مقالات سياسي

تهديد ترامب برفع الحماية عن نظام آل سعود، يقابله صمت سعودي

بسم الله الرحمن الرحيم

لا زال ترامب يكرر إهاناته لنظام آل سعود، ففي كتابه “أمريكا العرجاء” الذي نشر لأول مرة في عام 2015م، قال: (انظروا إلى السعودية، إنها أكبر ممول للإرهاب في العالم. السعودية تستخدم البترودولارات – أموالنا الخاصة جدا – لتمويل الإرهابيين الذين يسعون إلى تدمير شعبنا، بينما يعتمد السعوديون علينا لحمايتهم). وفي 16 آب/أغسطس 2015م، في مقابلة مع قناة NBC، قال (إن السعودية دولة ثرية وعليها أن تدفع المال لأمريكا لقاء ما تحصل عليه منها سياسياً وأمنياً)، وفي 26 أيلول/سبتمبر 2016م، في المناظرة الانتخابية الأمريكية الأولى، قال: (هل تتخيلون أننا ندافع عن السعودية؟ بكل الأموال التي لديها، نحن ندافع عنها، وهم لا يدفعون لنا شيئاً!). وفي 27 نيسان/أبريل 2017م، في مقابلة مع وكالة أنباء رويترز، قال: (بصراحة السعودية لم تعاملنا بعدالة، لأننا نخسر كماً هائلاً من المال للدفاع عن السعودية). وفي 24 نيسان/أبريل 2018م، خلال مؤتمر صحفي جمعه بنظيره الفرنسي، قال (دفعنا 7 تريليونات دولار خلال 18 عاما في الشرق الأوسط وعلى الدول الثرية دفع مقابل ذلك، هناك دول لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا، عليهم دفع ثمن لذلك).

وكانت الرياض قد احتضنت يوم 20 أيار/مايو 2017م، قمة بين ترامب والملك سلمان، وخلال هذه القمة السعودية الأمريكية وقع سلمان وترامب عدة اتفاقيات تعاون عسكري ودفاعي وتجاري بقيمة 460 مليار دولار.

وأخيرا نقلت وكالة رويترز في 1 أيار/مايو 2020م، عن أربعة مصادر تأكيدها أن ترامب قال لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مكالمة هاتفية في الثاني من نيسان/أبريل الماضي، إنه إذا لم تبدأ أوبك بخفض إنتاج النفط، فلن يكون بوسعه منع أعضاء مجلس الشيوخ من سن تشريع لسحب القوات الأمريكية من المملكة. وكان هذا التهديد محورياً في حملة الضغط الأمريكية التي أدت إلى اتفاق عالمي تاريخي لخفض إمدادات النفط في وقت انهار فيه الطلب بفعل جائحة كورونا، وسجلت نصراً دبلوماسياً للبيت الأبيض. وقال مصدر أمريكي أطلعه مسؤولون كبار في الإدارة على ما دار من حوار إن ولي العهد بوغت بالتهديد حتى إنه أمر مساعديه بالخروج من الغرفة لكي يتمكن من مواصلة الحوار سراً.

ولخص المسؤول فحوى الحجة الأمريكية التي تم نقلها عبر قنوات دبلوماسية مختلفة بأنها رسالة للقادة السعوديين مفادها: (نحن ندافع عن صناعتكم بينما تدمرون أنتم صناعتنا). وبعد المكالمة مع ولي العهد السعودي ومكالمة أخرى في اليوم نفسه مع بوتين أطلق ترامب تغريدة، قال فيها إنه يتوقع أن تخفض السعودية وروسيا الإنتاج بنحو عشرة ملايين برميل في اليوم.

إذاً فإن ما صرح به الرئيس الأمريكي ترامب أثناء وبعد الحملة الانتخابية والتي شكلت جملة من الإهانات والاستضعاف للدول الخليجية، يبين بشكل واضح إلى أي مدى وصلت العنجهية الأمريكية، في مقابل انبطاح من النظام السعودي الذي لا يهمه شيء سوى الحفاظ على كرسي الحكم.

نعم ما صرح به ترامب من أن على هذه الدول أن تدفع لأمريكا وأنها، أي الدول الخليجية، ما كان لها أن تبقى لولا الحماية الأمريكية، شكل سابقة غير مسبوقة في الاستهتار والانتقاص من سيادة الدول واستخدام أساليب ومصطلحات تعوزها أدنى درجات اللياقة السياسية دون أن يجد ردا أو دفاعا من هذه الدول! لقد سخر ترامب من سيادة دول الخليج ولمح إلى أن أموالها منهوبة وسيادتها منقوصة، وهو وإن كان صادقاً وهو كذوب، إلا أن وقاحة هذه التصريحات تكشف عن عقليته التجارية ومدى استخفافه بهؤلاء النواطير.

إن انبطاح وتبعية نظام آل سعود ليست بنت اليوم، بل تعود إلى العام 1945م، عندما التقى الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود على متن الطراد الأمريكي كوينسي. حيث توصل الاثنان إلى اتفاق مؤداه الحماية العسكرية الأمريكية مقابل الاستفادة من احتياطيات النفط السعودية. واليوم تنشر أمريكا حوالي ثلاثة آلاف جندي في المملكة للحماية، كما أن الأسطول الخامس الأمريكي يحمي صادرات النفط من المنطقة.

وتعتمد السعودية على أمريكا في الحصول على السلاح والحماية من الخصوم الإقليميين مثل إيران، ومن أي حراك شعبي قد يهدد نظاماً وظيفياً عميلاً يحقق مصالح الغرب في المنطقة ويمنع نهوض الأمة من جديد، لتقف في وجه الهيمنة الأمريكية على مقدرات الأمة.

غير أن تلك الحماية لم ولن تنفع حكام آل سعود، وقد انكشفت نقاط الضعف في المملكة في أواخر العام الماضي في هجوم شنته 18 طائرة مسيرة وثلاثة صواريخ على منشآت سعودية رئيسية. فلم يستطع النظام السعودي كشف الهجمات قبل وقوعها ولا منعها حال حدوثها. ولقد تبين للناس فشل محمد بن سلمان في إدارة الأزمة، وفشل رؤيته 2030، وها هو يفشل مرة أخرى في حربه النفطية الأخيرة، فبعد أن أغرق العالم في حرب أسعار نفطية ها هو يتراجع ناكصا على عقبيه، ولم تكن المصادفة وحدها وراء اقترانها بقرار التحالف السعودي-الإماراتي وقف إطلاق النار من جانب واحد في اليمن.

في الوقت الحاليّ يبدو أن السعودية تشعر بالراحة تحت حماية إدارة ترامب، ومن الواضح أن أمريكا مستمرة في مواصلة نقل السلاح لنظام آل سعود حتى بعد جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية في إسطنبول، وأما تهديدات ترامب بسحب حمايته لهم فهي مجرد زوبعة في فنجان، فكما أن النظام السعودي بحاجة للحماية، فإن ترامب في حاجة لابتزاز آل سعود واستمرار حكمهم لأجل غير معلوم.

لقد كان الشغل الشاغل لحكام آل سعود هو إخفاء انحيازهم الكامل للغرب، وهذا ما لم يستطيعوه، ففي آب/أغسطس 1990م، أماط القادة السعوديون اللثام كله عن الدور الذي يضطلعون به في خدمة الغرب، فقد أمدوا أمريكا بالذريعة المطلوبة لاحتلال الخليج احتلالاً شاملاً، حين دعوها (للدفاع) عنهم. في الحقيقة، إن ما يخشاه حكام آل سعود هو أن نظامهم لا جذور شعبية له ولا قاعدة سياسية، وهو لم يكن ليستمر حتى الآن لولا الحماية الإنجليزية أولاً، والحماية الأمريكية اليوم. فتصريحات ترامب الرعناء تجاه النظام السعودي، إنما تؤكد دوره كخادم لوكالة المخابرات المركزية وللولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

إن تصريحات ترامب هذه تكشف عن المستوى الهابط الذي وصل إليه المبدأ الرأسمالي الغربي بقيادة أمريكا-ترامب، التي تنصب نفسها حاميةً وحاملةً لهذا المبدأ. كما تكشف عن حالة من الاحتقان لدى الدول الرأسمالية الكبرى آخذةً بالتوقُّدِ نتيجة لسياسات ترامب المتحللة من قيم المبدأ نفسه والأعراف الدولية التي توافقت عليها هذه الدول من قبل. وفي ذلك نذيرٌ بقرب سقوط الرأسمالية، وبشير بدُنوِّ ظهورِ الإسلام ودولته إن شاء الله.

وإنه لا جرم أن سياسة سلمان وابنه الأخيرة والمدعومة أمريكياً تفتقد إلى فن المناورة والدهاء الدبلوماسي، ويغلب عليها الاستعجال في قطف الثمر، والاندفاع المهووس الذي ينسجم تماماً مع شخصيتي ترامب وابن سلمان على حد سواء. فالأول رجل احترف في مجال المال والأعمال؛ حيث عَقدُ الصفقات وإبرامُ المضاربات المالية الوهمية في البورصات. فقد نشأ نشأة اقتصادية بحتة؛ حيث كان أبوه تاجر عقارات، ثم تخرج ترامب من كلية وارلتون بجامعة بنسلفانيا الأمريكية. وأما ابن سلمان فهو شاب يافع لا خبرة له في مجال السياسة ودسائسها.

هكذا تكون مملكة آل سعود الضرار قد اتخذت من بلاد الحرمين الشريفين وكراً لتنفيذ سياسات أمريكا القذرة في المنطقة، وهي تستخدم أموال الأمة لتحقيق أهداف ومصالح أمريكا في العالم، وتضحي بما أودعه الله من خيرات في أراضيها لتنفيذ اللعبة الأمريكية في العالم.

هذا مكر أمريكا، وهذا غدر عملائها بالمسلمين، ولكن مكرهم وغدرهم سوف يبور بإذن الله.

﴿وَالَّذينَ يَمْكُرونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ؛ وَمَكْرُ أولَئِكَ هُوَ يَبورُ﴾ [فاطر:10]

كتبه حامد عبد العزيز