مقالات فكري

إنك، يا نمنم ومن على نهجك ومن تداهنون… بعلمانيتكم تفرحون

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في زخم التعديل الوزاري المرتقب بمصر، نشر باب “أقلام وآراء” بصحيفة المصري اليوم، الأحد 2019/12/8م، مقالا للكاتب الصحفي حلمي النمنم عنونه (حكم الله)، وقد ساق الكاتب، الذي سبق له أن كان وزيرا للثقافة في ظل انقلاب الردة الدموي في الفترة بين 2015 و2017، ساق بمقاله تفسيرا من بنات أفكاره لآيات قطعية الدلالة من سورتين مكيتين، خلص فيه إلى العيب على (المنادون بالدولة الدينية – وكأن دولة الإسلام دولة دينية -) [وكأنهم فئة قليلة مستغربة].. وزعم أن الاستشهاد بآيات (الحاكمية) هو جملة مقتطعة من سياق الآيات الكريمة؛ مدجلا أن قضية الألوهية لا علاقة لها بالسياسة، التي هي رعاية شئون الناس، ولا بالمجتمع، مستحضرا نموذج أوروبا المظلمة، الذي تم تعبيد الناس فيه للحاكم برعاية كنسية تحت زعم أن الحاكم هو “ظل الله في الأرض”، ليلصقه بالإسلام؛ تعالى الله عن ذلك، وسيرا على نهجه العلماني وفصلا للدين عن الدولة، نهى الكاتب أن نزج بآيات الله في معركة سياسية أو أيديولوجية! ووصفه أنه (عمل غير علمي وغير فقهي؛ وأخشى القول إنها عملية تدليس على الناس)… كذا قال!

وزعم أن الحكم إنما يعني القضاء وفقط… وكأن القضاء لم ينظمه الإسلام ليحكم بما أنزل الله، وحصرا، وفي ظل دولة الإسلام، ليستدعي بعد ذلك نموذج “تيمورلنك” المغولي، فينتهي إلى نصحه للناس بما لم ينتصح هو به، ليقول (لا أحد يمكنه الادعاء بأن لديه توكيلاً عن الله تعالى).

لقد سبق أن ألمح نظام السيسي، خلال الشهر الماضي، إلى تغيير وزاري، على أن يتم إعلانه في كانون الأول/ديسمبر الجاري، فيما يبدو سعيا منه ومحاولة لتخفيف الضغوط على نظامه وحلحلة للأوضاع، فلربما تدارك بها ما انفرط عقده من شعبيته، أو استطاع تأمين المستقبل السياسي لنجله، والحفاظ على تماسك الدائرة المحيطة به؛ ما دفع كل متشوق لنيل الحظوة لدى السيسي أن يقدم قرابينه على مذبح ثوابت الأمة، وفي القلب منها أهل الكنانة.

ومن باب المعذرة إلى الله وتبيانا للحق، وفضحا لضحالة فكر هؤلاء المضبوعين بثقافة الغرب الذين ما إن تسمع لأحدهم حتى تشعر وكأنه يقيء، فلعل النمنم نسي أن رسول الله ﷺ أسس للإسلام دولة وكان هو حاكمها فعلا وكان يحكم بالإسلام كاملا، بأمر من الله واضح له ولأمته من بعده في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وخطاب النبي هنا هو خطاب للأمة حيث لم يرد دليل تخصيص، والأمر هنا لوجوب الحكم بما أنزل الله من أحكام ونهي عن اتباع قوانين البشر واعتبارها هوى وجاهلية، وهذه الآية توجب على الحاكم أن يحكم بالإسلام وبطريقة النبي ﷺ في الحكم كما توجب أن يكون حال المسلم بين واحدة من ثلاث؛ إما حاكما يحكُم بالإسلام أو محكوما بالإسلام أو عاملا لكي يَحكم أو يُحكم بالإسلام وإلا يأثم.

ولا بد أن ننوه هنا إلى أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم بغير الإسلام ولا في حكم واحد وإلا كان حاله بين واحدة من ثلاث؛ أقلها الفسق، غير أن حكام بلادنا فوق كونهم لا يحكمون بالإسلام فإنهم لم يصلوا للحكم ببيعة شرعية من الأمة ورئاستهم ليست عامة بل هي محددة بحدود سايكس بيكو التي وضعها الغرب، كما أنهم ليسوا غير عملاء له بدرجة ملوك ورؤساء دول.

وأقول للكاتب: إن مقالك، الواضح فيه التملق لرأس الانقلاب الدموي، السيسي، حامل لواء التغريب الذي يسمونه زورا “التجديد”، يكفي في الرد عليه التذكير أن المرحلة المدنية للدعوة إنما كانت وحيا وأمرا لرسول الله ﷺ ولم تكن (لإثبات الوجود) على ما زعم من يذكرنا بالمستشرقين في طريقة تناوله للسيرة النبوية العطرة؛ فرسول الله ﷺ قد حاول تغيير مجتمع مكة طوال 13 سنة، دعاهم فيها إلى الاستسلام للخالق، ونهاهم عن الشرك، كما نهاهم أيضا عن وأد البنات وعن تطفيف الكيل والميزان، وعن تحريم ما أحل الله واستحلال ما حرم سبحانه؛ تزامنا مع طلب النصرة من أهل القوة والمنعة حتى يبلغ رسالة ربه، فلما تجمد المجتمع أمام الإسلام (بعقيدته وشريعته)، هيأ الله لنبيه ذلك الحي من الأنصار، فآمنوا به ونصروه، وبايعوه على السمع والطاعة وعلى أن يقوموا بالحق، الذي هو الإسلام، لا يخافون لومة لائم، فأقام رسول الله بهم دولة الإسلام التي دان لها الفرس والروم، ودخلت مصر الكنانة على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت دولة الإسلام التي أقامها رسول الله ﷺ بيده تسود العالم لأكثر من 13 قرناً من الزمان، حتى هدمها الكافر المستعمر وقسم بلاد المسلمين لدويلات، ولم يرحل عنها إلا بعدما ترك في كل مزقة منها وسطا سياسيا علمانيا، يحكم الناس بشرائع الغرب، ليتقاسموا فيما بينهم مقدرات المسلمين، بعدما يؤدي العملاء للغرب الإتاوات التي تضمن لهم بقاءهم.

وكم كان مشركو العرب أصدق في بيان شركهم من دعاة طواغيت اليوم، فعلى الأقل في الجاهليّة كانوا يصنعون أصنامَهم بأنفسهم فإن جاعوا أكلوها، أمّا اليوم فيصنعون لنا أصناما، تحكي كذبا صولة فرعون وهامان وقارون، وما هي إلا بيادق بيد النظام الرأسمالي العالمي، يحركها أنّى وكيف شاء.

وأخيرا أقول للنمنم، إن كانت مقالتك هدية للسيسي، فأبشر لأنها ستفرحه؛ أما إن كانت هدية للمصريين، الذين وصفتهم بأنهم علمانيون بطبعهم في أحد لقاءاتك التلفزيونية، فاعلم أن أهل الكنانة هم جزء من الأمة ولن يرتضوا غير الإسلام دينا يعتنقون عقيدته وتحكمهم شريعته في يوم قريب، ولسان حالهم يقول كما قال النبي سليمان عليه السلام، ردا على هدية ملكة سبأ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.

فلتمضي يا أمة الإسلام نحو الخير العظيم الذي ارتضاه الله لكِ.

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ.

 

كتبه الأستاذ طاهر عبد الرحمن – حزب التحرير مصر