خبر وتعليق سياسي

مفاوضات عبثية قادها السيسي مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة؛ وماذا كانت النتيجة؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

إن وثيقة الخرطوم التي وقعتها مصر في اجتماع دول حوض النيل في 23 آذار/مارس 2015م، لم تضع إثيوبيا أمام أي التزامات، بل ويمكن تسميتها (وثيقة العار)، فكل الذي حصل أن ممثلي الحكومة المصرية وقعوا على إعادة تقسيم مياه النيل، وفتحوا لإثيوبيا جميع الأبواب لإقامة سد النهضة بموافقة مصرية ودون أي اعتراض على مواصفات السد، فبالتوقيع على تلك الوثيقة تم إلغاء كل الاتفاقيات السابقة بشأن تقسيم ماء النيل.

هذا الاتفاق جعل سد النهضة أمراً واقعاً، وأطلق يد إثيوبيا في استكماله، وكانت إثيوبيا قد أصرت على ألا يكون تقرير المكتب الاستشاري حول مشروع السد ونتائجه ملزماً، واكتفت بأن “يُحترم”! كذلك لم تنص الاتفاقية صراحة على حصص المياه للدول، واكتفت بألا تضارّ أي دولة، مما جعل إثيوبيا هي المسيطرة على مجريات الأمور وتلاعبت بالنظامين المصري والسوداني. لقد تمت الإشارة في الاتفاقية تلك إلى أن الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية، وهذا التعبير الأخير تعبير مطاط ينفتح على معانٍ متعددة، ومن خلاله تمت مفاجأة النظام المصري فيما بعد، فهو يعني أن السد لا يقتصر فقط على توليد الكهرباء، كما كانت إثيوبيا تزعم من قبل. وبرغم إدراك النظام ذلك فيما بعد، إلا أنه لم يكن على مستوى هذا الإدراك عندما قبل بهكذا اتفاقية.

وبعد فشل المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا استقر الأمر على الاحتكام إلى وسيط خارجي ممثَّل في أمريكا والبنك الدولي، وقد أسفرت المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، التي قادها وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين عن اتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث. لكن تلك المفاوضات سرعان ما وصلت إلى طريق مسدود بعد إعلان إثيوبيا رفضها الاتفاق الجديد وانسحابها من المحادثات، مدعية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تم تزويده بمعلومات غير دقيقة وغير ملائمة عن السد. وكان الاتفاق الذي صاغته الإدارة الأمريكية، بالشراكة مع البنك الدولي، تضمن تمرير إثيوبيا 37 مليار متر مكعب من المياه في حالة الجفاف، على ألا يقل انخفاضها عن 30 مليار متر مكعب. وبرغم أن النظام المصري قبِل أن يتنازل عن باقي حصته البالغة 55,5 مليار متر، إلا أن أديس أبابا قررت عدم إيفاد وفدها إلى العاصمة الأمريكية واشنطن لحضور جولة المفاوضات التي كان المتفق على عقدها في 27 و28 شباط/فبراير 2020م. لتعلن بكل وضوح أن هناك مسارا جديدا لإثيوبيا غير توليد الطاقة الكهربائية لتصديرها لأفريقيا، فقد أصبح المسار الجديد هو: لماذا لا نستخدم الطاقة في محطات رفع، تأخذ المياه من خزان السد إلى الهضبة في فترة الجفاف ونزرع ونبيع محصولاتنا؟ ما يعني ببساطة أن حصة مصر سيعاد تشكيلها من جديد وبشكل دائم وليس مؤقتاً لحين ملء الخزان. لو حدث ذلك فسيعني خصماً كبيراً ودائماً لمصر من حصتها المائية، يقترب من 30% من حصتها المائية.

لقد أخطأ نظام السيسي أخطاء قاتلة عدة، إن لم نعتبرها خيانة وتفريطاً في مقدرات الأمة، بداية من التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ والتي بموجبها تم منح إثيوبيا اعترافاً رسمياً بسد النهضة، وتنازلنا ضمنياً عن حق الفيتو بلا مقابل، أخطأ حين أسلم إدارة الملف للوساطة الدولية، التي لم تساعد النظام فعلياً بقدر ما منحت إثيوبيا الوقت الكافي للعمل على إتمام بناء السد.

يبدو أن حكام مصر والسودان كانوا في سُباتٍ عميق! فهذا المشروع قد سبق وصرحت به إثيوبيا، بل وبدأت بالتخطيط له منذ عام 1975م، ويؤكد ذلك تصريح مستشار الشؤون العسكرية اللواء يحيى مازن لجريدة المصريون في 2013/6/3م: (أن أثيوبيا فكرت في سد النهضة بعد استلام السادات للحكم وتحديداً في 1975م). وهو مشروع أمريكي قديم، فأمريكا اللاعب الأكبر في المنطقة تهدف من إطلاق يد كيان يهود صنع حرب مياهٍ في المنطقة، ومن ثم بعد تأزم الحرب تأتي هي لإدارة الأزمة كعادتها، فتبتز كل الأطراف لتحقيق مصالحها، وهذا هو الذي حصل. ويؤكد ذلك تصريح خبير المياه (د. أحمد مغاوري) حيث قال في 2010/10/03م: (واشنطن وتل أبيب تسعيان لجر مصر إلى مستنقع حرب لا ينتهي في منابع النيل، وكشف عن تحرك واشنطن مبكراً في إثيوبيا منذ الستينات)، وأمريكا كانت قد بدأت هذه التحركات قديماً وتحديداً منذ 1962م، حينما قدمت دراسات تفصيلية لإثيوبيا لإنشاء 33 سداً على مجرى النيل، وبعد ذلك بسنوات عرضت فكرة السدود على كينيا وأوغندا، فأمريكا تستخدم إثيوبيا كوكيل لها في أفريقيا كما استخدمتها في حربها بالوكالة ضد مسلمي الصومال. ولعلم أمريكا بسيل لعاب يهود تُجاه قضية المياه فقد أطلقت لهم العنان، وسمحت لهم باستخدام عميلها الإثيوبي ليكون رأس الحربة في حربها هذه، فهي تعلم أن مطامع يهود في مياه النيل قديمة، فقد تقدم يهود في بداية القرن العشرين بمشروع إلى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر لهذا الغرض، وأعلن أول رئيس وزراء لكيان يهود ديفيد بن غوريون عام 1955م: (إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير (إسرائيل)، وإذا لم ننجح في هذه المعركة فلن نبقى في فلسطين)، وفي عام 1974م قام مهندس يهودي إليشع كيلي بتصميم مشروع لجلب المياه لكيان يهود من مصر، ويتلخص المشروع في توسيع ترعة الإسماعيلية، حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها إلى 30 متراً مكعباً في الثانية، ونقل هذه المياه عن طريق سحارة تمر أسفل قناة السويس وصولاً لتل أبيب، ويسعى كيان يهود وفق هذه الخطة إلى الحصول على 8 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً. في كانون الأول/ديسمبر 1977م، عرض أنور السادات إمداد صحراء النقب بالماء عبر ترعة السلام التي سيقوم ببنائها عبر قناة السويس وسيناء، والذي شرع النظام في حفرها، وأطلقت مياه النيل عبرها إلى سيناء في 25 تشرين الأول/أكتوبر عام 1998م.

ومن هنا يمكننا فهم مشروع سرابيوم الذي تم افتتاح المرحلة الأولى منه في 2016/4/4م، لإنشاء 4 بيارات ضخمة لنقل مليون و400 ألف متر مكعب من المياه العذبة يوميا إلى سيناء.

إن الهدف المعلن الذي تم من أجله الترويج لمشروع سحارات سرابيوم كان خدمة المخطط القومي لتنمية سيناء، وهو ما يتعارض فعليا على أرض الواقع مع إخلاء مساحات شاسعة من سكان سيناء وتهجيرهم إلى أماكن أخرى كما حدث في رفح على سبيل المثال، بخلاف تجريف مساحات زراعية واسعة تحت مبرر الأسباب الأمنية لملاحقة العناصر (الإرهابية) هناك.

وهكذا بدأ كيان يهود في تجييش الحلفاء لاستخدامهم أداة لتحقيق مطامعه بعد أن أخذ الضوء الأخضر من أمريكا، وقد كشف المحلل السياسي الأمريكي مايكل كيلر عن اجتماع عقد في تل أبيب مع وزراء إثيوبيين هدفه (إقناعهم باستكمال السدود على النيل لحجز المياه وضبط حركة المياه تُجاه السودان مقابل وعد (إسرائيلي) لهم بمعونة مالية تفوق المائتي مليون دولار، بالإضافة لأسلحة ثقيلة وطائرات F16). [صحيفة راندي ديلي ميل 2007/05/20م]، وظهر أول تمرد حقيقي على اتفاقيات 1929م و1959م، التي توجب الرجوع لمصر والسودان قبل الشروع في بناء أي سد على مجرى النيل، حينما وقعت ثلاث دول بزعامة إثيوبيا (اتفاقية عنتيبي) في 14 أيار/مايو 2010م، متحدية بذلك مصر والسودان، ثم لحقت بهم بعد انفصالها دولة جنوب السودان، حيث صرح وزير خارجيتها: “إن دولته غير ملزمة بالاتفاقيات السابقة للمياه مع مصر والسودان” [رويترز 2011/12/11م].

ليس غريباً أن تكون بصمات كيان يهود في أزمة سد النهضة ظاهرة للعيان! لدرجة أن المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا: (حذرت من أن (إسرائيل) تشارك في بناء السد، وأن المتعاقد الأول شركة ساليني الإيطالية على علم تام بمشاركة (إسرائيل)، وتساهم في بنائه أيضاً شركة ألستوم الفرنسية المتورطة في العمليات الاستيطانية بالقدس، وقد اتصلت المنظمة بسفارة إثيوبيا لشراء السندات لتمويل السد، وتبيّن لها أنها متوفرة في (إسرائيل) فقط لأنها الشريك الأساسي)! حسب ما نشر في القدس العربي 2013/06/04م.

وهكذا استطاع كيان يهود أن يُطَوِّق بلاد المسلمين بحلفاء من دول المنبع وجيران المنبع، ليُحقق هدفين: الأول هو الحصول على مياه عذبة نقية بلا ثمن… والثاني هو فرض إرادته السياسية على مصر والسودان، باستخدام حكام مصر حماة لأمن يهود؛ في سيناء ورفح الحدود!

إن توقيع السيسي والمخلوع البشير على الاتفاقية الإطارية أو ما عرف باتفاقية المبادئ في الخرطوم هو جريمة لا تغتفر في حق أهل مصر والسودان وتفريط في حقوقهم المائية وتآمر جديد لنهب ثروات الأمة. خاصة أن الاتفاقية قد تناست الاتفاقات التاريخية، وأولها اتفاقية 1902م مع إثيوبيا، التي تعهدت فيها بعدم بناء سدود على النيل الأزرق أو نهر السوباط دون موافقة مصر والسودان.

ومما لا شك فيه أن السودان أيضا ليس بمنأى عن أضرار السد الفادحة التي سَتُصيبه رغم وفرة مياه الأمطار الغزيرة به وذلك بسبب تجاهل كل المسئولين السودانيين لمخاطر السد، فهم فقط يكررون أن السد سيجنب السودان ويلات الفيضانات، وكذلك يوفر الكهرباء للسودان بأسعار مناسبة، ولا يذكرون أية سلبية للسد. وهكذا هي طبيعة الخونة من الحكام الذين لا يعبأون بشيء سوى ما يبقيهم على كراسيهم.

إن الأدهى والأمر أن حكام مصر والسودان لا يتحركون بجدية وفعالية تجاه حدث جلل كهذا! فالسد سيحتجز 74 مليار متر مكعب، ما يفوق حصة مصر من المياه البالغة 55,5 مليار متر مكعب سنوياً! فإذا احتُجزت المياه كاملةً لملء مخزون السد فسيؤدي هذا إلى نقص طاقة السد العالي بنحو 25 إلى 40%، فينتج عنه ظلام دامس في محافظات الصعيد، وتصحر حوالي 5 ملايين فدان، وارتفاع الملوحة في الدلتا عند مصب النيل! وإذا ما رفضنا حينها إعطاء يهود ماء النيل، فبإمكانهم ابتزازنا عن طريق تحكمهم في مياه سد النهضة، أو حتى تدميره في حالة وقوع حرب معهم، مما يؤدي – حسب رأي الخبراء – لانهيار سدود السودان الثلاثة الروصيرص، ومروي، وسنار، وستختفي مدينة الخرطوم عن الوجود تماماً، كما ستندفع المياه بسرعة جنونية لتصل للسد العالي في أقل من 18 يوماً، علماً بأن متانة سد النهضة في تصميمه لا تزيد عن درجة واحد من تسع درجات ممكنة حسب قول الخبراء، ما يعني أنه بناء ضعيف مهترئ، وكأنه بني لينهار عند أقل ضربة أو هزة! ثم لقربه من الحدود السودانية فإن إثيوبيا لن تتأثر حال انهياره، بل القارعة كلها ستقع على السودان ومصر، فماذا ينتظر حكام البلدين؟! إنهم يرون المؤامرة رأي العين. فلا يحركون جيشاً ولا يطلقون صاروخاً!

إن الحاكم المخلص لشعبه يكون عيناً ساهرةً على رعاية شؤونهم، وإشباع حاجاتهم لا سيما الحاجات الأساسية، سواء للأفراد كل فرد بعينه (المأكل والمسكن والملبس)، أو للجماعة (التعليم والتطبيب والأمن) فكيف بالماء الذي هو من مقومات الحياة. أما ما يحدث في مصر فالأمر من مأتاه لا يُستغرب، فالحكومة المصرية تعمل جاهدةً لمصلحة كل من هبّ ودبّ إلا لمصلحة شعبها، بل وتنكل به إن لزم الأمر لترضى عنها أمريكا وطفلها المدلل كيان يهود، وها هو التآمر يصل مداه، إذ من المتوقع تدخّل كيان يهود للتوفيق بين الطرفين المصري والإثيوبي في مسألة السد، والثمن هو تمرير حصة معقولة من مياه النيل لمصر بشرط تمرير الكمية التي يريدها كيان يهود عبر ترعة السلام وسحارات سرابيوم.

إن بقاء كيان يهود وتجرُّأه علينا مرهون ببقاء هذه الأنظمة العلمانية العميلة في بلادنا، فهي أس البلاء، وهي تحمي كيان يهود فوق ما يحمي نفسه، وستبقى إرادتنا السياسية مرهونة بإرادة الكافر المستعمر ما بقيت هذه الأنظمة، لأنه يستغل ألعوبة الديمقراطية أداةً للتحكم فينا…

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها من ستقطع الأيدي الخبيثة التي تعبث في منابع النيل للإضرار بنا، وتضعها في أيدٍ أمينة، تنظم مجرى المياه لما فيه الخير لجميع البلدان من المنبع إلى المصب، فيشرب ويزرع جميع الرعية، بغض النظر عن ملتهم وديانتهم، ويغدق هذا النهر العظيم بخيره على الجميع، فهو يحمل من المياه ما يكفي لتصبح جميع بلاده جنات خضراء إذا ما استغلت مياهه بشكل صحيح، فيعم الخير الجميع، هذا هو خير الإسلام! وهذا هو خير الخلافة على منهاج النبوة، وما أروع الحل الإسلامي لهذه المشكلة: حيث روى مسلم أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير رضي الله عنه عند رسول الله  على مسيل ماء كانوا يسقون به النخل، وكانت أرض الأنصاري بعد أرض الزبير يصل إليها الماء تبعاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ»، أي اسق يا زبير سقياً يسيراً يكفي زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك، وهذا ما نقوله لإثيوبيا: اسقِ سقياً يسيراً يكفي زرعك، ثم أرسلي الماء إلى جيرانك ولا تمسكيه، فيعم الخير الجميع، هذا هو خير الإسلام! وهذا هو خير الخلافة الراشدة على منهاج النبوة!

كتبه حامد عبد العزيز