مقالات اقتصادي

مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي بوابة النظام لتثبيت أركان كرسيه المعوج

قبل أيام من انعقاد المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ وتحديدا يوم الاثنين 9/3 أكد السيسي في حوار لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية أن مصر لن تنسى للولايات المتحدة الدعم والمساعدات التي قدمتها على مدى أكثر من 30 عاماً، مطالبا بقدر أكبر من التعاون في المجال العسكري لتعزيز القدرات المصرية من أجل مكافحة الإرهاب. لقد حرصت أمريكا على حضور المؤتمر فكانت مشاركتها من خلال وزير خارجيتها جون كيري برفقة السفير ديفيد ثورن، والسفير توماس شانون إلى المؤتمر الاقتصادي، اللذين لعبا دورًا مهمًا في دعم العلاقات الاقتصادية مع مصر. وكان كيري قد ارتكب خطأ كبيرا صبيحة يوم المؤتمر خلال كلمته بحفل الإفطار الذي أقامه على هامش المؤتمر الاقتصادى، حيث قال “لا بد أن نسعى جميعا لأجل مستقبل إسرائيل”، وإن كان الرجل قد اعتذر عن زلة اللسان تلك التي تعبر عن واقع الحال، إذ إنه بات من الواضح أنه أصبح لدينا ثلاثي يسعى بشكل متناسق من أجل مستقبل كيان يهود، يتمثل في كيان يهود نفسه وراعيه الرسمي أمريكا، والنظام المصري الجديد؛ الذي أكد رئيسه السيسي على هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية نص مقابلتها مع الرئيس عبد الفتاح السيسي أجرتها الصحفية “لالي ويموث” عشية المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ الذي انطلق الجمعة 13/3/2015م، تحدث خلاله عن الثقة المتبادلة بين القاهرة وتل أبيب والتي دلل عليها بقوله “إن تواجد قوات مصرية في المناطق الوسطى والشرقية على الحدود المشتركة بالمخالفة لاتفاقية السلام يعتبره الإسرائيليون أمرا رائعا”، كما تطرق إلى حديثه المستمر إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وطلب مساعدة الولايات المتحدة في القضاء على الإرهاب، بجانب العديد من القضايا الأخرى، كما أكد على أنه “إذا سقطت مصر فإن المنطقة بأكملها ستسقط في دائرة من الفوضى، وستحدث أخطار هائلة للدول في المنطقة بما في ذلك “إسرائيل” وربما تمتد إلى أوروبا.”

ولهذا فإنه من الطبيعي جدا أن تقف أمريكا وبقوة وراء النظام الحالي، الذي يثبت كل يوم أنه أفضل من يحافظ على مصالح أمريكا ويحفظ أمن كيان يهود، فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، بيانًا تؤكد فيه التزام الولايات المتحدة بتعزيز الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد مع مصر. وجاء في نص البيان: “نعمل بشكل وثيق مع مصر وشركائها في المنطقة وحول العالم، لدعم الاقتصاد المصري، فنجاح مصر على المستويين السياسي والاقتصادي ليس فقط من اهتمامات المصريين، لكنه في صالح العالم والمنطقة والولايات المتحدة الأمريكية”.

كما أنه من الواضح أيضا أن أمريكا أوعزت للبنك الدولي بدعم مصر في تلك المرحلة، فقد قالت “سيري مولياني” المدير التنفيذي للبنك الدولي: “سندعم البرنامج المصري للوصول إلى الفقراء بنحو 400 مليون دولار”، كما وهرولت الإمارات والسعودية والكويت لحضور المؤتمر لتؤكد استمرارها في تقديم الدعم للنظام المصري تلبية للطلب الأمريكي برغم التسريبات المسيئة لدول الخليج؛ التي وضح من خلالها احتقار السيسي لتلك الدول!، فقد أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي أن الإمارات وقفت مع مصر خلال الفترة الماضية بإجمالى 14 مليار دولار استثمارات، معلنا دعما إضافيا من الإمارات لمصر بقيمة 4 مليارات دولار، منهم 2 مليار وديعة في البنك المركزي و 2 مليار أخرى لتنشيط الاقتصاد المصري، كما قدمت كلٌّ من السعودية والكويت 8 مليارات أخرى مناصفة بينهما.

كما قامت الدولة بتعديل قانون الاستثمار ليعطي حوافز ومزايا للمستثمرين، منها مَنْحُ المستثمر الأرض، بحق انتفاع قيمته جنيه واحد وآليات أخرى للتمليك، أو أن تدفع الدولة جزءاً من تأمينات العمال أو إعطاؤه حوافز تخص القطاعات المختلفة. وكان قد توقع وزير الاستثمار أشرف سلمان نجاح المؤتمر في جذب مشروعات بقيمة تتراوح ما بين 10 إلى 15 مليار دولار. ويرى النظام في ذلك المؤتمر طوق نجاة له، ويعول عليه كثيرا لإخراجه من أزمة اقتصادية خانقة تمسك بتلابيبه وتكاد أن تخنقه. والغريب أن النظام يتصرف بعقلية استثمارية بحتة؛ وكأن الحل للخروج من هذه الأزمة يتم من خلال جذب الكثير من الأموال إلى السوق المصري لرفع مستوى الدخل الأهلي، رغم أن النظام الحالي تلقى حزمة من المساعدات الكبيرة من دول الخليج الداعمة له، والتي تجاوزت الـ30 مليار دولار، إلا أنه لا يزال يعاني والأزمات متلاحقة ليس آخرها أزمة الغاز والبنزين.

لا يُتوقع أن ينجح مؤتمر يسمى مؤتمرا اقتصاديا، بينما هو في الواقع لا يعدو أن يكون مؤتمرا استثماريا أو مؤتمرا للمانحين، لا يتوقع أن ينجح في إخراج الاقتصاد المصري من حالة التردي الفظيعة التي تضرب جنباته، فهكذا مؤتمر لا يحل المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وإن أثمر فلن يتعدى نفعه زيادة معدلات نمو الناتج الإجمالي، والذي في حقيقته ليس حلاً ولا معياراً يعكس الحالة الاقتصادية الحقيقية للبلاد، بل هو مجرد زيادة الدخل الكلي لمجموع الناس، وليس لأفرادهم، ومن الممكن أن يزيده حفنة قليلة من رجال الأعمال فيظن الناس أن هناك حالة انتعاش اقتصادي ولكن الواقع سرابٌ ووهم، والذي حدث أن ثروات (س) من الناس زادت فزاد الناتج الإجمالي. خصوصا في ظل دين عام داخلي وخارجي يتجاوز 95% من الدخل الأهلي، وفي ظل غياب الاستقرار وتردٍّ أمني كبير في سيناء وعلى الحدود، وارتفاع الدين الخارجي لأكثر من 3 مليارات دولار في عام واحد، وتدني الاحتياطي الأجنبي لـ 15 مليار دولار مطلع العام الجاري، وارتفاع نسبة التضخم هذا العام لتصل إلى 13.5%. لكن يبدو أن كل هذا لا يشغل بال القائمين على النظام ولا يهمهم، بل جلّ همِّهم هو مجرد عقد المؤتمر للحصول على دعم دولي هو في أشد الحاجة إليه ليثبت قوائم كرسيه المعوج، وهو يدرك تماما أن الوصول إلى هذا الدعم يمر عبر بوابتي تأمين وحفظ أمن كيان يهود، و”الحرب على الإرهاب”، وهما الأمران الوحيدان اللذان استطاع أن يحقق فيهما نجاحا حتى الآن.