خبر وتعليق اقتصادي

واقع مصر الأليم بين انتحار الشباب وانتحار الدولة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخبر:

قالت الـBBC عربية على موقعها في 2019/12/03م، إن صحفا مصرية وعربية تناولت حالات الانتحار في مصر، والتي بلغت ثلاث حالات في أقل من 48 ساعة، إذ قام شاب يدعى نادر بإلقاء نفسه من برج القاهرة، ورمى آخر بنفسه تحت عجلات مترو الأنفاق، بينما ألقى ثالث بنفسه في ترعة الإبراهيمية في أسيوط، واستدعت هذه الحالات وقبلها الكثير تدخلا من شيخ الأزهر، وأكد مركز الأزهر للفتوى العالمية على أن “الإسلام أمر بالحفاظ على النفس البشرية بل جعلها من الضروريات الخمس التي يجب رعايتها، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل”، كما أثارت الحالات جدلا واسعا، وطالب كتّاب بأن تكون هذه الحالات “صدمة كهربائية لعل العالم يفيق”، وأدان آخرون دور المجتمع الذي يدين المنتحر ولا يسعى لعلاجه قبل إقدامه على الانتحار.

 

التعليق:

تزايد حالات الانتحار في مصر في الفترة الماضية رغم غرابته على مجتمعنا وديننا وفطرتنا، هو نتاج لما تعانيه مصر جراء تطبيق الرأسمالية بتوحشها والتي أفقدت الشباب طموحهم وفي أدواتها من الحكام وعصاهم الغليظة التي تجلد ظهور الشباب حتى أفقدتهم أي بارقة أمل في التغيير، فصار انتحارهم هو محاولة للهروب من واقع لا يملكون أدوات تغييره وشعروا أن الموت هو مصيرهم المحتوم في ظله، فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا الشاب الذي أنهى دراسته في كلية الهندسة إحدى كليات القمة في مصر، والده متوفى وأخوه معتقل لدى النظام، وفي مثل هذه الحالة تحديدا لن يجد عملا مقبولا يضمن له الحياة التي كان يحلم بها هو وأبواه عندما هيأوه ليكون مهندسا يوما ما، ليجد نفسه بعد التخرج ضمن صفوف العاطلين عن العمل! هذا بخلاف الكثير من شباب مصر ممن لم يكن بوسعهم دخول كليات القمة ليكونوا في طليعة العاطلين، وحتى من يوفق منهم لعمل فبالكاد يكفيه في ظل الغلاء المستمر والتضخم المتزايد، فلا يستطيع أن يجد مسكنا ليؤسس بيتا للزوجية، ولو وجد مسكنا فهو مطالب بالعمل في وظيفتين حتى يتمكن من تأسيسه إن استطاع، ولو تزوج فعليه أن يستمر في وظيفتيه وعلى زوجه أيضا أن تعمل حتى يتمكنا معا من دفع فواتير المسكن والإنفاق على أولادهم عندما يرزقون بأولاد، دوامة يؤثر بعض الشباب الهروب منها تارة بإلقاء أنفسهم في البحر علهم يصلون إلى أوروبا أو يلقون بأنفسهم من أعلى البرج، أو فوق قضبان قطار فيتخلصون من حياتهم وتلك الآلام التي تصاحبها والتي سببتها الرأسمالية التي تحكم بلادنا وأدواتها من الحكام.

ورغم ما في هذا الانتحار من جرم في حق النفس إلا أن دوافعه يجب أن توضع محل اعتبار ونظر لعلاجها علاجا جذريا، فما نراه حقيقة هو انتحار للدولة على مسلخ الرأسمالية العفنة، فدولة ترتهن لأعدائها بقروض تلو القروض، هي دولة تنتحر وتقتل معها كل آمال شبابها في غد مشرق قد يبزغ فيه فجر أمل للتغيير، دولة تبيع ثروتها وتتنازل عن مقدراتها لعدوها طوعا وتضع كل طاقاتها في خدمة الغرب ولرعاية مصالحه هي دولة تنتحر وتقتل معها طموح أبنائها.

هذا هو حال مصر حقيقة في ظل هذا النظام، فليس الشباب هم من ينتحر بل هي الدولة التي تنتحر وما هؤلاء الشباب إلا ظاهرة تعبر عن واقع أليم تعيشه مصر دفعهم للهروب من واقع مظلم لواقع يقفون فيه بين يدي الله إن شاء عذب وإن شاء غفر، في دولة لم تبحث عن الدوافع لمثل هذا الفعل بل بحثت فيمن نشر وسرب المقاطع المصورة، وكأن هذا ما يعنيها ولا يعنيها أبدا علاج الدوافع حتى لا يقدم غيره على قتل أنفسهم، وكأنها تشجعهم حتى تنقص أعدادهم من سجلات البطالة ومستحقي الدعم!!

يا شباب مصر الكرام! إن حياتكم غالية عند ربكم وقد وهبها وصانها لكم وهي أمانة لا ترد إلا بطلب صاحب الأمانة، وقد حدد ربكم آجالكم فلا يظن من يقدم على قتل نفسه أنه يقدم أجلها، فلن تموت نفس قبل أن تستوفي رزقها وأجلها في هذه الحياة الدنيا. ويبقى إثم قتل النفس عالقا في عنقك تلقى الله به يوم القيامة، ولميتة في سبيل الله خير وأبقى. وخير ميتة هي أن تجهر في وجوه الظالمين بظلمهم فيقتلوك إذا حان أجلك فتحوز منزلة سيد الشهداء، فلا تقدموا على عمل يهلك ثمرتكم ويضيع أعمالكم ويريح عدوكم الذي أهلككم وقتل طموحكم قبل أن يدفعكم لقتل أنفسكم.

يا أهل مصر الكنانة! إن الدافع لحالات الانتحار تلك وغيرها هو تطبيق الرأسمالية التي سببت تردي الحالة الاقتصادية والسياسية بما فيها من احتكار وجشع ونفعية، وثقافة الغرب التي حلت محل ثقافة الإسلام في مجتمعنا وصارت تدرس في مدارسنا لأبنائنا، فلا يستغرب الانتحار في بلاد الغرب لكنه دخيل على بلادنا من جنس تلك الثقافة الدخيلة التي تنتج الخانعين والخونة المضبوعين؛ نوعين لا ترحب بهما الأمة وهم السوس الذي ينخر جسدها.

والعلاج الوحيد لكي ندرك أبناءنا هو تدريسهم ثقافة الإسلام بشكل صحيح حتى تصبح العقيدة الإسلامية هي أساس تفكيرهم، وما تفرع عنها من أحكام شرعية هي حلولاً لمشكلات حياتهم، حينها حقا نطمئن عليهم ونضمن أنهم لن يلجؤوا لمثل تلك الأفكار التي دخلت علينا مع ثقافة الغرب الدخيلة، إلا أن هذه الثقافة وحدها لا تكفي بل يجب أن تدرس في إطار تطبيق الإسلام كاملا في دولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة فتقتلع الرأسمالية واقتصادها وتنهي نفوذ الغرب وشركاته وقروضه التي تكبل البلاد والعباد، دولة تعطي للناس حقوقهم في ثرواتهم وتعرفهم ما هي تلك الحقوق وتحثهم على المطالبة بها ومحاسبة الحكام عليها، دون خوف من بطش حاكم ولا جبروت صاحب سلطان، فيأمنون على أرزاقهم وحياتهم وحياة أولادهم.

يا أبناء جيش الكنانة! إن هؤلاء الشباب هم أبناؤكم فلا تسلموهم ولا تخذلوهم ولا تكونوا معولا لهدمهم فتهدمون أنفسكم وتقتلون مستقبلكم بأيديكم، وكونوا كما يريد الله لكم؛ نصرا لما ينصرهم ويعيد لهم حقوقهم حقا، والتفتوا إلى من يحملون مشروعا حقيقيا ينهض بمصر وشبابها ويجعل منهم قادة وسادة للدنيا، إخوانكم شباب حزب التحرير، وهم يقدمون لكم مشروع الإسلام الحضاري كاملا جاهزا للتطبيق فورا ولا ينقصه غير رجال منكم يعيدون سيرة أنصار الأمس فتقام الدولة التي تطبقه في الناس فيسعد بها الحجر والطير والشجر، وتنالوا بها خيري الدنيا والآخرة، وتكون مصر بكم درة تاج المسلمين ومرتكز عزهم خلافة راشدة على منهاج النبوة، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

كتبه سعيد فضل – عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر