مقالات فكري

الخلافة ما بين فرث علماء السلطان ودم الحركات المشبوهة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه للبشرية، ونعمته التي أتمها على من آمن به حيث يقول في محكم تنزيله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]، فبالكمال والتَّمام والرضا كان رحمة للعالمين، يقول عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، كمال في تشريعاته وأحكامه وقوانينه، تمامٌ لنقصان البشرية، وتثقيف اعوجاجها وتخبطها في أهوائها، وهديها من تيه ضلالات عقولها القاصرة، ورضا للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، واختيارا منه لهذه الأمة لحمل الخير للبشرية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، لزاما وفرضا على أمة كهذه، أن تقود العالم لما فيه خيره في هذه الدنيا ونعيمه في الآخرة، تقوده بكمال التشريع الذي أنزل عليها وكلفت بتبليغه للعالمين، حيث ختمت بها الأمم وختم برسولها الرسل، فكلفت بتكاليف الرسالة كما الأنبياء والمرسلين «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» (صحيح البخاري)، فبين بذلك صلوات الله وسلامه عليه أن الخلفاء هم ورثة الأنبياء؛ لم يرثوهم في النبوة وإنما ورثوهم في إقامة الدين وتبليغ الرسالة، فإقامة الدين وتبليغ الرسالة لا يتم ولا يكون على الوجه الأكمل إلا بالخلافة، فالرسول قدوتنا وأسوتنا، حين تحجّر مجتمع مكة على دعوته ولم يقدّر الله له أن يقيم الدين فيها، بدأ يبحث عن مكان يستطيع أن يقيمه فيه، فكان من حظ الأوس والخزرج أن يكونوا أنصاره، وتكون المدينة هي نواة الدولة التي يشع نورها على العالم أجمع، وفي غضون عقد من الزمان استوت على سوقها وضمت جزيرة العرب في حضنها، وفي حجة الوداع حيث اكتمل الدين وتمت النعمة ورضي المولى بأن بلغ الرسول ما أنزل إليه وأشهد عليه الخلق في ذلك الجمع المهيب، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ودخل الناس في دين الله أفواجا وانقلب تاريخ البشرية وانطوت الصفحات السود التي كانت ترزح تحتها جزيرة العرب من عبادة الأوثان وقتل الأنفس بغير حق والعالم حولها ليس بأفضل منها، وطفق النور يسود ويسود حتى عم المشارق والمغارب وأمة الخير تخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعادة الدنيا والآخرة بفضل الله أولا ثم بجهود الخلفاء الذين كانوا خير خلف لخير سلف.

وسنة الله تجري بأن يضعف أهل الحق ويقوى أهل الباطل وتدور الأيام دولاً ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]، فتنطوي تلك الصفحات البيض وتداهم أمةَ الخير فتنٌ كقطع الليل المظلم، وتقع الواقعة كما كان يخشى رسول الله «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» أو كما قال ، يبرز علماء السوء، علماء السلطان، يحرفون الكلم عن مواضعه بلي أعناق النصوص لتوافق أهواء حكامهم تماشيا مع خبث أعداء الإسلام، لترويج أفكار تناقض أفكار الإسلام طمعا، بل سعيا حثيثا لمحوه، نعم هدمت الخلافة ونحي الإسلام عن واقع الحياة وسادت حضارة الغرب وأفكاره ومفاهيمه بلاد المسلمين، بخيانة ومعاونة الرويبضات الذين جثموا على صدر الأمة المكلومة بفعل العدو المستعمر، وإمعانا في تعميق الجرح في الأمة، بثوا مفاهيم القومية والوطنية فصار ولاء المسلم للوطنية أكبر من ولائه لعقيدته الإسلامية، كلٌّ في حظيرته السايكس بيكووية، ينتصر لعصبية ما هي إلا وهم زُيِّن لهم، لتفريق جمعهم وتشتيت شملهم، تاركين هدي نبيهم القائل لهم «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (صحيح مسلم)، فصار المسلم أجنبيا في بلده وينصر من جمعته به حظيرته ولو كان يهوديا على أخيه المسلم الذي لم تجمعه به حظيرة سايكس بيكو، وعلماء السلطان لم يألوا جهدا في جعل ذلك من الإيمان، إذ الوطنية عندهم من الإيمان! فتجد المسلم الذي لم يتشبع بأفكار الإسلام النقية، في حيرة، لم نحن متخلفون؟ لماذا الفقر والجهل متفش فينا؟ وبلادنا أغنى بلاد العالمين؟! وأسئلة كثيرة لا يجد لها جوابا.

فالجواب أخي المسلم حين قال الرسول «وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». خلفاء فيكثرون دلالة على امتداد الخلافة، ويجب أن تبقى ما بقيت الأمة، ليست لزمن بعينه تنقضي بانقضائه، كما يروج له علماء السلطان بأن الخلافة اجتهاد رجال صلحت لزمانهم ولنا أن نجتهد لنظام يصلح لزماننا، وكأنهم اجتهدوا فيما يدعون إليه، ولم يكونوا تبعا للغرب وحضارته الذي أورثهم الشقاء والضنك وسلبهم عز الآباء ومجدهم التليد، بل عزة الله ورسوله والمؤمنين ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء: 139]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، جدير بمن سلبه الله العزة أن يكون ذليلا… فما تأمرنا؟ دلالة على أن الأمر ليس اجتهادا بل هو توقيفي ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، ليس الأمر اجتهادا بل أحكام منصوص عليها وليس مع النص اجتهاد، بمعنى أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يجتهدوا في أمر الخلافة بل اتبعوا ما أمرهم به الرسول بدلالة «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ» وهذا بيان للطريقة، طريقة تنصيب الخليفة تكون بالبيعة بالتراضي بين المبايَع والمبايِع، لأن السلطان للأمة تنيب من ترضاه منها ليقيم فيها شرع ربها، «أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ»، أما وقد أعطته صفقة يدها وثمرة فؤادها فلتطعه في غير معصية، وإن جلد ظهرها وأكل مالها، «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ»، وهذا دليل آخر مع فوا ببيعة الأول فالأول، لا يجوز للمسلمين أن يكون لهم إمامان في زمن واحد مهما تباعدت أقطارهم، فلا تلقي بالا لدعاة دين الإنسانية الجديد بأن في الاتحاد مثل الاتحاد الاوروبي غنية عن الخلافة، فهي فرية ما أنزل الله بها من سلطان، فإن نظام الحكم في الإسلام؛ الخلافة، «فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» فهذه التي تستك لها الأرجل، هذه التي كانت تجعل أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول “يا ليت أم عمر لم تلد عمر” وهي التي تجعله يقول “لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها لم لم تمهد لها الطريق”… أترى أن قيادة كهذه وأميرا كهذا… أيغلق مساجد المسلمين ويمنع الجمع والجماعات لاحتمال إصابة فيروس لم يجهد نفسه في منعه عنهم إلا بغلق مساجدهم؟! والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، لا أظنه يقدم لمثل هذا إلا إذا لم تجد كل المعالجات وفي أضيق الحدود، ولكن رويبضات بلادي تبع للغرب، ما نهجه أسيادهم نهجوه، شبرا بشبر، والغريب! علماء الرويبضات أفتوا بغلق المساجد ومنع الجمع، وسكتوا عن نقل من أسموهم عالقين بالخارج وإدخالهم أوطانهم المزعومة، مع أن احتمال نقل المرض فيه أقوى من احتمال انتقال العدوى في المساجد، مع ما فيه من مخالفة صريحة للنص «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا» (صحيح البخاري)، ولكن كما ترى يفتون بما يراه الرويبضة…

إن الإمام في الإسلام جنة يتقى به ويقاتل من ورائه، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة؛ فها هو ذا الفاروق في عام الرمادة يخاطب معدته “قرقري أو لا تقرقري لن تذوقي طعاما حتى يشبع أطفال المسلمين”.

ما لنا من مخرج إلا أن ننفض غبار الرأسمالية وحضارة الغرب وأفكاره عن بلادنا وعن أفكارنا ونفضح خططه وعملاءه. ومن خبث المستعمر ومكره أنشأ حركات مشبوهة، تعيث فسادا في الأرض وسفكا لدماء المسلمين، حركات باسم الإسلام تشويها للخلافة لبسطاء المسلمين، وتبريرا لشعوبهم لخوض معارك ضد الإسلام باسم الإرهاب، فكم أعطت تلك الحركات فرصا للعدو للنيل من الأمة؟!

فالحق والحق أقول أخي المسلم إن الخلافة هي تاج الفروض وبها يقوم الدين، ألم تر أن وضع الرسول في المدينة غيره في مكة؟! ألم تر أن حال المسلمين في عهود الخلافة غيره في كرتونيات سايكس بيكو؟!

فالخلافة الخلافة يا قادات جيوش المسلمين أينما كنتم… فوالله ها هو العز في الدنيا والآخرة طارق أبوابكم، فهل منكم من سعدٍ لها؟ ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

كتبه أحمد التيجاني