مقالات سياسي فكري

أهل مصر في ظل الوباء؛ بين الرأسمالية والإسلام

في هذه الأيام وتحت جائحة كورونا يظهر جليا توحش الرأسمالية ونفعيتها، ليس في بلادنا التي اكتوت بنيرها فقط، بل وفي الغرب وكر الرأسمالية؛ فأمريكا تسرق شحنة من الأقنعة الطبية كانت موجهة للشرطة الألمانية، فضلا عن مزايدتها على دول أخرى في السوق العالمية لمنعها من شراء معدات الحماية من الفيروس. (صدى البلد)، والتشيك تستحوذ على مساعدات إيطاليا، وألمانيا تستولي على شحنة كمامات كانت متجهة إلى النمسا (يس عراق)، فيما سمي بحرب الكمامات المشتعلة بين دول الغرب التي تسطو على ما تصل إليه أيديها من مساعدات وشحنات متجهة لغيرها، في إظهار لروح الرأسمالية النفعية.

أما في بلادنا فالطامة أكبر؛ فإن كان الغرب رغم كل ما ينهبه من ثروات بلادنا عاجز عن رعاية شعوبه ويمتهن السطو ليوفر لهم ما يحتاجون لمواجهة الفيروس، فكيف يكون حال بلادنا حيث لا رعاية ولا بنية تتحمل مواجهة مثل هذه الأزمات والأوبئة، والأنظمة لا تعبأ بالشعوب ولا تخشى عليها بل تخشى انتفاضتها؟! فالشعوب الخائفة من القبضة الأمنية ومن طلقات الرصاص التي تحصد الأرواح ستجد نفسها مجبرة على الخروج للحفاظ على ما تبقى من أرواح. وممارسة مصر لسياسة مناعة القطيع التي تضحي فيها بالشعوب والجهاز الطبي معا، الأمر الذي جعل أهل مصر بين مطرقة الوباء وسندان النظام؛ فالدولة التي لم تكشف حتى الآن عن الحجم الحقيقي للكارثة تعتقل كل من يحاول أن يظهر للناس الحقيقة، وتصفه بالكاذب المروج للإشاعات والفتن، وهي نفسها الدولة التي أغلقت المساجد ومنعت الناس من صلاة الجمع بينما أجبرتهم على التزاحم في وسائل النقل خلال سعيهم على قوت عيالهم الذي لن توفره لهم الدولة التي أجبرت لاحقا من أدخلتهم الحجر الصحي على دفع تكلفة إقامتهم ورعايتهم وفحصهم وتطبيبهم خلال فترة الحجر في فنادق الدولة بحسب ما نشرته الجزيرة! وما قاله مجدي شندي الصحفي المصري خلال لقائه على الجزيرة إن تكلفة الليلة 50 دولاراً، الأمر الذي أغضب الناس بشدة حتى اضطر النظام إلى إعلان تحمل نفقات الحجر الصحي لصندوق تحيا مصر، وكأن الدولة وميزانيتها لا يصح أن تنفق على رعاية الناس حتى ينفق عليهم من التبرعات، وإن كان هذا هو دأب النظام حيث يعمد إلى إجبار الناس على التبرع لصندوق الخدمات المسمى تحيا مصر بينما ميزانية الدولة موقوفة لخدمة القروض ورِباها، وثروات الدولة وخيراتها كلها تحت يد الغرب وشركاته الرأسمالية ينهب فيها كيف يشاء!

يا أهل مصر الكنانة! إن هذا النظام القاتل الذي يحكمكم لم يتورع عن قتلكم بدم بارد في رابعة والنهضة وسيناء وغيرها ولا زال، ولعله وجد في هذا الفيروس ضالته التي تقتل منكم من لم تصله رصاصاته من معارضيه وحتى منافسيه، فهو يقتلكم بالامتناع عن رعايتكم على الوجه الصحيح أو إهمال تلك الرعاية، وعدم إيصالها للجميع دون تحمل تبعاتها ونفقاتها التي أوصلت الناس للامتناع عن الفحص لغلاء ثمنه الذي وصلت قيمته لـ1000 جنيه مصري بحسب ما نشرته اليوم السابع، ثم يحملكم أنتم مسؤولية فشله في رعايتكم بعدم التزامكم بقراراته على حد زعمه، بينما يضعكم هو في الواجهة! ومن جهة أخرى فالدولة الرأسمالية لا تستطيع تحمل نفقات وتبعات تلك الجائحة التي لو استمرت ستكون وبالاً عليهم وستُسقط وحدها عروش أباطرة المال والأعمال من مصاصي دماء الشعوب.

أيها العقلاء في أرض الكنانة شعبا وجيشا وقادة ونخبا ومؤثرين! إن سبيل الخلاص الوحيد لمصر وأهلها وللعالم كله هو في نظام يرعى الناس رعاية صحيحة تضمن توزيع الثروة عليهم لا نهبها منهم كما تفعل الرأسمالية، في نظام يكفل لهم العلاج والدواء والرعاية الصحية بالمجان ودون تأمين ودون جنسية ويدفع لمن يحتاج فترة نقاهة بالبيت ما يكفيه هذه الفترة، هذا ما كانت تقدمه مستشفيات قرطبة عندما كانت للمسلمين دولة، وهذا ما يوجبه الشرع على الدولة ويلزم به الخليفة وخاصة في حال الأوبئة والأزمات، فالأزمة تحتاج إلى راع يخشى الله في الناس ويعمل فيهم لنيل رضاه ويرعى صغيرهم قبل كبيرهم وفقيرهم قبل غنيهم وضعيفهم قبل قويهم، ولله در عمر الذي قال لمن خرجوا للجهاد تاركين أبناءهم “أنا أبو العيال” كناية عن رعاية الناس وإطعامهم في الرخاء قبل الأزمة، فكان خير راع لرعيته يرعاها بالإسلام وأحكامه وشرعه، وهذا ما ندعوكم إليه في حزب التحرير؛ دولة كدولة عمر لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم ولا غني وفقير، دولة ترعى الناس جميعا وتضمن لهم حقوقهم كاملة بغض النظر عن الدين أو اللون أو العرق أو الطائفة؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

أيها العقلاء! إن الأنظمة اليوم في بلادنا في ورطة حقيقية لا تصلح معها آلتهم القمعية، وطريق الخلاص قريب لا ينقصه إلا احتضان الفكرة القادرة على النهوض بمصر والأمة والتصدي بها لكل الأزمات وعلى رأسها هذا الوباء، الفكرة التي يحملها لكم وفيكم حزب التحرير ويملك الجاهزية لتطبيقها فورا بالشكل الذي يضمن حقوق الناس وكفالتهم ورعايتهم ويضمن رضا الله عنا جميعا، فاغتنموا الفرصة التي أعادها الله لكم بعد التفاف أمريكا وأدواتها على ثورتكم في ثورة 25 يناير وسرقتها وسرقة طموحكم في العيش في ظل الإسلام.

أيها المخلصون في جيش الكنانة! إننا نخاطب عقولكم الآن في ظل هذه الأزمة وفشل تعاطي الأنظمة الرأسمالية في العالم كله معها رغم الإمكانيات الهائلة التي تملكها، ما أدى إلى تفاقمها حتى صار كورونا وباءً عالميا ينذر بكارثة عالمية ستغير وجه الأرض حتما وهو ما توقعه هنري كيسنجر (“كورونا” ستغير النظام العالمي إلى الأبد) (قناة الجسر). نعم فهي فرصة عظيمة أمام الأمة المكبلة لعقود خلت حتى تنعتق من ربقة التبعية، وقد شغل الله الغرب بنفسه وربما ينشغل عن عملائه من حكام بلادنا، الأمر الذي يضعكم أمام تبعة عظيمة فنصرة الأمة منوطة بكم فلا تخذلوا من تتعلق بكم أبصارهم تنتظر نصرتكم وتتطلع للخير الكامن في نفوسكم، فأروا الله من أنفسكم ما يحب قبل يوم لا ينفع فيه الندم، فلعل الله يكتب النصر على أيديكم فيكون خير مصر والأمة بل والناس أجمعين ويكون خلاصهم بكم من الرأسمالية وتوحشها وتكون الخلافة التي يعم خيرها الشجر والحجر قبل البشر حقا وصدقا ويقينا ويكون هذا كله في ميزان أعمالكم أمام الله يوم القيامة… فيا فوز من أقام ويا فوز الأنصار، اللهم اجعله قريبا واجعلنا من جنوده وشهوده.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

بقلم: الأستاذ سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر