وسائل التواصل الاجتماعي

مميز

من أقوال العلماء

مقالات فكري

خطاب الأمة

الجزء الأول

منذ أن من الله على البشرية بالإسلام ومكن له في الأرض، بأن جعل له دولة تطبقه وتحمله رسالة نور للبشرية جمعاء، والأمة الإسلامية لم تتبن خطابا غير الذي خاطبها الله به في كتابه وسنة نبيه ﷺ، ولم تجعل مقياسا لأعمالها، إلا مقياس الحلال والحرام. ورغم ما أصابها من وهن وضعف في بعض عصورها، ورغم سيطرة أعدائها عليها عسكريا من الصليبيين والتتار (المغول)، لم تتخل يوما عن مبدئها فكرة وطريقة. نعم أحسن المسلمون أحيانا وأساءوا أحيانا في تطبيقه، ولكنهم لم يطبقوا غيره، حتى جاءت المصيبة الكبرى، وهدمت الخلافة على يد الكافر المستعمر واحتل بلاد المسلمين ومزقها إرباً وأحل القومية والوطنية دار المسلمين وفرضها رابطة تربط بينهم وجعل لكل دولة راية ونشيدا، ونقّب لكل دولة عن تاريخ مظلم، تتجاوز به تاريخها المشرق، وأثار العداوة والبغضاء بين المسلمين ونصّب على كل مجموعة منهم، حكاما نواطير فرض على المسلمين من خلالهم دساتير منبثقة من عقيدته، عقيدة فصل الدين عن الحياة.

هذا هو الواقع الذي تعيشه الأمة، واقع مرير لم يمر عليها مثله من قبل، لكنها أمة حية مهما توالت عليها المصائب وكثرت، سرعان ما تنتبه وتدب فيها الحياة من جديد، وهذا ما حدث في الآونة الأخيرة. استيقظت الأمة من غفوتها وراحت تنادي بعودة السيادة لخطابها الذي خاطبها الله به وتنادي بمشروعها الحقيقي وهو الخلافة، في سوريا وتونس وإندونيسيا ومصر، فما كان من الغرب إلا أن قام بمحاولات فاشلة لتشويه مشروع الأمة على يد فئة من الأمة لم يكتمل لديهم الوعي، ولكن خابت محاولتهم وأحبطت خطتهم في مهدها. وازدادت ثقة الأمة بمشروعها وخطابها واستمرت في سيرها نحو تحقيق هدفها، والغرب ما زال يقاوم هذا الوعي بما أوتي من خبث وقوة، كلما أُحبطت له خطة جاء بغيرها. فأوعز لعملائه بشن حرب على المفاهيم الإسلامية مصحوبة بدعم إعلامي وقبضة أمنية، يحرفون من خلالها العقلية والنفسية لدى الأمة، عسى أن يعيدوها إلى ما كانت عليه يوم هدمت الخلافة. ففي خطاب للسيسي في إحدى المناسبات وجه رجال الأزهر مدعومين بإعلامه وأمنه أن يعملوا جاهدين على تجديد الخطاب الديني حسب قوله، فسخّر المتهافتون منهم، لإرضاء السيد، كل طاقاتهم لإفراغ العقيدة الإسلامية من مضمونها، فعمدوا إلى تغيير مفاهيم إسلامية ثابتة مثل مفهوم الحاكمية والجهاد والخلافة والجزية وحكم الدار…، حتى التاريخ الإسلامي، نادوا بعدم تدريس بعض أحداثه التي تروي انتصارات عظيمة، حققها المسلمون ضد أعدائهم، كل هذا التحريف وضعوه تحت عنوان: تجديد الخطاب الديني!

ودون الخوض فيما زعموا أنه أدلة شرعية استندوا إليها في تحريفهم لهذه المفاهيم، دعونا نكتفي هنا بالوقوف على مصطلح تجديد الخطاب الديني:

هذا المصطلح يفضح المنادين به، فـ”تجديد الخطاب الديني” مصطلح أصيل عند من أمر بتنفيذه، وذلك لأن النظام الرأسمالي الذي تقوده أمريكا يقوم على أساس فصل الدين عن الحياة وحصره في العبادات وداخل الكنائس فقط ولا علاقة له بشؤون الحياة، وجعل تنظيم العلاقات ورعاية الشؤون للشعب، هو من يقررها بناءً على مقياس المنفعة وتكريسا لمفهوم الحريات، وعليه يوجد لدى الغرب خطابان؛ خطاب ديني مصدره الكنيسة، وخطاب سياسي مصدره الشعب (نظريا)، وهذا التقسيم منطقي ومتفق مع عقيدة المبدأ الرأسمالي (عقيدة فصل الدين عن الحياة)، حتى إنهم يَعُدّون تدخل الدين في الحياة كفراً بالمبدأ الرأسمالي وخروجاً عليه، وضعت الحكومات الرأسمالية ترسانة من القوانين تحول دون وقوعه، فصدّرت دساتيرها بمادة تبين أن أساس الدساتير والقوانين هو الشعب وليس غير.

ومن هنا يتبين لنا أن تجديد الخطاب الديني مصطلح مأخوذ من ثقافة مغايرة ومناقضة للثقافة الإسلامية، تلقفه السيسي وعلماء بلاطه بألسنتهم دون تفكير في صياغته ولا مضمونه، وطرحوه بشكل يوهمون به الناس أنهم يريدون تنقية الدين من الشوائب العالقة به!

إن العقيدة الإسلامية عقيدة سياسية بطبيعتها، جاءت لتنظم للإنسان حياته كلها، بوصفه إنسانا، فجاءت بأفكار تنظم علاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بغيره من بني البشر، أفرادا وجماعات، ووضعت لتلك الأفكار أحكاما تبين كيفية تنفيذها، فالإسلام مبدأ أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فالنظم سياسية واقتصادية واجتماعية، كلها منبثقة من العقيدة، فهي جزء من الدين، وخطاب الأمة خطاب واحد مصدره الكتاب والسنة وهو خطاب كلي، عالج كل مشاكل الإنسان وبين كيفية تنفيذ تلك المعالجات، ولا يجوز أن نقول إن للأمة خطابا دينياً وآخر سياسياً، فكما أنَّ تدخل الدين في السياسة كفرٌ بالرأسمالية، فإن فصل الدين عن الحياة كفرٌ بما جاء به محمد ﷺ، وضع الإسلام أحكاما تحول دون وقوعه، فجعل العقيدة الإسلامية هي أساس الدساتير والقوانين وحرم قيام أحزاب سياسية على خلاف العقيدة الإسلامية.

ولنا عودة قريبا بإذن الله لتفنيد كل ما ادعوه من أدلة شرعية بزعمهم.

حامد عبد الله