مقالات فكري

في زمن سقوط الأقنعة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن الآن في زمن سقوط الأقنعة؛ ولعل ما أصاب العالم من وباء كورونا، وما سببه من انكشاف عوار النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم اليوم، هو ما عجل في سقوط تلك الأقنعة. فما يعيشه العالم اليوم في ظل انتشار وباء كورونا وفشل نظام الرعاية الصحية في أغلب دول العالم، أبرز الحديث عن ضرورة البحث الحثيث عن بديل للنظام الرأسمالي الحاكم اليوم.

لقد سقط القناع عن كل الأفكار العفنة التي تولدت بعد سقوط دولة الخلافة، والتي كان للغرب دورٌ كبير في نشرها بين أبناء المسلمين، كأفكار الديمقراطية والحريات والوطنية والقومية. فمن قبل كانت أمريكا قد أعلنت حرباً صليبية على المسلمين جميعاً، بدأت بأفغانستان ثم من بعدها العراق، ثم ما لبثت أن أعلنت أمريكا حربا عالمية ضد الإرهاب، وما هي إلا حرب على الإسلام وأفكاره ومفاهيمه وأنظمته، وحرب على حملة الدعوة والعاملين على إعادة الإسلام إلى الحكم من خلال إقامة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية. وقد أدرك المسلمون شراسة هذه الحرب وأن دول الكفر جميعاً قد رمتهم عن قوس واحدة، وأعلنت العداء للمسلمين الذين وصمتهم بالإرهاب، وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.

سقط قناع الديمقراطية وانكشف زيفها وهشاشتها، فقد داس عليها السيسي بانقلابه العسكري وتلقى دعما لا نظير له من دول الغرب التي ترفع شعار الديمقراطية الزائف هذا، كما دعمت دول الغرب الديمقراطية نظام بشار أسد المجرم، وهو نظام ديكتاتوري رفض ثورة شعبية عليه، كان الأولى بدول الغرب التي تدعي دعمها للديمقراطية والحرية أن تقف مع الشعب الثائر ضد نظام ديكتاتوري مجرم، ولكنها لم تفعل وإن ادعت غير ذلك. لقد انهارت ديمقراطية المنظومة الغربية السياسية الزائفة تباعاً. فبعد مشاهد غوانتانامو وأبو غريب والمعتقلات الأمريكية الشريرة، والتمييز العنصري، إضافة إلى حرب الحجاب بلا هوادة في فرنسا وفي غيرها من البلاد الأوروبية، وملاحقة وطرد وحظر كل من يمارس العمل السياسي الفكري على أساس الإسلام دون اللجوء للعنف، كما هو شأن ألمانيا والدنمارك وأستراليا وبريطانيا مع حزب التحرير… فبعد كل ذلك وغيره، نستطيع أن نقول إن أفول نجم الديمقراطية بات أمراً حتمياً ومسألة وقت لا أكثر، وإن البشرية أمام تحول قادم لا محالة، بخاصة مع تصاعد درجة الظلم الذي تمارسه الدول الكبرى وأذنابها في العالم بشكل مقزز وعلى مرأى ومسمع الجميع باسم تعزيز الديمقراطية ونشرها ومحاربة (الإرهاب).

سقط القناع عن تلك الأنظمة القائمة في العالم… تلك الأنظمة التي لم يهتز لها جفن وهي ترى دماء أبناء أمتها تهرق في أفغانستان والعراق وفلسطين وسوريا واليمن. لقد انكشفت وضاعة هؤلاء الحكام وخيانتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، بعد أن تلطخت أيديهم بدماء أبناء الأمة الذين رفعوا الصوت عاليا لإسقاط تلك الأنظمة العميلة التي نصبها الغرب الكافر على رقاب المسلمين. لقد بات واضحاً أن هؤلاء الحكام الرويبضات المتربعين على كراسي السلطة لا يمكن أن يشعروا بالخزي والندامة والعار لما ألحقوا بأمتهم من ذل وهوان وأنهم يمكن أن يفعلوا أي شيء في سبيل احتفاظهم بكراسيهم.

كما سقط قناع حاولت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين أن تجعله واقعا لا يمكن الفكاك منه، وهو أن تلك الأنظمة العميلة قدر مسلَّم به، لا يمكن الخروج عليها وإسقاطها، وأن الأمة قد استسلمت لقدرها هذا ورضيت العيش في ظل هكذا أنظمة، وأن الأمة قد ماتت والسلام وقد تودع منها، فإذا بالأمة تثور في وجه تلك الأنظمة، ولا تحسب للعواقب أي حساب، فلا الخوف من بطش الأنظمة يلجمها، ولا البراميل المتفجرة ترعبها، ولا التنكيل بحملة الدعوة يثنيها عن الوقوف وبقوة في وجه تلك الأنظمة التي أدركت الأمة خيانتها لله ولرسوله وللمؤمنين. لقد تعرّت تلك الأنظمة وبان عوارها وانكشف زيفها وعمالتها لأعداء الأمة الذين يريدونها أمة ميتة لا روح فيها ولا حركة.

نعم لقد أثبتت الثورات التي هبت جوّالة في بلاد المسلمين، حيوية تلك الأمة وقدرتها على الحركة، وحبها للإسلام ورغبتها الجامحة في العودة للعيش في ظل عدله وأمنه، وعاد لفكرة الخلافة بريقها ورونقها برغم محاولات التشويه التي قام بها أعداء الأمة والخلافة من دول الغرب وأذبابهم في بلاد المسلمين.

سقط القناع عن بعض الحركات الإسلامية التي قضت سنوات طويلة في بناء المستشفيات والمدارس والمساجد على اعتبار أنها خطوات في طريق نهضة الأمة دون أن يركزوا جهودهم، بالإضافة إلى ذلك، في العمل لإقامة الدولة التي تحمي هذه المدارس والمساجد والمستشفيات، تلك الحركات التي رفعت شعار الإسلام الوسطي أو المعتدل، والتي أرادت من خلاله التقرب إلى الغرب عله يرضى عنها ويدعمها، فإذا بها تتلقى ضربات كادت أن تعصف بها، ولم يشفع لها تنازلها عن الكثير من ثوابت الإسلام، ولا انبطاحها أمام أفكار الغرب الفاسدة كالديمقراطية والحريات وغيرهما.

سقط القناع عن أولئك المشايخ الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم… وحاولوا إرضاء أمريكا التي لا يمكن أن ترضى عنهم. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، وأغضبوا رب العالمين الذي خلقهم، وأنعم عليهم بنعمة الإسلام وحمّلهم أمانة عظيمة، أن يقولوا كلمة الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم… وجعلهم ورثة الأنبياء، إلاّ أنهم أبوْا أن ينالوا هذه المكانة العظيمة التي أرادها الله لهم فكانوا كأحبار بني إسرائيل (كالحمار يحمل أسفاراً)… انكشف القناع عن أولئك المشايخ – علماء السلاطين – الذين أفتوْا بجواز أن يقتل المسلم الأمريكي أخاه المسلم الأفغاني أو العربي استناداً إلى أدلة ما أنزل الله بها من سلطان، والذين انحازوا لحكام يحكمون بغير ما أنزل الله، ضد أمتهم التي ثارت عليهم لخلعهم، بل أجازوا لهؤلاء الحكام قتل أبناء الأمة بدم بارد بعد أن جعلوا من هؤلاء الحكام ولاة أمر شرعيين، ومن أبناء الأمة الثائرين خوارج يجب قتلهم دون أن يرف لهم جفن.

سقط القناع عما أسموه، تضليلاً، عملية السلام، وإذا بنا نرى جميعاً بأم أعيننا السلام في عرف يهود وأمريكا هو الاستسلام والخضوع للهيمنة الأمريكية بعين راضية، والتنازل عن كل المقدسات، والقبول بصفقة ترامب التي أعلنها لإنهاء القضية الفلسطينية، فالأمة اليوم لا تنتظر من حكام المسلمين عربا وعجما حراكا، فقد أدركت الأمة أن هؤلاء الحكام ما هم إلا خدم وعملاء ينفذون ما يملى عليهم من أسيادهم في الغرب الكافر المستعمر ظنا منهم أن هذا سيحفظ لهم عروشهم المهترئة. نعم إن الأمة قد نفضت أيديها من هؤلاء الحكام الذين ما أورثوها إلا ذلا وخنوعا، وإنها تعول على المخلصين من أبنائها في القوات المسلحة الذين لا يرضون بالذل والهوان، وهم يرون كيف أن النظام قد فرط بمقدرات الأمة وأسلم الأمة إلى أعدائها يسومونها سوء العذاب. سقط القناع وانكشف كل هؤلاء المهرولين الذين يسيرون في ركاب أمريكا باعتبارها (الراعي الرسمي) لعملية السلام. ذلك الراعي (النزيه!)، الذي يرى في الدفاع عن كرامة الأمة، والعمل على تحرير الأرض من هؤلاء المغتصبين عملاً إرهابياً، وها هي أمريكا تصنف من تريد في قائمة ما تسميه بالإرهاب. فتجمد الأموال وتعتقل وتقتل وتطالب عملاءها في بلاد المسلمين بمثل ذلك، متناسية ما كانت تتشدق به من أقوال فارغة عن حقوق الإنسان. تطالب الآخرين بالأدلة ولكنها هي لا تقيم وزناً لمن يطالبها بالأدلة، فقد شنت أمريكا حربا ضروسا ضد المسلمين في أفغانستان والعراق دون أن تقدم أدلة في أفغانستان، أو بتزييف الأدلة في حربها ضد العراق.

مطلوب اليوم من المسلمين ألاّ ييأسوا مما يحدث برغم بشاعته فهو بشير خير لهذه الأمة العظيمة. وهذه الحملة الأمريكية على الإسلام والمسلمين هي دليل واضح على أن الإسلام هو الخطر الحقيقي على حضارة الغرب، وإننا رغم إمكانياتنا الضعيفة قادرون على أن نكون نداً لأمريكا والغرب الكافر. والأمة قادرة بإذن الله – فهو معينها وناصرها – أن تقيم الخلافة التي تطبق الإسلام في الداخل والتي ستحمله إلى الخارج رسالة عالمية فيها الخير لكل البشرية التي اصطلت بنار الرأسمالية العفنة التي هي اليوم أقرب إلى الأفول والانهيار.

كتبه حامد عبد العزيز