وسائل التواصل الاجتماعي

مميز

من أقوال العلماء

مقالات فكري

الإسلام مبدأ ولا يمكن فصله عن الحياة والدولة والسياسة

لقد ابتلي المسلمون في هذا العصر بقوم باعوا عقولهم للغرب ورضوا بأن يكونوا أدوات ومعاول هدم في يده، يضربون بها دين الله الذي جعله الله خاتمة الرسالات بما يمتلكه من قدرة عجيبة على معالجة كل المشكلات التي تواجه الناس في معاشهم وكل ما قد يستجد من مشكلات تحتاج إلى حلول صحيحة تجعل من حياة الإنسان حياة مطمئنة وسعيدة. ولقد تطوع هؤلاء لإثارة الشبهات حول الإسلام وقدرته على معالجة مشاكل الإنسان معالجة صحيحة، وحاولوا أن يدلسوا على الناس ويفسدوا عليهم دينهم، وما خجلوا من أنفسهم ولو ساعة من نهار عندما ساوَوْا بين النصرانية والإسلام، فجعلوا الإسلام عدوا للعلم والعلماء وسببا لتخلف الأمة كما كانت النصرانية في العصور الوسطى، وما على المسلمين اليوم إلا أن يسيروا خلف الغرب حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب دخلوه وراءهم كما أسس لهذا زعيمهم طه حسين فيما زعموا في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الذي قال فيه: “إن سبيل النهضة واضحة بينة مستقيمة، ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومُرّها، وما يُحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب”.

وأصحاب هذه الدعوى لا يستطيعون أن يظهروا إنكارهم للإسلام كعقيدة دينية بل تراهم يحمدون في الإسلام عقيدته ويستحسنون ما يرمي إليه من تهذيب للسلوك الشخصي والأخلاق الإنسانية، ولكنهم يعتقدون أن وظيفته تنتهي عند الوصول إلى عتبة الحياة العامة سواء بشكلها السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو غير ذلك، فالله هو الخالق ولكنهم يصرون على أن لا دخل له بتنظيم الحياة وسياسة الدنيا، وهم يريدون أن يصوروا للأمة أنها لن تتحرر من تخلفها ولن تنطلق نحو الرقي الحضاري إلا إذا أُوقف الإسلام عند حدوده هذه وأبعد عن خضم الحياة العامة، لأن أوروبا لم تتحرر من تخلفها إلا يوم ثارت على الكنيسة وطوت ما كان منبسطاً من سلطانها على شؤون المجتمع والعلم والسياسة.

ولا ريب أن هذا تصور خاطئ مبني على الجهل بأمور واضحة لا يُعذر العاقل في الغفلة عنها وعدم التنبه إليها، وتتجلى هذه الجهالة في بيان الأمرين التاليين:

الأمر الأول: أن الإسلام يختلف عن النصرانية بنقاط جوهرية كبرى من أهمها أن عقيدته عقيدة عقلية توافق فطرة الإنسان وتقنع عقله، وهي لم تُعادِ في يوم من الأيام العلم وحقائقه والعقل وبدهياته، ومن ثم فهو يشرع السبل كلها إلى المعرفة الإنسانية المطلقة. ويحمل الناس جميعاً على رفض التقليد والمحاكاة خصوصا في مسائل العقيدة بحيث لا يعد المقلد في إسلامه مسلماً، حتى يتحرر عن ربقة التقليد ويقيم معتقداته الإسلامية على براهين يهضمها العقل وتطمئن إليها النفس. وحسبك أن دستور الإسلام في هذا هو قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. هذا على أن النصرانية إنما تقوم على تصورات لا سبيل لها إلى عقل ولا إلى علم، وإنما تحفظ هذه التصورات عند أهلها في مخازن الوجدان وتحت مظلة الفطرة الإنسانية النزاعة إلى الدين من حيث هو. ولما وجد أهل النصرانية أن كلاً من العقل والعلم يجابه هذه التصورات مجابهة صريحة لا تحتمل التوفيق ولا التأويل، منهم من رفض الدين مطلقا، ومنهم من اكتفى بفصله تماما عن الحياة وسياسة الدنيا، ومن هنا نشأت فكرة العلمانية وفصل الدين عن الحياة.

وإنه لمن العجب أن يبلغ بعض الناس في تقليدهم الأعمى للغرب مبلغاً يجعلهم يأخذون الإسلام بجريرة النصرانية، فينادون بحبس فعالية الإسلام في المساجد لأن النصرانية تناقض العلم وتقف في سبيل حرية البحث والفكر، ويلحون على فصل الإسلام عن الحياة العامة والهيمنة عليها، لأن النصرانية فقيرة في مضمونها الاجتماعي والتشريعي.

ومما هو معلوم أن العلمانية التي يتبجح برفع لوائها بعض المضبوعين في بلادنا بالغرب هي فكرة نشأت نتيجة تطور تاريخي معين، تولدت عنه تيارات فكرية معينة متناغمة مع فكرة إقصاء الدين من الحياة، وهي في مجملها كانت ردة فعل على حقب القهر والظلم التي سادت أوروبا في العصور الوسطى، وهو قهر خرجت من رحمه فكرة الحل الوسط التي هي جوهر العلمانية، وذلك النتاج التاريخي غريب عن الأمة الإسلامية وتاريخها، وبعيد كل البعد عن الإسلام كمبدأ شامل، فالإسلام لم يكن يوما سلطة استبداد بالناس، ولم ينظر أبدا للعلم على أنه كفر وزندقة وارتداد يعاقب عليه بمحاكم التفتيش كما في الغرب في العصور الوسطى.

الأمر الثاني: أن تناقضاً كبيراً يكمن في قبول الدين عقيدة وعبادة، ورفضه نظاماً وتشريعاً. ذلك لأن العقيدة من التشريع ونظام الحياة كالجذع من الأغصان وثمارها. فإذا غرست العقيدة في القلب غرساً صحيحاً، فلا بد أن تمتد منها إلى حياة صاحبها فروعاً وثماراً تتجلى في منهج للحياة ونظام للسلوك، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

وما أرسل الله رسله بالعقائد التي ابتعثهم بها إلى الناس إلا لتكون برهاناً على ضرورة انضباطهم بما يتفق معها من الأخلاق والأعمال والعلاقات، وإلا لكان الإلزام بهذه العقائد وحدها تشاكساً عابثاً مع ما لا يتفق معها من السلوك وأنظمة المجتمع والحياة، إذ ما هي قيمة الإيمان بألوهية الله وحده وبعبودية الإنسان له وتساوي الناس جميعاً في عبوديتهم له، إذا كان أصحاب هذا الإيمان أحراراً بعد ذلك في أن يدينوا بالحاكمية لغير الله سبحانه وتعالى، وفي أن يسوسوا الدنيا بعيدا عن منهج الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه في هذه الحياة؟! قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

والحقيقة أنه ما من رسول بعث إلى أمة من الناس إلا وجاءها من عند الله بتشريعات تتفق وحياتهم وتتسع للفترة التي تنتهي ببعثة من بعده من الرسل. وليس للمفارقة التي تبدو بين هذه الحقيقة وما يتصوره العلمانيون من أن الإسلام، كأي دين آخر، يجب أن يكون قاصراً على العقائد والأخلاق الفردية، إلا تحليل واحد لا ثاني له، هو أنهم إنما يحمدون نتائج هذه العقائد وآثارها التي تبرز في صعيد الوجدان والشعور، دون أن يستيقنوها بحد ذاتها ويؤمنوا بها الإيمان العقلي السليم. وإلا لساقتهم العقيدة إلى الالتزام، ولتنبهوا إلى التلازم الضروري الواضح بين العقيدة التي تستقر في النفس وآثارها التي لا بد أن تظهر في الحياة والسلوك على كل من الصعيدين الفردي والمجتمعي.

إن هؤلاء العلمانيين يريدون فصل الدين عن الدولة فلا يبقى منه سوى مراسم الأعياد والمناسبات الدينية، وهذا هو قمة النفاق بعينه، وإن كانت النصرانية تقنع بهذا وينخدع أتباعها به فلا يقنع الإسلام ولا ينخدع به أبناء الأمة الحقيقيين، فكما لا يجوز أن ينفصل الفرد المؤمن بالله ورسوله عن دينه فيكون في أفعاله محررا من الالتزام بالأحكام الشرعية، لا يجوز لدولة تدعي أنها دولة إسلامية فصل الدين عن نفسها يفعل فيها الحاكم ونواب مجلس الأمة ما يشاؤون غير مقيدين بأمر الله ونهيه، فالإسلام مبدأ؛ أي عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، ولا يمكن فصله عن الحياة والدولة والسياسة، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرأ “سورة براءة”، فلما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، قلت: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال: «صدقت، ولكن كانوا يُحلُّون لهم ما حرَّم الله فيستحلُّونه، ويحرّمون ما أحلّ الله لهم فيحرِّمونه».

من هنا لا تزال الأمة الإسلامية تتطلع لليوم الذي يعود فيها الإسلام من جديد ليسوس الدنيا بأحكامه، وتنتهي فترة الحكم الجبري الذي أقصي فيها الإسلام عن الحكم ونُقضت فيه عروة الحكم وفُصل الدين عن الحياة والدولة وهيمنت العلمانية على بلاد المسلمين هيمنة مطلقة، والتي أطلقت كلابها ينهشون في عقل الأمة ليرسخوا تلك الفكرة الغريبة عن عقيدة الأمة وتراثها وتاريخها الطويل، ولقد أسقط في أيدي هؤلاء عندما رأوا مجهوداتهم التي بذلوها طوال أكثر من قرن من الزمان تذهب أدراج الرياح، فإذا بهم يتفاجأون بمدى إصرار الأمة على إعادة الإسلام إلى الحكم ومزج المادة بالروح وسياسة الحياة بأحكام الله، وإعادة دولة الخلافة على منهاج النبوة من جديد، مما دفعهم دفعا إلى المجاهرة بالعداء للأمة وعقيدتها وتراثها وعلمائها وحملة الدعوة فيها، ولكن سيرتد كل كيدهم هذا في نحورهم وسينصر الله سبحانه هذه الأمة ويعيد لها عزتها ومكانتها التي أرادها الله لها خير أمة أخرجت للناس.