزة، هزائم تتلوها هزائم في ظل تلك الأنظمة العفنة التي لا تقارن بدولة الخلافة، فقد احتلت أفغانستان والعراق، ويقتل الآلاف من أهلنا في فلسطين تحت سمع وبصر أنظمة عربية مهترئة ولا حياة لمن تنادي، هل تقارن تلك الدول المهللة بمواقف الخلافة الإسلامية التي كانت لها الكلمة العليا واليد الطولى في كل أنحاء العالم، مَنْ مِن حكام العرب والمسلمين اليوم يمكن أن يصرخ المسلمون باسمه كالمعتصم، أو هارون الرشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟!. ونحن عندما نحكم على النظام الجمهوري بالفشل نحكم عليه من ناحية فساد الأسس التي قام عليها كفكرة السيادة للشعب وفكرة الحريات المقيتة، لا لأن الجمهورية الفرنسية مثلا سقطت في الحرب العالمية الثانية واحتُلت باريس من قبل ألمانيا.

والرجل يزداد تضليله وغيّه عندما يدعي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما توليا الخلافة بالتعيين، وما كان لعمر أن يكون خليفة للمسلمين بمجرد ترشيح أبي بكر له، بل أصبح خليفة للأمة ببيعة الأمة له بعد موت أبي بكر، ناهيك عن أن الأمة هي من طلبت من أبي بكر أن يعهد لأحد من بعده، ولقد رأى رضي الله عنه أن الأمة لا تعدل عن عمر لغيره. وما كان اختيار عثمان إلا بعد ثلاثة أيام من وفاة عمر قضاها عبد الرحمن بن عوف في استطلاع رأي أهل المدينة شيوخا وشبابا، رجالا ونساء، حتى استقر الأمر لعثمان، وليس كما يدعي عيسى أن عثمان تم تعيينه من قبل الستة مرشحين. ثم ليقل لنا السيد عيسى المغرم بالنظام الجمهوري كيف وصل عبد الناصر للحكم؟! أليس من خلال انقلاب عسكري؟!، وهل تم انتخاب السادات أو مبارك أم تم تعيينهما؟ وهل يقال على الانتخابات الهزلية التي خاضها السيسي إلا أنها صورة مزيفة وما هي إلا تعيين له في هذا المنصب؟!

وبالنهاية فإن الخلافة على منهاج النبوة هي نظام الحكم الذي فرضه رب العالمين على هذه الأمة والنصوص في ذلك كثيرة ومستفيضة، لا يرفضها إلا من كان به صمم، والمسلمون يدركون ذلك ويسعون بكل جد واجتهاد لإعادة تلك الخلافة مرة ثانية ليس لأنها نظام جميل وجيد وحسن وإن كانت كذلك بالفعل، ولكن لأنها فرض من رب العالمين شاء من شاء وأبى من أبى.