وسائل التواصل الاجتماعي

مميز

من أقوال العلماء

بيانات صحفية اقتصادي

مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي لن يُصلح ما أفسده النظام الرأسمالي

يسعى النظام المصري من خلال المؤتمر الاقتصادي الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ ابتداء من اليوم الجمعة 13 آذار/مارس الجاري وحتى الأحد، إلى ما أُطلق عليه جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الخارجية، وذلك بهدف زيادة معدل نمو الاقتصاد المصري. وقد أعدت الدولة قائمة من 50 مشروعا تسعى لإقناع المستثمرين بجدواها الاقتصادية، كما قامت الدولة بتعديل قانون الاستثمار ليعطي حوافز ومزايا للمستثمرين منها منح المستثمر الأرض، بحق انتفاع قيمته جنيه واحد وآليات أخرى للتمليك، أو أن تدفع الدولة جزءاً من تأمينات العمال أو إعطائه حوافز تخص القطاعات المختلفة. وتوقع وزير الاستثمار أشرف سلمان نجاح المؤتمر في جذب مشروعات بقيمة تتراوح ما بين 10 إلى 15 مليار دولار. ويرى النظام في ذلك المؤتمر طوق نجاة له، ويعول عليه كثيرا لإخراجه من أزمة اقتصادية خانقة تمسك بتلابيبه وتكاد أن تخنقه. والغريب أن النظام يتصرف بعقلية استثمارية؛ وكأن الحل للخروج من هذه الأزمة يتم من خلال جذب الكثير من الأموال إلى السوق المصري لرفع مستوى الدخل الأهلي، برغم أن النظام الحالي تلقى حزمة من المساعدات الكبيرة من دول الخليج الداعمة له، والتي تجاوزت ال200 مليار جنيه مصري، وبرغم ذلك لا يزال النظام يعاني والأزمات متلاحقة آخرها أزمة الغاز والبنزين.

إن الداء يكمن في جوف النظام الاقتصادي الرأسمالي المطبق في مصر، وهو نظامٌ يحمل الداء في ثناياه، لأنه يقر بأن حاجات الإنسان غير محدودة، في مقابل السلع والخدمات المحدودة، أي أن الحاجة والفقر أمرٌ طبيعيٌ لا فكاك منه، كما أن هذا النظام ظل يطبَّق منذ أكثر من ثلاثة قرون في بلاده، وهو يترنح تحت وطأة الأزمات العالمية، فهل عالج مشكلةَ الفقر أو البطالة أو الديون؟ رغم نهبه للثروات وامتصاصه لدماء البشرية. فلماذا التشدق بهذا النظام الفاسد؟ ولماذا يحاولون حل مشكلاتنا عن طريق إعادة استنساخه، وهو خال وعاجز عن أن يمدَّنا بالحلول الجذرية، فالواجب هو اجتثاثه من جذوره.

إن هذا المؤتمر لا يحل المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وإن أثمر لا يتعدى نفعه زيادة معدلات نموِ الناتج الإجمالي، والذي في حقيقته ليس حلاً ولا معياراً يعكس الحالةَ الاقتصادية الحقيقة للبلاد، بل هو مجرد زيادةِ الدخلِ الكلي لمجموع الناس، وليس لأفرادهم، ومن الممكن أن يزيدَه حفنة قليلة من رجال الأعمال فيظن الناسُ أن هناك حالة انتعاش اقتصادي ولكن الواقع سرابٌ ووهم، والذي حدث أن ثروات (س) من الناس زادت فزاد الناتج الإجمالي.

فلذلك نستطيعُ أن نقول وبالفم الملآن، إن كل من أسس اقتصاده على هذا الأساس الظالمِ لا يورث شعبه إلا مزيداً من الفقر والضياع، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

إن الحل معلوم غير مجهول وهو يكمن في أحكام الإسلام العظيم:

1. لقد أتت الأحكام الشرعية لتضمن توفير إشباعِ جميعِ الحاجات الأساسية إشباعاً كلياً لكل فردٍ من أفراد الرعية، من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ، حيث فرض الإسلام العمل على القادرِ ليعول نفسَه أولاً ولمن تجب عليه نفقتُهم. أما من قصُرت به الحاجة كالعاجزِ عن العمل أو غياب العائل فقد أوجب الإسلام ذلك على الدولة، قال عليه الصلاة والسلام: «الإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته»، وقال (صلى الله عليه وسلم) بصفتِه رئيساً للدولة الإسلامية والحاكمِ المسئول فيها: «من ترك كَلاًّ فإلينا ومن ترك مالاً فلورثته»، والكَلُّ هو المحتاج الذي لا يعول نفسه.

2. لقد ضمن الإسلام حيازة الأفراد على الثروة بإباحته التملكَ، وضبط هذا التملكَ بأسبابٍ شرعيةٍ لا يجوز التملك إلا بها، فكان تملك المال وحيازة الثروة بهذه الأسباب سهلا ميسوراً وبعيدا عن التعقيدِ الذي يطغى على النظامِ الرأسمالى، ولكنه في الوقت نفسه لم يجعل التملك حرية يتملك بها الإنسان أيَّ شيءٍ كيفما شاء، وبأيِّ وسيلةٍ كانت ما دام لم يتعدَ على حريةِ الآخرين، فيتحولَ المجتمعُ إلى قطيعٍ من الذئابِ يتصارع من أجل حيازة المال.

3. لقد فصلت الأحكام الشرعية في مسألة الملكية وفرقت بين الملكية الفردية، والملكية العامة وملكية الدولة، وهي بذلك قد ضمنت أن تنتفع الرعية بما هو حق وضروري لهم دون استئثارِ أفرادٍ به أو الدولةِ نفسها، لأن الإسلام قد جعل للدولة ملكيةً خاصة بها تجعلُها قادرة على أن تقومَ بالأعباءِ التي كُلفت بها دون أن تستحوذ على ملكية الأفراد أو الملكية العامة.

4. لقد ضمنت الأحكام الشرعية التوزيع العادل للثروة بينَ الناس وراعت الفروقات بينهم التي يمكن أن تؤدي إلى تداول الثروة بين فئة الأغنياء وحدهم أو منعها عن البعض. فنجد الإسلام قد عالج هذه المسألةَ بوضع أحكامٍ شرعية تضمن تداول الثروة بين الناس جميعاً، منها تحريم كنزِ الذهب والفضة، وقد وأوجب الإسلام على الدولة أن تعيد التوازن في توزيعِ الثروة، بإعطائها من أموالها الفائضة للفقراء دونَ الأغنياء، التزاماً بقوله تعالى: ﴿كي لا يكونَ دُولةً بين الأغنياءِ منكم﴾، ليس فقط من أجل سد حاجة الفقيرِ بل من أجل تمكينه من حيازة المال وتنميته في مشاريع وغيرها.

5. لقد منع الإسلام الفرد من تنمية ملكه بالطرق غيرِ المشروعة كالقمارِ والربا والاحتكارِ والتدليسِ في البيع والغبنِ الفاحش، وبالتالي قد حافظ على ما يجب أن يكون عليه المجتمع، بوصفه مجتمعاً إسلامياً له طراز خاص من العيش.

6. إن السبب الرئيس الذى جعل مصر تئن اقتصادياً برغمِ ما بها من خيراتٍ وثرواتٍ عظيمة، هو هذا النظام الربوي الذي تتعامل به، والذي كلف مصر ديناً خارجياً بلغ 34,7 مليار دولارٍ بنسبة 11,9% من الناتج المحلي الإجمالي. والفوائد المستحقة سنوياً على خدمة الدين الإجمالي بلغت رُبعَ إجماليِ النفقات العامة لمصر في العام. وهذا يعني أن الدولةَ لا يمكنُ لها أن تتعافى من هذه الأثارِ حتى لو ضاعفت إنتاجها. فالنظام الربوي والقروض الربوية قادرة على تحطيمِ أيِّ اقتصادٍ مهما بلغ حجمه، وهذا عين ما تعاني منه اقتصادياتٌ قوية كأمريكا وأوروبا. ولقد تعامل الإسلام مع مسألة الربا تعاملاً ليس فيه هوادةٌ. فالإسلام لم يحرم الربا فقط، بل توعد آكلَه بحربٍ من الله ورسوله، ووصف القرآن من يتعامل بالربا كالذي مسَّه الشيطان، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ﴾. ولم يكتف الإسلام بتحريم الربا، بل قدم النظام الذي يحول دونَ حدوثه، فقد أوجب على الدولة أن تسد حاجةَ رعاياها من أجلِ العيش، أما من يحتاج إلى المال من أجل استثمارِه فقد ندب الإسلام إقراض المالِ دون ربا. ولقد حرّم الإسلام الشركاتِ الماليةَ البحتةَ كشركاتِ الأسهمِ مثلاً، كما أنه منع أغلبَ التعاملاتِ المالية الحالية في البورصة، من مضارباتٍ وبيعِ سلعٍ أو مستنداتٍ قبلَ حيازتِها وغيرها، وحرّم شركات التأمينِ وعقودها بجميع أشكالها، فكل هذه المحرمات أدت إلى فقاعة مالية ضخمة ومصطنعة، غيرِ مبنية على اقتصاد حقيقي، فانفجرت، فكانت السببَ المباشر في الأزمة الاقتصاديةِ العالمية عامَ 2008 وفي تفاقمِها.

ولقد بيَّن الإسلام التعاملات الجائزة العديدةِ لتنمية المال من تجارة وغيرها. إن المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام لا توجد فيه حاجة للربا، ولا يسمح بهذه التعاملات ولا بالعقود المحرمة، فتتلاشى كل الأسباب التي تفجر مثلَ هذه الأزمات الطاحنة، ليس هذا فحسب بل إن النظامَ الاقتصاديَّ الإسلاميَّ يحرر البلادَ من التبعيةِ للغرب وينتزعها من براثن الكفارِ المستعمرين.

7. إن التعدي على الملكيةِ العامةِ الذي حدث في مصرَ في السنواتِ الأخيرةِ قد حرم الناسَ من أن يحصلوا على حقوقهِم التي كفلها لهم الإسلام. فعن طريقِ الخصخصةِ تم تبديد ثروة البلاد ونهبها على أيدي غربان من الناسِ لاذوا بالفرار بما سرقوه. وبما أن الملكيةَ العامة، كآبارِ البترول أو الغازِ أو المناجمِ أو أراضٍ للعامة حق فيها أو غيرِها من الأمور، لا يجوز لأفراد أو شركات خاصةِ تملكها، فإنها ستؤخذ منهم لإعادتها ملكية عامة، وسيلتزم بالضوابطِ الشرعية فيما إذا كان لهم حق في التعويض أم لا، كما أن عقود الامتيازاتِ لهذه الشركاتِ في الملكية العامة كحقوق التعدينِ المجحفة ستُلغى، وعلى الدولة أن تستخرجَ ثروات الأرضِ بنفسها ولمصلحةِ العامة أو تستأجر من يقوم بذلك تحت إشرافها، إلى أن تتمكنَ هي من ذلك.

8. إن النظامَ النقديَّ الذي يتم التعامل به الآن يلعب دوراً أساسياً في الأزمة الراهنة، لأن النقد في الدولة لا يستند إلى قيمةٍ حقيقيةٍ، وهذا يزيد من معدلات التضخمِ وارتفاعِ الأسعار بما لا يطيقه الناس. بينما تطبيق النظامِ الاقتصادي في الإسلامِ سوف يعيد النقد إلى قاعدة الذهب والفضة، أي أن يكون النقد الصادر مغطىً 100% بالذهب والفضة، فيكون له قيمة ذاتية؛ دينار شرعي يزن 4.25 غراما من الذهب الخالص، ودرهم شرعي يزن 2.975 غراماً من الفضة، وفي حال الأزمات يحافظان على قيمتهِما نقداً بين الناس، فيكونان عاملين قويين لاستقرارِ الاقتصاد، لا أن تنخسف قيمة العملة عند أولِ أزمةٍ وتذوب في أيديِ الناسِ كما هو حاصل الآن فتزيدَ الأزمة أزماتٍ، وإذا وضعنا في الاعتبارِ وفرةَ مناجمِ الذهبِ الموجودةِ في مصرَ فليس من الصعبِ إيجادُ الغطاء ِالذهبي للنقد المتداول.

هذا غيض من فيض أحكام الإسلام المتعلقة بالنظام الاقتصادي وهي وحدها القادرة على إخراج البلاد من حالة التردي الاقتصادي التي يشعر بها الجميع، ولسوف تُؤتي ثمارها عندما تطبق في ظل دولة الإسلام الخلافة على منهاج النبوة التي يسعى حزب التحرير ومعه الأمة لإقامتها ليعم الخير والرخاء كما وصفه رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال عن حالِ الخلافة الراشدة الثانية: «لَا تَدَعُ السَّمَاءُ مِنْ قَطْرِهَا شَيْئًا إِلَّا صَبَّتْهُ مِدْرَارًا ، وَلَا تَدَعُ الْأَرْضُ مِنْ نَبَاتِهَا شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ».

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ