مقالات سياسي

أمريكا تَسُوق القوى الاستعمارية، لإخماد ثورة الأمة الإسلامية، متذرعة بمواجهة تنظيم الدولة وحكام الأمّة يهللون، وعلماؤهم لهم يمهدون، فماذا أنتم فاعلون؟! (1)

منذ أن ابتدأ الصراع الحضاري بين الإسلام والكفر مع الدولة الرومانية في معركة مؤتة، والغرب الكافر يرتعد فزعًا وفرقًا من شدة بأس المسلمين في القتال، التي سرعان ما أفضت إلى اقتلاعهم من المنطقة العربية اقتلاعا كاملًا مهينًا.

وبعدها، اضطر الغرب الكافر إلى الانزواء في قارته الأوروبية زمنًا طويلًا وهو يتربص بالأمة الإسلامية ودولتها الفتية ثغرة ينفذ منها إلى قلب العالم الإسلامي؛ ليضربها في مقتل!. ولمّا ظهر له يومًا أنَّ في المسلمين ضعفًا، تنادى ملوكه للحروب الصليبية، فتم لهم تكتيل حلف عسكري قوامه سبعًا وعشرين دولة، اجتاح بها الغرب قلب العالم الإسلامي (الشام ومصر) ظانًا أن الصراع مع المسلمين صراعًا ماديًا تحسمه كثرة العدد والعدة.

وما أن تعافى المسلمون من ضعفهم؛ حتى عصف بعددهم وعدتهم ثلة قليلة من المجاهدين المؤمنين بقيادة مسلم كردي هو صلاح الدين رحمه الله، فذهلوا وباتوا يقلبون وجوه الفكر، بحثًا عن سر قوة المسلمين الخارقة، وما أن أدرك الغرب أنه في القوة الروحية التي تبعثها العقيدة الإسلامية في قلب المؤمن بها، حتى قرروا أن يمهدوا لغزوهم العسكري لبلاد المسلمين بالغزو الفكري والتبشيري الذي يوهن القلوب.

وبعد ثلاثة قرون من مقارفة الغزو الفكري، في العديد من الأقطار الإسلامية؛ تمكن الغرب الكافر من تحقيق مرامه الخبيث، بهدم دولة الخلافة وتفريق وحدة الأمة واحتلال بلاد المسلمين. ولم يكتف بذلك، بل قرر ترسيخ هذا الوضع المأساوي بصورة دائمة، لذلك اتجه إلى تركيز نفوذه في البلاد، ليظل مخضعًا الأمة، متحكمًا بزمامها، فأدخل فكره الرأسمالي بعقيدته العلمانية في مراكز الحكم ومؤسسات الدول التي أقامها على الأساس الوطني العلماني، ليوهم أهلها بمظاهر سيادية كاذبة، وفق تقسيمه الاستعماري الذي يضمن تفرق المسلمين، وربطها به بمنظمات واتفاقيات محلية ودولية ونَصَّب عليها عملاءه ليكونوا أسيادًا على شعوبهم عبيدًا له. وجعل الحكم في البلاد ديمقراطيا شكلًا، دكتاتوريًا حقيقة… وظنَّ أنه بهذا قد وضع الإسلام والمسلمين في طريق الفناء!.

وبعد قرابة 50 عاماً من استعمار الغرب لبلادنا، ظهرت في سبعينات القرن الماضي ما سُميت حينها (بالصحوة الإسلامية) فانزعج الغرب لهذه الظاهرة، فعكفت أمريكا على دراستها لطمسها ومحو آثارها، وقد تمخضت الدراسة عن جملة من الأعمال العسكريّة والسياسيّة والفكريّة التي تعزز النفوذ الأمريكي في بلادنا.

ثم لمّا حققت أمريكا تفردًا في الساحة الدولية بسقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991م؛ قررت جعل القرن الحادي والعشرين قرنًا أمريكيًا خالصًا، فكانت حادثة الهجوم على برجيها سنة 2001م، التي اتخذت منها ذريعة لحشد الرأي العام العالمي معها لشن الحرب على الإسلام وأهله تحت شعار “الحرب على الإرهاب” وتنفيذ ما أسمته بمخطط الشرق الأوسط الجديد، ودخلت أمريكا – بوش المنطقة الإسلامية عسكريًا، وشرعت في تهيئة الأجواء للتنفيذ، لكنها وقبل التنفيذ اضطرت للخروج صاغرة حين اصطدمت بشدة بأس المقاومة المسلحة، فخرجت وهي تحاول لملمة ما تبقى لها من كرامة، خرجت وقد نتفت المقاومة ريشات التوازن من جناحيها الممتدين فوق كل من أفغانستان والعراق، خرجت وهي تستحضر مرارة درس الآباء الغزاة في الحروب الصليبية الأولى، عازمة على عدم العودة العسكرية بجنودها لبلاد المسلمين مرة أخرى.

وفي المقابل فقد شرعت أمة الإسلام في استحضار حلاوة درس الآباء المجاهدين الّذين اقتلعوا أولئك الغزاة من بلادهم. وهبت الأمة فيما سُمي بثورات الربيع العربي تطالب بإسقاط الأنظمة العربية المتحكمة في البلاد.

وأدركت أمريكا بأن إسقاط الأنظمة العربية، يعني بالضرورة اقتلاع النفوذ الغربي، ولذلك استجمعت كافة قواها لإخماد ثائرة الأمة، وبخبثها المعهود تصدت لها في كل بلد على حدة؛ بالاحتواء أولًا، ثم بالالتفاف ومن ثم بالإجهاض.

وكانت المفاجأة الكبرى في الشام “عقر دار الإسلام” كما وصفها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. فقد أرعبها أن تحس بالنفس الإسلامي ينبعث من حناجر أبنائها، وهي تردد عن وعي وإخلاص: “هي لله هي لله… لن نركع إلا لله… قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد… الشعب يريد خلافة إسلامية…” فسارعت أمريكا بحماقتها المعروفة بالإيعاز لعميلها بشار بالضرب بيد من حديد لإخماد الثورة وإخضاع الأمة وفرض الحل السياسي الغربي – حل الدولة المدنية – وأعطته من المهل الزمنية الكثير، ليتسنى لها إنضاج البديل لعميلها المكشوف، كي تستطيع بالعميل الجديد فرض حلها السياسي، وآثرت أمريكا أن لا تظهر في حلبة الصراع كلاعب رئيسي ظاهر، واستترت بعداوتها خلف العملاء والأعوان، ليتسنى لها القيام بدور الحَكَم الذي يملك في النهاية خيوط القضية كما ملكها في البداية.

بيد أن ثورة الأمّة في الشام قد ازدادت مع الشدة تجذرًا، فنبذت مشروع أمريكا الغربي، وتمسكت بمشروعها الإسلامي، واستعصت على كيد أمريكا وبطش عميلها. فجُنَّ جنون أمريكا فأقامت الدنيا ولم تقعدها، فاستخدمت القوة العسكرية المفرطة وجندت قواها الاستخباراتية والإعلامية، ونوعت ألاعيبها وأعمالها السياسية، وأحكمت استعداداتها الحدودية، وأكثرت من إمهالاتها الزمنية. مارست أمريكا وعملاؤها وأعوانها كل هذا الكيد والبطش طوال أربع سنوات شدادٍ؛ فما زاد الثورة إلا اتقادًا ولا عزائم أهلها إلا مضاءً.

وحارت أمريكا في أمر الشام، وحار الغرب كله معها، إذ كيف يخمدون ثورتها الإسلامية القوية التي تنذر بامتداد أوارها إلى المنطقة برمتها، واقتلاع الوجود الغربي كله منها؟!. كيف يحولون دون إقامة دولة الخلافة الخامسة على حد تعبيرهم، التي توشك أن تقلب الطاولة عليهم جميعا وتمكن المسلمين من انتزاع زمام المبادرة في الساحة الدولية من أيديهم؟!.كيف يقطعون حبال الثقة بين الأمة وحزبها السياسي الرائد الذي أيقظ فيها الوعي، وكشف عن معدنها الأصيل وأشعل في قلوبها المؤمنة الأمل بالانعتاق من ربقة الغرب والتحرر من نفوذه.