مقالات سياسي

فلتذبحوا هذا العجل المقدس

أصدر الرئيس محمد مرسي الخميس 22/11/2012 إعلانا دستوريا يتضمن إعادة محاكمة قتلة الثوار، ورعاية المصابين في الثورة، وحماية الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى من الحل، وتحصين قرارات الرئيس لفترة لا تزيد على شهرين، وعزل النائب العام، فيما عارضت بعض القوى السياسية هذا الإعلان بالاعتصام في ميدان التحرير.

ولعل الشعار العريض الذي يرفعه المعارضون لهذا القرار يكمن في رفضهم “لتكويش” الرئيس على السلطة القضائية، وكذا السلطة التشريعية، فتراهم يتحركون بناء على مفاهيم تربوا عليها، ظنوا أنها مقدسة طالما أنتجها لهم مونتيسكيو في كتابه المقدس “روح القوانين”، لقد اتخذ القوم من كتابهم هذا عجلا جسدا له خوار، والعجل المقدس هنا هو مسألة الفصل بين السلطات التي هي أبرز ما أسس له مونتيسكيو في كتابه هذا، وخواره ما نسمعه من الطرفين لتبرير موقفيهما، فالأول يدعي أن هذا الإعلان هو إعلان مؤقت، والقانون يعطيه الحق في إصدار هكذا قرار لحين إقرار الدستور، ومن ثم تشكيل مجلس شعب جديد تعاد له السلطة التشريعية، بينما الطرف الثاني يدعي أن هذا الإعلان يكرس للرئيس الفرعون أو الحاكم بأمر الله.

ومما لا شك فيه أن الطرفين يقدسان هذا العجل، وأنهما يدركان أنه لا ولن يكلمهم وأنه لا ولن يهديهم سبيلا، فإن فكرة فصل السلطات التي هي هيكل الدولة المدنية فكرة غربية بحتة مرتبطة بالفكر الغربي الديمقراطي، ذلك الفكر المقدس الذي لا يستحق أي نوع من التقديس. وقد ظهرت هذه الفكرة مع ظهور فكرة الدولة المدنية التي هي مضادة لمفهوم الدولة الدينية الغربية. فظهورها كان كردة فعل على حصر السلطات في يد الحكام المستبدين في أوروبا من ملوك وأباطرة. ولقد ظن بعض المفكرين السياسيين الغربيين بأن الاستبداد سببه حصر السلطات أو حصر صلاحيات الحكم في يد الحاكم.

ولعل الانبهار بما لدى الغرب من نظم ديمقراطية، جعل أحد طرفي النزاع يصرخ بأعلى صوته مناديا بديمقراطية حقيقية، وعيش وحرية، بينما الطرف الأخر يتمتم وراءه قائلا نعم نريد ديمقراطية حقيقية، وشورى، ومدنية، وشريعة إسلامية، فتراه يجمع المتناقضات في سلة واحدة، وهو لا يرى تناقضه مع نفسه! بل يرى أكثر من ذلك أن الإسلام دين الديمقراطية، ولا يرى بأسا في عدم الحديث عن تطبيق الشريعة طالما أننا سائرون في طريق الديمقراطية المفضي إليها إن عاجلا أم آجلا! إنّ عجلهم المقدس لم يذبح بعد، وإنما هو سيقدم قربانا مؤقتا، وإنه لسوف يعود من جديد لابسا ثوبا جديداً، بعد أن يُقر الدستور الجديد لينخدع به البسطاء، ومن ثم يُصدر العجل خواره، ليقول هذه هي سلطتكم القضائية قد أعدتها لكم مبرأة من كل دنس، وها هي سلطتكم التشريعية أعيدها لكم بيضاء نقية لم يمسسها أي سوء، ها نحن أيها الشعب الكريم أعدنا العجل مرة ثانية، وإنا لن نمسه بسوء مرة أخرى.

إن محاولة تجييش الناس من أجل ما يسمى بالشرعية والشريعة، هي محاولة تضليلية وإظهار أن البلد منقسم على نفسه بين فئتين، فئة تريد الشريعة وفئة ترفضها، وهذا مخالف للواقع، فالذين خرجوا في الميادين باستثناء قادتهم ومن حركوهم ليسوا رافضين للشريعة، ولو أعلن الرئيس – بدلا من إعلانه الدستوري هذا – وضع الشريعة موضع التطبيق لما استطاعت رؤوس العلمانية في مصر تحريك الشارع بنفس الزخم الذي حركوا به الشارع ضد الإعلان الدستوري، ولما تجرؤوا على رفع أي شعار يرفض تطبيق الشريعة. هل يمكن أن يعلن مثلا حمدين صباحي أنه ضد الشريعة؟ لقد استغل الرجل الحدث وخطب في الناس من على منصة التحرير يوم الجمعة 30/11 قائلا أنا مسلم وأفخر بأني مسلم، وسأدافع عن الشريعة.

إن حالة الانقسام التي تشهدها البلاد هذه الأيام يراد من ورائها تمرير الدستور الذي أعدته اللجنة التأسيسية، وقامت بإقراره على عَجل يوم الخميس 29/11 لتقوم بعد ذلك بتسليمه لرئيس الجمهورية ليعرضه على الاستفتاء الشعبي أيضا بسرعة، علّه يكون مخرجا مناسبا لما سببه الإعلان الدستوري من احتجاجات واعتصامات ودعوات للعصيان المدني. وهي خطة جهنمية لتمرير دستور مهلهل لا يختلف كثيرا عن دستور 71، بل هو دستور يخالف الإسلام، كان قبل أسابيع قليلة محط رفض من قطاع واسع من التيار الإسلامي. فإذا بهذه الأزمة تُنسي من نزل إلى ميدان التحرير في جمعة تطبيق الشريعة 2/11 و9/11 سبب نزوله! وإذا بالدكتور مرسي ينجح في إعادة تجميع شتاتهم خلف دستور عواره بيِّن ومخالفته للشريعة أبين.

إنها دعوة مخلصة ممن لا يكذب أهله، فلتدركوا يا من رددتم ملء حناجركم “الشعب يريد تطبيق شرع الله” أن شريعة الله لا يمكن أن تطبق من خلال هكذا دستور، لا يختلف عما سبقه من دساتير ولا يختلف في مواده الرئيسة عن سابقه في شيء، بل مواده التي تناقض الإسلام هي هي في صياغتها وحتى في ترقيمها لم تتغير! وإذا كانت صياغة بعض المواد تتشابه مع صياغات صحيحة في الشريعة فإن أخذها ليس مستندا إلى العقيدة الإسلامية وإنما هو أخذ مصلحي ديمقراطي، ولتدركوا أيضا أن نظاما كهذا لا يمكن تغييره من داخله، أم أن هذه الحناجر لا تدرك أن النظام الجمهوري هو نظام مخالف للإسلام؟ لأن عقيدته هي فصل الدين عن الدولة التي نشأت في أوروبا بعد صراع مرير بين المفكرين والكنيسة في العصور الوسطى، وهي تجعل السيادة للشعب، أي تجعل التشريع للإنسان.. يحل ويحرم كيف يشاء!! والله تعالى يقول: “إِن الْحُكْمُ إِلَّا للهِ”.

ونكرر هنا مرة أخرى: يجب أن تذبحوا هذا العجل المقدس، ذبحا كاملا برفض النظام الديمقراطي جملة وتفصيلا، وليس فقط قداسة الفصل بين السلطات، التي ذبحها الرئيس وأثارت ثائرة رهبان معبد الديمقراطية المزيف. ولا يمكن لرئيس مسلم يُعتبر متدينا يقسم في 29/6/2012 قسم الولاء لهذا النظام فيقول بأعلى صوته: “أقسم بالله العظيم أن أحافظ على النظام الجمهوري” فتصفق له الحشود المليونية المسلمة عندما أقسم على الولاء للنظام الذي ثاروا ضده. وخاطبهم قائلا: “اليوم أسس الشعب المصري لحياة جديدة ديمقراطية حقيقية وإعلاء مفهوم المؤسسية”. وقال: “سأحترم وأقدر السلطة القضائية والسلطة التشريعية وأقوم بدوري لضمان استقلال هاتين السلطتين عن بعضهما البعض وعن السلطة التنفيذية”. وقال: “سنكمل المشوار في دولة مدنية وطنية دستورية حديثة”.

لا يمكن لهكذا رئيس أن يهدم نظاما أقسم على الحفاظ عليه، متصورا أنه نظام لا يخالف الإسلام، وأن شعار تطبيق الشريعة لا يتناقض مع النظام الجمهوري المدني الديمقراطي.

إن الأزمة التي يمر بها النظام حاليا في مصر، هي أزمة مفتعلة المقصود منها تمرير الدستور الذي طبخ على عَجل ومن ثم طُرح للاستفتاء على عَجل في 15/12/2012، ومن كان يرفع الصوت من الإسلاميين بالأمس رافضا لهذا الدستور، ها هو يقول أنا أرفض هذا الدستور لكنني سأصوت عليه بنعم من أجل الاستقرار، حيث إن الشريعة تجعل درء المفاسد مقدماً على جلب المصالح، حسب تفسيرهم للمفاسد والمصالح.

فلو أدرك المسلمون إدراكا تاما بأن فصل السلطات شيء غير متحقق في الواقع وهو مخالف للواقع وأنه لا يوجد إلا سلطة واحدة يديرها شخص واحد يسمى الخليفة بأحكام شرعية مستنبطة من نصوص الوحي لما قبلوا بالديمقراطية أو بفصل السلطات ولا نادوا بالدولة المدنية. فما حصل في الغرب لم يحصل عندنا بل كان تاريخنا مشرقاً مختلفا عن تاريخهم المظلم. فلم يحدث أن طالب الناس على مدى 13 قرنا بإسقاط الخليفة لأنه فرد واحد يحكم وأنه مستبد. لأن هذا الخليفة لم يكن مستبدا فلم يحكم حسب هواه وحسب مصالحه بل حكم بما أنزل الله فلم يعترضوا على حكمه ولذلك لم يكن مستبدا أو دكتاتورا. وكل ما اعترضوا عليه هو إساءة تطبيق البيعة أي أن الخليفة كان يرشح ابنه أو أخاه أو أحد أقاربه حتى يبايع على الخلافة من بعده باجتهاد خاطئ للمحافظة على وحدة الدولة ومنعا لاختلاف الناس من بعده والحيلولة دون الفتن.

مع العلم أن الإسلام يعطي الحق للأمة لتختار وتبايع من تريد سواء ابن الخليفة أو أحد أقاربه أو أي شخص آخر من بينها يحوز على الأهلية. ولا توجد في الإسلام زمرة رجال الدين لأن الإسلام لم يعط حق التشريع للعلماء ولا لغيرهم من البشر، وما يقوم به العلماء هو الاجتهاد فقط. فيقومون ببذل الوسع في استنباط الحكم الشرعي لمسألة عملية من الأدلة التفصيلية أي من القرآن والسنة وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي. والخليفة ربما يكون هو أيضا مجتهدا فإذا تبنى حكما شرعيا سواء باجتهاده أو باجتهاد علماء آخرين فيصبح حكما شرعيا في حق الرعية فيلزم الناس به حتى يتمكن من رعاية شؤونهم وتسيير مصالح الدولة. فالدولة الإسلامية ليست دولة دينية بالمفهوم الغربي وإن كان أساسها الدين الإسلامي أي دستورها وقوانينها نابعة من الدين الإسلامي. بل هي دولة بشرية يحكمها بشر، يحكمون بما أنزل الله، ويختار حكامها ونوابها من قبل البشر. فلم يعينوا من قبل الله فليست هي دولة إلهية وليست هي دولة ثيوقراطية. ورئيسها الخليفة أو الإمام ليس معصوما بل هو بشر يصيب ويخطئ. والإسلام يرفض الحصانة للحكام وممثلي الشعب كما يقرها النظام الديمقراطي.

فالخليفة أو أي حاكم في الدولة أو أي نائب يحاكم من قبل محكمة المظالم فورا. وليس لقراراته أية حصانة إلا أن تكون مستندة للدليل الشرعي، والدولة النموذجية هي التي تكون على منهاج النبوة أي خلافة راشدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”.

ولمثل هذه الدولة يجب أن يعمل الدكتور مرسي، ولمثل هذه الدولة يجب أن يحشد الملايين، لتهتف ملء قلوبها الشعب يريد خلافة إسلامية، ولمثل هذه الدولة يجب أن يتحدى الدنيا بأسرها، وليس فقط حفنة من الكارهين لأنفسهم الذين يريدون أن يعيشوا في الظلام، ولا يرون نور الإسلام من خلال دولته العظيمة دولة الخلافة على منهاج النبوة.