مقالات فكري

إذا كانت الخلافة همّا كاذبا، فلماذا أنت مشغول بها؟

يبدو أن انشغال الأستاذ هويدي بمسألة الخلافة تعدى مرحلة الهوس، وهو الذي اعتبر في مقال سابق له الانشغال بها هو انشغال بِهَمٍّ كاذب، ولعل مقاله الأخير الذي يحمل عنوان {الخلافة الحقيقية والموهومة} يؤكد هذا الهوس الذي أصاب الرجل. ولكنه هوس من نوع آخر، فالرجل يصاب بالرعب والقلق كلما ذُكرت الخلافة، ومن يعمل لإقامتها كحزب التحرير، ولذا فإن هوسه بالخلافة هو هوس يجعله لا يطيق السكوت وعدم الانشغال بهَمّ الخلافة “الكاذب” – على حد وصفه -، فتراه يهاجمها في كل وقت وحين، في برنامج “على مسؤليتي” في قناة الجزيرة، وفي مقال على موقع الجزيرة نت، وعلى صفحات جريدة الشروق.

فالرجل يريد أن يُطَمئِن كل من يتخوف من عودة الخلافة جراء إرهاصات عودتها التي انتشرت الآن في كل مكان في العالم العربي والإسلامي، فيقول {فحين تحدث رئيس وزراء تونس عن أن الثورة تهيئ فرصة مواتية لتمثل الخلافة السادسة (خلافة عمر بن عبدالعزيز التى ساد فيها العدل والأمن) قامت الدنيا ولم تقعد بين بعض شرائح المثقفين فى تونس، واعتبروا ذلك تمهيدا لإعلان دولة دينية بديلا عن الدولة الديمقراطية. وحين قال أحد الدعاة فى مصر أن الثورة تعد بداية لإقامة دولة الخلافة التى ستكون عاصمتها القدس، صاح نفر من المثقفين محتجين وغاضبين، ووجدت أن بعض الباحثين اعتبروا هذا الكلام مرجعا استشهدوا به فى التعبير عن تشاؤمهم وعدم اطمئنانهم للمستقبل. حدث مثل ذلك أيضا حين ردد بعض أعضاء حزب التحرير كلاما مماثلا فى منشورات وزعت أثناء مظاهرات ميدان التحرير، وهو الكلام الذى يلوكه المنتسبون إلى الحزب منذ نحو ستين عاما ولم يأخذه أحد على محمل الجد حتى الآن. وقد استغربت حين وجدت بعض الأكاديميين يتكلمون بشكل جاد عن مخططات إقامة الخلافة، وتضاعف استغرابى حين ردد أحد وزراء الخارجية الخليجيين هذا الكلام، وكأن التحضير لإعلان الخلافة على وشك الصدور}

إذن فالأستاذ هويدي يريد أن يقول لكل هؤلاء المتخوفين، ألّا تخافوا ولا تحزنوا، فلا يوجد أي ترتيب حقيقي لتوحيد الأمة تحت راية الخلافة العظمى، ولتَطمئنوا ولتُطمئنوا أسيادي وأسيادكم في الغرب أن مثل هذا التوحيد للعالم الإسلامي تحت ظل الخلافة هو أمر صعب المنال، بل هو محض أوهام، ولتناموا ملء جفونكم، فالخلافة ليست قادمة كما تتوهمون! أليس هذا لسان حال مقال الأستاذ “المفكر العظيم” كما يحلو للبعض أن يسميه؟ هذا “المفكر” الذي لا يستطيع أن يفرق بين الشورى ونظام الحكم في الإسلام، فهو أصلا يرى أن الإسلام لم يقرر شكلا للدولة.

والكاتب هويدي يتمنى في مقاله أن يتعامل المتخوفون من عودة الخلافة كما تعاملت السلطات الألمانية مع إعلان أحد الدراويش الأتراك المقيمين فى ألمانيا نفسه خليفة للمسلمين، حيث لم تكترث بالموضوع “واعتبرت أمثال تلك الدعاوى من قبيل الفرقعات أو التصرفات غير المألوفة التى تصدر عن المواطنين فى أى مجتمع مفتوح، لهم أن يعبروا عن أنفسهم كما يشاءون طالما أن ذلك فى حدود القانون.”

فإنا نتساءل: ألا يقرأ هذا الرجل “المفكر” الأخبار ويتابعها؟! فهل غاب عن عينه وعن مطالعته أن الدولة الألمانية تعاملت بكل قمع وقسوة مع هذا الدرويش واسمه “ميتين قبلان” وجماعته واسمها “دولة الخلافة”؟ ألم يعلم أنها حظرتها على كل التراب الألماني حظراً نهائياً وقامت بإغلاق كل مساجدها وجمعياتها ومؤسساتها، وصادرت جميع ممتلكاتها المنقولة وغير المنقولة؟ وللعلم فإن هذا الأمر لم يتم البارحة، بل حدث منذ أكثر من عشر سنوات مضت، حين استغلت الحكومة الألمانية أحداث 11 سبتمبر لتغير قانون حماية الجماعات الدينية، كي تتمكن من ملاحقة كل من لا يروق لها ممن يحمل فكراً يخالف الفكر الرأسمالي العلماني، وبالذات إذا كان إسلامي التوجه! ثم ألم يقرأ ويطالع هذا “المفكر” الأخبار ليعلم أن ألمانيا لم تكتفِ بهذا بل ألغت إقامة هذا “الدرويش” على أراضيها وأصرّت بعد شد وجذب قانوني دام سنتين على ترحيل “الدرويش” إلى بلده الأصل تركيا حيث تم اعتقاله مباشرة فور وصوله المطار، وهو الآن قابع في السجن التركي منذ ذلك الحين رغم اصابته بمرض سرطان البروستات؟

ثم ألم يطالع هذا “المفكر” هويدي ويقرأ ليعلم كيف تعاملت السلطات الألمانية مع حزب التحرير الداعي للخلافة ومع شبابه؟! لقد قامت السلطات الألمانية بحظر الحزب وحظر أي نشاط له في ألمانيا، هذا البلد الغربي الذي يتشدق “بالحرية والتعددية وقبول الغير”! ولم تمنع الحزب إلا لأنه يدعو إلى إقامة الخلافة وتوحيد بلاد المسلمين وتحرير أراضيهم المحتلة. حيث اقتحمت قوات من الشرطة الألمانية الخاصة بيوت الشباب مرات ومرات، وأرهبت النساء والأطفال، واستولت على ممتلكات خاصة وحواسيب لم تردها إليهم إلا خَرِبَة، بل واعتبرت أن راية العقاب التي هي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي رمز من رموز الحزب وبالتالي قامت بمنع رفعها أو إظهارها في أي مسيرة أو مظاهرة.

إن ألمانيا هذه التى انبهر بها هويدي، وانخدع ببعض أقاويل ساستها ولم يدرك واقعها، لتدرك خطورة الدعوة التي يحملها حزب التحرير على الغرب ونفوذه إدراكاً تاماً، وهذا ما صرح به وزير داخليتها آنذاك “أوتو شيلي”، حيث أعلن يوم أمر بمنع نشاط الحزب على الأراضي الألمانية: “لقد تقصدنا القيام بهذا الإجراء ضد الحزب في هذا الزمن المبكر، قبل أن ينتشر فكره ونشاطه على الأراضي الألمانية.” ولذلك تعاملت مع الحزب بهذه القسوة، ونسيت كل ما تتشدق به مما يسميه الأستاذ هويدي “حرية رأي وتعبير تكفله الدولة الألمانية في مجتمعها المفتوح”.

وأخيراً أقرت المحكمة الأوربية هي الأخرى هذا الحظر لنشاط حزب التحرير على أراضي الألمانية، وضربت بكل ما تدعيه من حقوق إنسان وتعددية وحرية عُرض الحائط، بل لم تكلف نفسها النظر في القضية، ورفضت ذلك بحجة أن حزب التحرير لا يؤمن بالقيم الغربية والمنظومة القانونية الأوربية ابتداءً، لذا فليس له الحق أن يطالب بالحقوق المنبثقة عن هذه المنظومة، إذن فإن المحكمة الأوربية، وهي أعلى سلطة قضائية للدول الأوربية كلها، تصرح بملئ فمها أن هذه الحقوق التي تتشدق بها هي محفوظة فقط للإنسان الغربي ومن يلحق به ممن يؤمن بالمنظومة الغربية، أما غيرهم من البشر الذين يحملون مبادئَ وقيماً أخرى فهم محرومون من هذه الحقوق!! هذا ما وصل إليه الغرب بحضارته! فأين هذا من حقوق الذميين في دولة الخلافة، الذين لا يؤمنون بمنظومة الإسلام، بل ويعتقدون أن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم هو كاذب دجال والعياذ بالله! ومع ذلك تكفل لهم دولة الخلافة جميع حقوق الرعية، وتساوي بينهم وبين المسلمين في رعاية الشؤون وأمام القضاء، وتضمن لهم عيشاً كريماً هنيئاً سواءً بسواء.

أستاذ هويدي، أنت تقول أن أي باحث مبتديء يعرف {أن الخلافة الراشدة تجربة غنية وعظيمة فى الخبرة الإسلامية، لكنها تحولت إلى ملك عضود بعد ذلك لا يقيم العدل ولا يصح للاحتذاء}، وأنا أقول لك أن أي باحث مبتديء يعرف أيضاً أن تحوُّل الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض بعد فترة ما، لا ينفي أنها نموذج يمكن الاحتذاء به، والبناء عليه، حتى أن الخلافة أثناء هذا الملك العضود الذي تنفر منه هي أفضل ألف مرة من هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه المسلمون منذ أن قضي على دولة الخلافة سنة 1924 في إسطانبول.

 لقد تمنيت أن يكون اهتمام الأستاذ هويدي بالخلافة اهتماما حقيقيا على اعتبار أنها حكم شرعي واجب التطبيق، وهي بهذا المعنى تصب في صالح الأمة، لا أن يكون اهتمامه بها اهتمامَ هدم وتثبيط للهمم والعزائم، ولا شك أن هذا الدور الذي يمارسه يصب في صالح أعداء الخلافة وأعداء الأمة، فالرجل يعتبر أن الخلافة التي يسعى لها حزب التحرير، والتي تشكل أمنية غالية لقطاع عريض في الأمة، يعتبرها خلافة موهومة، وأضغاث أحلام وفرقعات فى الهواء ومزايدات لبعض المراهقين فى عالم السياسة. بينما يعتبر أننا نعيش الآن فى ظل خلافة عظمى أخرى يقودها الرئيس الأمريكى الذى يبسط نفوذه على العالم الإسلامى، فيعين الولاة ويؤدب العصاة ويستقبل الخراج كل عام (في شكل خدمة ديون لقروض ربوية). ويوزع الرضى والسخط على أقاليمه. وأن تلك هى “الخلافة الحقيقية” المقامة على الأرض الآن.

وأظن أن ما لم يقله الكاتب هويدي هو أن المطلوب من الأمة الإسلامية أن ترضى بتلك الخلافة الأمريكية وتعيش في كنفها وترضى بحكمها، وعليها السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا تخلع يد الطاعة للرئيس الأمريكي، وأن على الحركات الإسلامية العاملة لإقامة الخلافة أن تدرك أن الخلافة قائمة عند “العم سام”، وأن على تلك الحركات – وعلى رأسها حزب التحرير – أن تستريح من عناء العمل الشاق لإقامة الخلافة الإسلامية، كما وعليها أن تُريح الكاتب هويدي وأمثاله ممن يؤرقهم الحديث عن الخلافة وإقامتها، ليستريح من وراءهم الغرب الكافر الذي لا زال يتذكر الضربات المؤلمة والمميتة التي تلقاها من دولة الخلافة الإسلامية عبر القرون.