مقالات اقتصادي

أزمة مصر الحقيقية هي نظام الجباية الذي يحكمها

ما يحدث في مصر يظهر الوجه الحقيقي والقبيح للرأسمالية الحاكمة ويبين نفعيتها وجشعها ويؤكد لكل ذي بصر يرى ويعقل أنها هي السبب الحقيقي والوحيد لكل ما تعانيه مصر من أزمات ومشكلات، فقد كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء صدر الخميس 10/8/2017م، عن أن معدلات التضخم واصلت ارتفاعها خلال شهر تموز/يوليو الماضي، لتصل إلى أعلى معدلاتها منذ 31 عاماً، حيث سجل معدل التضخم السنوي 34.2%، مقارنة بشهر تموز/يوليو 2016، بسبب رفع أسعار الوقود في 29 حزيران/يونيو الماضي، فيما سُجلت أعلى معدلات للتضخم من قبل في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1986، حيث سجلت المعدلات وقتها نحو 30.3%، حسب التقرير، هذه الزيادة في معدل التضخم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة طالما بقي هذا النظام هو الحاكم في مصر والمتحكم في ثرواتها وخيراتها ومواردها، فهو ناتج طبيعي لدولة الجباية التي يرسي دعائمها.

دولة الجباية لا يعنيها من الرعية إلا ما تحصّله من جيوبهم وما تنهبه من ثرواتهم؛ فلا ترعى لهم شئونا ولا تلبي لهم حاجات، بل تطالبهم برعاية شئونهم وتحصل منهم مقابل هذه الرعاية، في تجسيد واضح للمبدأ الرأسمالي ونفعيته.

الأزمة التي تعاني منها مصر الآن هي نتاج طبيعي لتنفيذ توصيات وقرارات صندوق النقد الدولي بدءا من ضريبة القيمة المضافة إلى تعويم الجنيه إلى الزيادة المستمرة في أسعار الوقود، الأمر الذي يرفع تلقائيا كل أسعار السلع لزيادة تكلفة النقل، بينما في حقيقة الأمر وبنظرة واعية لواقع مصر وما تملكه من ثروات وموارد وطاقات فهي في غنى عن صندوق النقد وقروضه الربوية وما يصاحبها من قرارات وتوصيات هي في واقعها اغتيال لاقتصاد البلد وضمان لديمومة ارتهانها للغرب وتمكينه من نهب ثرواتها وخيراتها، نعم مصر بحدودها القطرية تملك من الموارد والخيرات ما يؤهلها لأن تكون دولة كبرى إن لم تكن الأولى؛ ففيها طاقة بشرية هائلة وإن كانت معطلة، ورقعة عظيمة من الأرض صالحة للزراعة ولكنها مهملة غير مستغلة، وفيها أيضا من الثروات الدفينة ما لا يعد ولا يحصى من ذهب وبترول وفوسفات وغاز وحتى رمال السيلكون التي تملأ صحاريها، ناهيك عن المسطحات المائية الصالحة للصيد والملاحة وقناة السويس وما تدره وما يمكن أن تدره من دخل حقيقي.
كل هذه الثروات وأكثر تنعم بها مصر، الأمر الذي جعل منها بحق خزائن الأرض، فكيف تملك دولة كل هذه الموارد وتعاني الفقر والجوع والتضخم الذي تعاني منه مصر؟!

إن هذه الثروات والخيرات والموارد في وجود الطاقة البشرية التي تملكها مصر وعقول أبناء الأمة المبدعة كفيلة بالنهوض بالأمة كلها وليس بمصر وحدها، فما تملكه مصر من موارد لا تملكه بريطانيا العظمى، إلا أن هذه الثروات لا يمكن استغلالها بشكل صحيح ولن يستطيع أهل مصر الانتفاع بها إلا بإزالة هذا النظام وتطبيق الإسلام في دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة، دولة ترعى وتعطي وتمنح عوضا عن هذه الدولة التي تجبي وتنهب وتمنع.

إن ما تحتاجه مصر ليس قروضا ولا طبع نقود ولا كل توصيات الغرب وإملاءاته وقراراته، بل تحتاج للانعتاق من التبعية للغرب ورفض كل قروضه وكل حلوله التي تزيد الأزمات، بل ما تحتاجه حقيقة هو نظرة واعية لما تملكه من موارد وخيرات وإدارتها وتوزيعها على الوجه الصحيح الذي يضمن رعاية شئون الناس وإشباع حاجاتهم، وهذا لا يكون إلا بتطبيق الإسلام كاملا شاملا في خلافة راشدة على منهاج النبوة تعيد النظر في الثروات والملكيات وتقسمها وتتعامل معها على أساس الشرع، وتجعل النقود أساسها الذهب والفضة وتمنع التعامل بالربا، بهذا فقط نضمن علاج مشكلات الأمة كلها وليس مصر وحدها، وبهذا نضمن القضاء على الفقر وعلاج ومنع التضخم الناتج أصلا عن هذه العملة الورقية التي لا غطاء لها من ذهب أو فضة فهي في واقعها ورقة لا قيمة لها، ولا يعطيها قيمة إلا مكانة الدولة التي تتعامل بها وقوتها!

هذا غيض من فيض مما في الإسلام ونظامه ودولته من رعاية؛ نظام طبق لما يزيد على ثلاثة عشر قرنا من الزمان، رأينا فيها العدل وحسن الرعاية، وإن اعتراها ما يعتري الدول من فترات ضعف، فرأينا من يقول “انثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين”، ورأينا الدولة تجعل أوقافا لبناء أعشاش للطيور فكيف بالبشر ورعايتهم، وظلت عملة الدولة هي الذهب والفضة بمثقال ثابت حتى آخر خلفاء المسلمين، ولم تر الأمة هذه الأزمات والمشكلات إلا بعد سقوط الخلافة وتطبيق الرأسمالية عليها فرأينا ما نرى الآن من ويلات.

يا أهل مصر شعبا وجيشا! إنه لا خلاص لكم ولا علاج لمشكلات حياتكم إلا بما يدعوكم له ويحمله لكم حزب التحرير، وقد عشتم تحت نير هذا النظام لعقود خلت أذاقكم فيها الويلات ولا زال، فعلام صمتكم والعلاج في أيديكم؟! أليس فيكم رجل رشيد يغضب لله ولحرماته التي تنتهك، ويستجيب لصرخات الثكالى وأنات الضعفاء والمقهورين، ويعيد سيرة الأنصار مرة أخرى فيقتلع هذا النظام وأدواته ومنفذيه، ويسلم الحكم إلى حزب التحرير ليطبق الإسلام بكل أنظمته على الناس، حتى يراه الناس واقعا عمليا مطبقا فيدخلوا في دين الله أفواجا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله؟!! اللهم اجعله قريبا وبأيدينا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾