وسائل التواصل الاجتماعي

مميز

من أقوال العلماء

مقالات فكري

الإسلام بالوراثة إذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين

في ريعان الشباب وفي مدينة من مدن الحجاز التي يحج إليها المسلمون من كل فج عميق وجدت نفسي ضيفا على جلسة لشباب أغلبهم من خريجي جامعة دمشق وأحدهم من بيروت وآخر على وشك التخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أما أنا فكنت لا أزال أتمتع بشرف حمل الشهادة الثانوية، وفي ذلك الوقت لم أكن أُميز بين الشيوعية والشيعة، أو اليمين واليسار رغم سماعي بهم، فلم يتبلور لدي حتى ذلك الوقت مفهوم عن تلك التيارات الفكرية والسياسية الموجودة على الساحة ولم يكن لدي فكرة عن حزب التحرير سوى اسمه، ولا أدري حتى كيف وصلني هذا الاسم، لا بل إنني لم أكن أعرف أو أتخيل أبداً أن حزب التحرير هو حزب إسلامي، وكل ما أعرفه عنه أنه حزب سياسي فقط ومناكف للملك حسين ليس إلا.

وفي هذه الجلسة دار بين هؤلاء الشباب المتعلمين أو قل المثقفين بحسب ما كنت ألاحظ من أجوائها المليئة بالاستعراض الثقافي لثقافة كل واحد منهم، أقول في هذه الجلسة كان الموضوع المطروح للنقاش هو “نُبوةُ محمد” عليه الصلاة والسلام، وكنت أرى أن بعضهم ينكر نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعضهم مؤمن بها ولكنه لا يستطيع إثباتها، وبعضهم يتعلم في كلية الشريعة ولا ينطق ببنت شفة، وكانت حجة المنكرين في هذه الجلسة تغلب حجة المؤيدين بحيث استطاع المنكرون لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام أن يجروا المؤيدين إلى ساحة أضيق تنازل بموجبها المنكرون لنبوة محمد أمام تعنت المؤيدين إلى القول بأن محمداً عبقريٌ وليس بنبي، فكيف لمن يؤمنون بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) أن لا يقبلوا بهذه الصفة لنبيهم سيما وهم لا يملكون الدليل، وهكذا كان وبقي كل واحد على رأيه سواءً أعنده دليل أم لا، أما أنا فكنت في الجلسة كعضو مراقب، حالي كحال السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وإن كنت أختلف عن السلطة في أن السكوت لم يكن مفروضاً عليَّ كالسلطة الفلسطينية، بل إنني أنا من فرضت السكوت والاستماع على نفسي، ذلك أنني لم أجد نفسي مؤهلا للدخول في هكذا نقاش بهذا الحجم سيما وأنني لا أملك الحجة في هذا الموضوع، على أن الأمر مستقر بداخلي بإيماني بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) بأنه نبي وخاتم الأنبياء والمرسلين، ولكني لا أستطيع أن أثبت ذلك، رغم شعوري بالنار تأكل أحشائي من صمتي وعدم امتلاكي الحجة لإثبات النبوة لحبيبنا (صلى الله عليه وسلم) ومع ذلك ألزمت نفسي بالصمت، وكم تحسرت على تلك السنين التي ضاعت من عمرنا ونحن نتعلم في المدارس، فماذا كنا نتعلم وأدركت أننا كنا نحفظ ولا نتعلم، وهكذا وجدت الحسرة تجتاح كياني كله فأخذت عهداً على نفسي أن لا أظل هكذا فخرجت من هذه الجلسة المستفيد الوحيد ولكني خرجت أحمل هماً كبيراً عنوانه أنني لن أقبل أن أكون مسلما بالوراثة وهذا يعني أنه لن يكفيني بعد اليوم أن أقول أنني مسلم وأردد شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بل لا بد من التعرف على الله أكثر وإثبات وجوده عقلا لا نقلاً فقط، وكذلك نبوة محمد حتى أردد الشهادة دون أن يساورني أي شك ولا يعوزني أي دليل، وهكذا كان وبدأت من ذات الليلة رحلة إيماني، فواجهتني مشكلة:

فأين أبحث وكيف أبحث؟ وماذا أقرأ؟! ولمن أقرأ؟ فحسمت أمري بأن أبدأ بقراءة الكتب المتعلقة بالإيمان والفكر، ثم أرخيت العنان لنفسي أن تقرأ العنوان الذي يشدها، وهكذا كان ونزلت في اليوم التالي إلى كبريات مكتبات جدة أتصفح فيها العناوين وأسأل العاملين فيها شارحا لهم مبتغاي ليدلوني على شيء أقرؤه، وفي اليوم ذاته عدت أحمل مجموعة من الكتب وبدأت الرحلة وكم كانت بداية سعيدة! كان الأمل يحدوني أنني سوف أصل إلى ما أريد، وكان لي ذلك ففي زمن قياسي استطعت بفضل الله أن أقطع شوطا هائلاً نحو هدفي فترسخت علاقتي بالله وبرسوله فقد كان لكتاب الله الكريم وكتاب السيرة النبوية الحظ الأوفر من القراءة والمراجعة المتأنية وأحسست أن الله سبحانه يساعدني ويقودني إلى ما أريده، ولكني لم أزل ولتلك اللحظة التي سبقت فيها قناعاتي هدفي من الرحلة، قناعاتي بأن الإسلام لا يمكن أن يطبق في واقع الحياة إلا بوجود دولة، وبما أنه لا وجود للدولة فلا بد من إيجادها، ومن أجل إيجادها يجب أن يتحرك الفرد منا من خلال جماعة منظمة لها هدف واضح ومنهج محدد، ومع فهمي وقناعتي لتلك الحقائق في ذلك الحين ورغبتي الجامحة للتعرف على هذه الجماعة التي ارتسمت معالمها في ذهني كضرورة، إلا أنني لم أزل لتلك اللحظة لا أملك الدليل العقلي على إثبات وجود الله ونبوة محمد مع أنهما الهدف من رحلتي هذه، ولكن البحث لم ينقطع، لا بل أخذ يتطور فلم أعد أقرأ أي شيء ولا لأي كان وأدركت أنه جاء دور الحركة باتجاه البحث عن جماعة، ولا أدري كيف ساقتني الظروف للتعرف على جماعة الإخوان المسلمين في جدة من خلال الصلاة في مسجد كبير كانوا يقومون عليه إمامة وخطابة وخدمة ويخطب فيه شيخ ذائع الصيت اسمه الشيخ حسن أيوب، فتعلمت على أيديهم، ورغبة مني طبعا كيف أتلو كتاب الله بالأحكام، وبدأت أرافقهم إلى ندواتهم الدسمة التي يتناولون فيها ما لذ وطاب من أفكار الإسلام، لكني لم ألحظ أبداً أنني أعمل مع تنظيم سياسي له هدف هو ذات الهدف الذي يجب أن نعمل إليه وهو إيجاد دولة لتطبيق الإسلام، فالأمر كان يشغلني والأمور تسير باتجاه مختلف رغم حبي الشديد لتلك الثلة من الشباب، فطلبت من أحدهم وكنت أراه ضابط الإيقاع في تحركات الشباب والمبادر بتوجيه الدعوات طلبت منه قائلا وبوضوح “أنا أريد أن أنضم إلى جماعة الإخوان المسلمين” فقال لي “إنت معانا أهه” قلت له أريد أن أعرف ما المطلوب مني عمله لكي أصبح عضوا في الإخوان فقال لي: يا شيخنا إنتا معانا من غير ما تعمل حاجة، لم يعجبني الحال رغم أنني كنت قد أتيت على كل أدبياتهم وكتبهم قراءة ابتداءً من رسائل الشيخ المرحوم حسن البنا، فحدثتني نفسي بالتوجه إلى جماعة التبليغ والدعوة فالتقيتهم في باريس مرة، ومرة أخرى في مانيلا عاصمة الفلبين، وفي المرتين لم تشدني الطريقة أبداً نظراً لأن دعوتهم ليست هي ذات دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا طريقته وأنا الملم جيداً وقتها بتفاصيل سيرة الحبيب، وبقيت على هذه الحال أراوح مكاني وتزداد قراءاتي، وهكذا فأنا مع الجميع من أجل ماذا من أجل الإسلام الذي لم أستطع ولن يستطيع أحد أن يجزم كيف سيطبق الإخوان الإسلام أو كيف سيأتي لنا الإسلام على يد جماعة التبلغ والدعوة التي لا تدعو الأفراد إلا أن يأتوا لصلاة الجماعة ثم يستمعوا للوعظ والإرشاد غير الهادف، فإن كسبوا أحدا جندوه بالخروج في سبيل الله على أنهم أكثر وضوحا بطريقتهم وعملهم من الإخوان، إلا أنهم أبعد عن ذات الهدف الذي أنشد ومع ذلك فقد أحببت الاثنين، أما السلفية فلم أحظَ بشرف التعرف عليهم وعلى منهجهم عن قرب إلا بعد حين حيث كنت قد حزمت أمري.

وتشاء الأقدار أن أنتقل من عملي إلى مدينة أخرى غير جدة، فألتقي مع شباب مختلفين هذه المرة، كما التقيت مع شباب الإخوان أيضا من جديد، وهنا لاحظت أن الفريقين يعرفون بعضهما نوعا ما، وكان يتضح أنني أقرب للإخوان، إلا أن الفريق الآخر الذي كنت أحس به يحاول جذبي إليه لم يكن معروفا لدي، لكنني كنت ألاحظ على أحدهم رتابة في الحديث من حيث المدخل والمضمون والمعالجة بشكل مستمر، مما دعاني أن أسأل أحد أصدقائه عن دراسته، فقال لي دراسته الفيزياء فزاد عندي الأمر إبهاما فقلت له فيزياء؟! قال نعم، قلت له يا رجل تخصص فيزياء ويتكلم كالفقهاء والسياسيين، فضحك وقال لي هو مثقف جداً، وأسريت في نفسي أن ما يحمل هذا الرجل في عقله ليست ثقافة من التي يسمونها ثقافة بل هي ثقافة من نوع آخر، ودارت الأيام وصرنا نلتقي كثيرا، لا بل وبشكل يومي، حتى فاجأني يوما يقف بجانبي على إشارة للمرور وكل منا في سيارته فحياني وناولني ورقة بيضاء، وانطلقنا كل في طريقه، فتحت الورقة يا إلهي هذا منشور سياسي موقع من حزب التحرير، نشرة تتحدث فيما أذكر عن مجلس التعاون العربي الذي كان مشكلاً على غرار مجلس التعاون الخليجي ولكن بين العراق والأردن واليمن ومصر، يا سلام هذا هو الكلام إنه يتكلم عن حكام خونة، وهم فعلا كذلك، ويطرح حلاً للمسلمين بنظام الخلافة، التهمت النشرة وصار الرجل بالنسبة لي مطلوباً فوراً، فالتقيته في الليلة ذاتها وسألته ما هذا المنشور ومن هو حزب التحرير هذا؟ وأثقلت عليه بوابلٍ من الأسئلة المباشرة، حتى أوجس في نفسه خيفةً مني أدركتها واستدركتها بقولي لا تخف أنا لست منهم أنا… وشرحت له قصتي، وقلت له أنا لا أعرف حزبكم وأريد التعرف، فقال أتحب أن تقرأ؟! قلت له يا ريت، فأعطاني كتاب نظام الإسلام من منشورات حزب التحرير، وكانت ليلتي تحريرية بامتياز فلم أكتحل بلحظة نوم حتى فارقني الكتاب وفارقته عند آخر كلمة فيه، وهنا كانت دهشتي.. يا إلهي إنه الكتاب الذي أبحث عنه، إن فيه البرهان والدليل على وجود الله وبالعقل وعلى نبوة محمد وعلى أن القرآن كلام الله أيضا بالعقل، وتزداد دهشتي ولسان حالي يقول إن هذا الكتاب مؤلف لي أنا ولعلاج حالتي، فشتان بين ما كنت أقرأ من الكتب وبين هذا الكتاب، من حيث الطريقة التي يتناول بها المواضيع، أدهشني أنه يبدأ بطريق الإيمان أي كيف تؤمن بوجود الله كخالق مدبر للكون والإنسان والحياة وبمحمد كنبي ورسول، وبالقرآن كتاب الله وكلامه، والبحث هنا عقلي بحت، أسرني بطريقة تناوله للقضاء والقدر، والتسيير والتخيير ما هذا التأصيل الرائع، ثم ما هذا الطرح الجديد لشيء اسمه القيادة الفكرية، أما عن الحضارة والمدنية فلا تسأل كيف يشرحها، ثم وبعد هذه التهيئة تحس أن ثورة لا بد أن تأخذ كيانك وأنت تقرأ فيه كيفية حمل الدعوة، فتحس أنك ستسير بجانب محمد النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحمل معه فكرة الإسلام، يا للروعة إنه مؤمن بدعوته واثق من أنه سيصل إلى منتهاها كما وصل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، تتجلى ثقته بأنه يجعلك تقرأ دستوراً للدولة التي ينشد بناءها، يا الله يا الله أين كان هؤلاء عني، بل أين كنت أنا عنهم فهذا هو المطلوب ليس إلا.

فالتقيت صاحبي في اليوم التالي طالباً الجلوس معه بشكل خاص، وسألته كيف لمن يقتنع بهذا الفكر أن يسير مع هذا الحزب، فقال هل تحب أن تنضم إلينا، قلت بكل سرور فأنا قد انضممت فعلا من الأمس، فشرح لي ما هو المطلوب مني والكيفية التي أصبح فيها عضواً في هذا الحزب صاحب هذا المشروع العظيم الذي أبحث عنه، وكانت قطرات إعجابي تنهمر من كل كياني وهو يسمي لي مجموعة الكتب التي نشرها الحزب لبلورة مشروعه من ناحية فكرية يطرحها للأمة لتلتف حوله، فصعقت أن من إصدارات الحزب كتاباً اسمه التفكير، التفكير؟! سألت صاحبي قال نعم وأعطاني نبذة عنه، ثم يقول وكتاب نظام الحكم في الإسلام، يا إلهي هل تم صياغة نظام للحكم في الإسلام؟! قال نعم وكتاب مقدمة الدستور المؤلف من 191 مادة تعالج كل شؤون الحياة بأدلتها الشرعية، وكتاب النظام الاقتصادي الذي يبحث في كيف نجلب المال وكيف ننفقه كما يحب الله ويرضيه، قلت له رفقا بي يا أبا مصعب فهذا صعب عليّ كثيراً أن أجد كل ما أريد في حزب واحد فأردف يقول وهناك كتاب الشخصية الإسلامية، فقلت له وماذا عن الشخصية الإسلامية، فقال لي هذا كتاب من ثلاث مجلدات كتاب فقهي، قلت ولماذا لا يوحي اسمه أنه كتاب فقه، قال بل هو كذلك ولكننا يا أبا حذيفة أسميناه كذلك لأن محتواه يشكل في من يقرؤه من المسلمين شخصية فريدة من نوعها تبنى على أساس الفكر الإسلامي، فنحن نفهم أن الشخصية عند الإنسان هي عقليته ونفسيته أي الطريقة التي يعقل الأمور من خلالها والطريقة التي يميل إلى الأشياء والأفعال من خلالها، وفي هذا الكتاب نبني في الإنسان المسلم الشخصية الإسلامية بحيث يصبح عقله للأمور على أساس الإسلام، ويصبح ميله للأشياء والأفعال على أساس الإسلام… فتنهدت طويلاً وقلت له أريد كل هذه الكتب، وبقي لدي سؤال: لماذا لا تتوفر كتبكم في المكتبات يا أخي؟ فقال لي والحسرة تكتنفه يا أخي يا أبا حذيفة من يسمح لك أن تبني دولة وتروج لبنائها على أساس الإسلام جهاراً نهاراً؟! وأنت ترى أنظمة الكفر تجثم على صدورنا وتسهر ليل نهار كي لا يعود الإسلام إلى واقع الحياة، حزبنا يا أبا حذيفة يحتاج إلى رجال من نوع خاص، يحاكون برجولتهم وثباتهم على المبدأ ذلك الجيل من الصحابة الذي رافق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فبتلك النوعية من الرجال تقوم الدول العظمى وهذا ما نفعله، نعرف أننا حزب محارب على كل الأصعدة، ولكننا نعرف أيضا ماذا نفعل، ونعرف بالتالي أين نحن ذاهبون، والأهم من ذلك أن هذا الأمر لله وهو ناصره لا محالة ونرجو أن يكون ذلك على أيدينا.

وهذه لك أخي يا من تقرأ كلماتي، اعلم يرحمك الله أن الإسلام نظام للحياة وأنه غير موجود في واقع الحياة الآن، وأن الله سائلنا عن عدم وجود نظامه، فنحن أهله ونحن الذين اختارنا الله لإيجاد نظامه في واقع الحياة فلنكن في مستوى الرسالة، وإذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط، فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين، لتجد نفسك أمام مشروع إقامة شرع الله في الأرض، اللهم اشهد أننا بلغنا وما زلنا نبلغ وسنبقى على هذا العهد، اللهم هيئنا لأمتنا وهيئ أمتنا لنا حتى نحكم فينا كتابك وسنة نبيك اللهم آمين.