مقالات سياسي

أمريكا تَسُوق القوى الاستعمارية، لإخماد ثورة الأمة الإسلامية، متذرعة بمواجهة تنظيم الدولة وحكام الأمّة يهللون، وعلماؤهم لهم يمهدون، فماذا أنتم فاعلون؟! (2)

حارت أمريكا في مواجهة مخاطر ثلاثة: الثورة المسلحة، والدولة المرتقبة، والحزب الموثوق به. فهي لم تفرق بين الجانب الفكري منها والجانب المادي؛ فأخطأت الطريق في المواجهة؛ حينما رأت أن تُطبِق على الشام وأهله من جميع أقطاره، فتأتيهم ودول الغرب مجتمعة بالمقاتلات الجوية الّتي تدمر عاليهم، وتبيد أخضرهم وتدمر اقتصادهم، وتأتيهم من على الأرض تستأصل شأفتهم، وتخمد ثورتهم، وتميت عزائمهم، وتخضع بقيتهم للحل السياسي الغربيّ قسرًا وقهرًا. وقد اعتمدت أمريكا في قتالها الأرضي على ثلاث قوى محلية، قد سبق لها أن هيأتهم لخدمة استراتيجيتها الجديدة للمنطقة.

أولها: حملة الفكر الانبطاحي، الذي يريد للأمة أن تنبطح تحت أقدام حكامها باعتبارهم ولاة أمر شرعيين تجب طاعتهم ويحرم الخروج عليهم مهما فعلوا، والذي صدّرته المملكة العربية السعودية للعالم الإسلامي.

وثانيها: حملة الفكر المعتدل، الذي أنشأته هي في سبعينات القرن الماضي وأوصلته إلى العديد من مراكز الحكم في المنطقة.

وثالثها: حملة الفكر الصفوي الشيعي، الذي مكنته هي أيضًا من الحكم في إيران في أواخر سبعينات القرن الماضي، والذي أفرز جمهورية إيران (الإسلاميّة).

ويجد الدارس للفكر الذي تقوم عليه دولة آل سعود والتي جمعت فيه رجل الحكم (ابن سعود) ورجل الدين (ابن عبد الوهاب) معا في حزب سياسي واحد، جعلته نواة لتكوين دولة كهنوتية، على غرار الدولة الدينية في أوروبا في العصور الوسطى، حيث ساق الإنجليز آل سعود لضرب الأمة الإسلامية في جزيرة العرب والعراق والشام، وقتال جيش الخلافة آنذاك بأسلحة إنجليزية أمضى من أسلحة الخلافة حتى أسقطتها بذريعة الإصلاح، خدمة لمصالح بريطانيا العظمى آنذاك. وبذلك أوصلت بريطانيا آل سعود إلى الحكم باسم الإسلام من غير أن تحكم بالإسلام!!.

كما ويجد الدارس للفكر المعتدل، أنه ليس فكرًا إسلاميًا بقدر ما هو إسلام أمريكيّ، وقد استحدثته أمريكا منذ عقود خلت بمعرفة زمرة خبيثة من سياسييها مع زمرة خسيسة من أبناء الأمة، ممن يدعون العلم بالإسلام ويتصدرون القنوات الإعلامية، جمعتهم أمريكا لديها لتميع بهم الإسلام، وتطوع المسلمين لقبول الحضارة الغربية. وفعلًا فقد أدخلت بواسطتهم في الإسلام ما ليس منه، أدخلت الأفكار الغربية مكان كثير من الأفكار الإسلامية تحت دعاوي: تفاعل الحضارات، وحوار الأديان، وروحانية الإسلام، وإنسانية القيم… حتى أصبحت أفكار الدولة المدنية والديمقراطية والحريات والتعددية وحقوق الإنسان… وغيرها من الأفكار الغربية من أساسيات مفاهيم الإسلام عند هؤلاء. وقد أقامت أمريكا للفكر المعتدل المؤتمرات الدولية وأنشأت له العديد من المراكز الثقافية والسياسية وأوصلته إلى مراكز الحكم في العديد من دول المنطقة باسم الإسلام ومن غير أن يحكم بالإسلام.

وأخيرا يجد الدارس للفكر الصفوي الشيعي، أنّه ليس فكرًا إسلاميًا، بقدر ما هو إسلام مجوسي قومي، وقد أقامه في فارس منذ خمسة قرون، الشاه إسماعيل الصفوي، حينما أقام الدولة الصفوية على أساس المذهب الشيعي الإثنى عشري، ثم أضاف إليه كثيرًا من الطقوس والأفكار والمعتقدات الضالة، ونشر مذهبه بالسلاح والإرهاب إذ أحرق كتب السنة وقتل مليونًا منهم ودخل في صراع عسكري وفكري مع دولة الخلافة العثمانية قرابة ثلاثة قرون، وكان له ولحلفائه من أولاده وأحفاده أدوارًا هدامة مع البرتغاليين والإنجليز ضد دولة الخلافة.

ولمّا نجحت الثورة الخمينية تبنى الخميني الفكر الصفوي بكامل طقوسه وأفكاره ومعتقداته، وأضفى عليه طابعًا شرعيًا وأحياه سياسيًا، إذ جعله أساس جمهوريته “الإسلامية” وأدخل معتقداته في مواد الدستور، وخاصة المادة الخامسة الأساسية التي تنص على ولاية الفقيه. وقد أوصلت أمريكا الخميني إلى الحكم باسم الإسلام من غير أن يحكم بالإسلام.

هذه هي أمريكا فأمريكا وكما يعرف العالم كله؛ إنما هي دولة رأسمالية استعمارية وستظل دولة نفعية أنانية انتهازية دموية، فهي تُقَيم الأمور دائمًا بميزان مصالحها المادية، ولا تقيم وزنًا للقيم الروحية والإنسانية والأخلاقية، وتاريخها الأسود مليء بالشواهد المفجعة. وها هي اليوم تسعى لاستعباد جميع الأمم والشعوب بإخضاعهم للعيش وفق إرادتها وضمن نطاق مخططات تفردها العالمي. ولمّا رأت أنه لا يقف دون إرادتها تلك سوى الإسلام والمسلمين، إذ الإسلام مبدأ كامل شامل به جميع مقومات التقدم والازدهار في الحياه، والمسلمون أمة حيوية متميزة بخصال متفردة، ولها تاريخ عريق فقد تصدرت الساحة الدولية لأكثر من ألف عام، يوم أن توحدت تحت خلافة إسلامية واحدة، فكيف بها في عصر العلم وقد حظيت من الموارد الطبيعية المتنوعة بأوفى نصيب؟! فهي بلا شك تشكل خطرًا ماحقًا على الرأسمالية والرأسماليين في العالم أجمع… نعم لمّا رأت أمريكا ذلك كله في الإسلام والمسلمين قررت شن الحرب عليهما بكل قوتها قبل أن تقوم في المسلمين دولة الخلافة الجامعة المانعة الحقيقية.

فأمريكا وإن أخذت قرار الحرب هذا وهي في أوج قوتها، لا تستطيع أن تجاهر به، فإعلان الحرب على الإسلام والمسلمين أمر عظيم وخطأ جسيم، لا تستطيع أمريكا تحمل نتائجه، لذلك لا بد من تهيئة الأجواء الدولية للحرب بذريعة مناسبة قبل الشروع في الاستعداد الظاهر للحرب وقبل شنها بالفعل.

وكما هيأت أمريكا الأجواء لغزو العراق متذرّعة بالهجوم على برجيّ تجارتها وحشدت له ثلاثين دولة، تهيئ اليوم الأجواء لغزو سوريا متذرعة بخطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وتحشد له خمسين دولة.