مقالات اقتصادي

السيسي يدعي مكافحة الفساد وهو رأس الفساد!

الفساد هو إساءة استخدام السلطة العامة من أجل تحقيق منفعة شخصية أو كسب خاص، وهذا التعريف ذهبت إليه منظمة الشفافية العالمية. وهو سلوك محرم بلا شك وسلوك منحرف. وذروة الفساد ما أنتجه النظام الرأسمالي، حيث أصبحت مهمة الحكومات الرئيسية، تحقيق المنافع للمجموعة المستأثرة برؤوس الأموال في تلك البلاد. وهذا واقع الحكومات في العالم اليوم، إذ تسيطر حفنة قليلة من رجال الأعمال على معظم ثروات العالم، فمن خلال سيطرتهم، على مقاليد الحكم والجيوش ومراكز الإعلام، يحققون المنافع الخاصة بهم. أصبح الفساد إذاً، مظلة الحكم والدولة وأساسهما، وبتعبير آخر، أصبح الفساد والمفسدون مصدر السلطان.

فرجال الأعمال في أمريكا هم من يشكلون الوسط السياسي ويعينون كبار قادة الجيش والإعلام، وكذلك الحال في أوروبا، وبعد أن هدمت الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال، امتد نفوذ هذه الفئة إلى بلاد المسلمين فأنشأوا حكومات عميلة للغرب مهمتها رعاية مصالح الغرب في بلاد المسلمين، وعندما نقول مصالح الغرب فهذا معناه مصالح رجال الأعمال (أصحاب الشركات الكبرى العابرة للقارات)، ومن هنا يتضح لنا أن مركز الفساد في العالم هم الرأسماليون الأمريكيون.

فمحاربة الفساد ابتداء، تكون باستئصال نفوذ الغرب من بلاد المسلمين، وكل تثبيت لذلك النفوذ هو ترسيخ للفساد.

وفي تصريح للسيسي نقلته صحيفة الوطن العربي ذكر (أن بلاده قطعت شوطاً كبيراً، خلال السنوات الأخيرة، في مجال مكافحة الفساد، بمختلف صوره، واهتمت بإجراء البحوث والدراسات واستطلاعات الرأي، بهدف تعقب أسباب الفساد، والوقوف على قياسات حقيقية له). (الوطن العربي).

فهل فعلا قطع السيسي شوطا كبيرا في محاربة الفساد أم أنه صمام أمان للفساد والمفسدين في مصر؟ وما طبيعة هذا التصريح؟

في حقيقة الأمر السيسي يدعم الفساد بمعناه المؤسسي المتأصل في النظام الرأسمالي. وبقاؤه في الحكم مرهون بذلك الدعم، فرهنه البلاد والعباد للغرب الكافر وتمكينه للغرب من ثروات مصر وحرمان أهلها منها، هو العمل الوظيفي للرئيس السيسي، فالغاز والخامات من ذهب وفوسفات، والكهرباء وشركات القطاع العام والخدمات الرئيسية؛ معظم ذلك تم تسليمه للغرب رسميا من خلال السلطة، تحت شعار الاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي، وبعقود كتبت بنودها بيد المشتري. وفي حال تعارضت هذه البنود مع القوانين والتشريعات، يأمر السيسي بتغيير تلك القوانين. ولم يتوقف دعم السيسي عند هذا الحد، بل سلم البلاد لصندوق النقد يفعل بها ما يشاء، حتى يزيل كل العقبات من أمام أباطرة المال الغربيين. فتعويم الجنيه ورفع الدعم عن السلع الغذائية والمحروقات والشروع في تخفيض عدد الموظفين في الدولة، من سبعة ملايين لمليون، ووضع التشريعات التي تمكن الشركات الرأسمالية العالمية من تملك القطاع العام، مثل قانون تحويل شركات القطاع العام لشركات قابضة (مساهمة)، أليس كل هذا تمكينا ممنهجا للفساد الرأسمالي العالمي، الراعي الرسمي للحكام العملاء في بلاد المسلمين؟

أما تصريح السيسي بأنه يحارب الفساد، فهو تصريح يقصد منه تشتيت انتباه أهل مصر والتعمية عليهم، بإلهائهم في قضايا فساد فرعية، لا تمثل حلقة في فلاة الفساد الذي يمارسه بكل خسة لصالح الغرب. ففي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن ضبط وتنفيذ قضايا متنوعة في مجال مكافحة الفساد، لا تتخطى مجموع الأموال فيها المليار جنيه مصري، تقوم بتسليم آبار الغاز ومناجم الذهب والخدمات العامة لحفنة من رجال الأعمال الغربيين والجيش، وتقوم بتبرئة مبارك ورموز نظامه من تهم فساد، تخطت حاجز المليار ونصف المليار دولار، بل وتسجن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بعد تصريحه أن تكلفة الفساد في عام 2015 بلغت 600 مليار جنيه!

فكانت النتيجة الطبيعية لتلك السياسات ولهذا الفساد أن أصاب الناس الفقر والعوز والمرض. فبدأ الناس يتذمرون من سوء الأوضاع ويبحثون عن سبب هذا التدهور وكيفية الانعتاق منه، بل وعجت منصات التواصل الإلكتروني بكل هذه التساؤلات، وحتى لا يتوجه الناس الوجهة الصحية ويضعوا أيديهم على سبب المشكلة؛ قامت تلك الحكومات وبأوامر من الحكام الفعليين (الرأسماليين) بتصدير أسباب وحلول فرعية أو مصطنعة يصرفون بها الناس عن الفساد الحقيقي الذي هو مكمن القوة الرأسمالية وسر سيطرتها. فينسبون تدهور الأحوال تارة (للإرهاب) المزعوم وتارة لفساد بعض الموظفين يقتاتون من قوانين صيغت خصيصا لرعاية مصالح الرأسماليين الغربيين.

الفساد نتيجة طبيعية للنظام الرأسمالي القائم على النظرة الفردية للمجتمع، وعلى النفعية والمصلحة، وهذا الفساد باق ما بقي النظام الرأسمالي ولا يمكن زواله إلا بزوال حاضنته. وهي حقيقة يؤمن بها الرأسماليون، ويعتبرون أن بقاء الرأسمالية قضية مصيرية بالنسبة لهم فلا يتورعون، عن طريق الحكام المأجورين كالسيسي، من استخدام كل الوسائل والأساليب، من قتل وتعذيب وكذب وخداع، للمحافظة على الرأسمالية.

وعندما يتخذ المسلمون الإسلام قضية مصيرية وتعود العقيدة الإسلامية مظلة للحياة باستئناف الحياة الإسلامية في دولة الخلافة عندها فقط سيزول الفساد بكل أشكاله. جاء في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي : فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً».

بقلم: الأستاذ حامد عبد الله