مقالات فكري

كتائب إلكترونية لتزييف الوعي

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تلقي نظرة على تعليقات بعض الناس على مقالة أو خبر وتعليق منشور على صفحات الفيسبوك، وكانت هذه المقالة أو التعليق يتعلق بشأن مصري يفضح فيه الكاتب نظام السيسي ويعريه، تشعر وكأن الكثير ممن يعلقون قد شربوا من المستنقع نفسه، فالسب والشتم وعدم النقاش الجدي لمحتوى المقال أو الخبر هو ما يميزهم أو لنقل هو ما يفضحهم، فلا عقل ولا منطق ولا حوار، وما هي إلا كمية من القاذورات تنفجر في وجهك. فمنهم من يعلق قائلا (إذا لم يعجبك ما ترى فاترك البلد وارحل… لماذا أنت قاعد فيها؟…)، كأن البلد بلدهم، والجنة جنتهم، فمن أراد دخولها أو البقاء فيها فعليه أن يسبّح بحمد الحاكم صباح مساء، وأن يكون أعمى لا يرى إلا ما يراه النظام، ولا يسمع إلا ما يريده النظام، ولا يتكلم أو يكتب إلا ما يرضى عنه النظام! تماما كما كان حال فرعون كما أخبر عنه الحق سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، أي قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما أريكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدّل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد. أو كما كان جواب قوم لُوط للوط، إذ وبَّخهم على فعلهم القبيح، وركوبهم ما حرم الله عليهم من العمل الخبيث، إلا أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وأهله ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]، ألا ترى أن هؤلاء وقعوا فيما اتهموا به غيرهم، وكأن بيدهم مفاتيح الجنة يدخلون فيها من يشاؤون ويخرجون منها من يشاؤون؟! ولكن مقياسهم هنا ليس الإيمان والكفر بل الوطنية الفاسدة، وهي اليوم قد تجاوزت حب الوطن المزعوم، إلى حب الزعيم والولاء له والبراء ممن لا يحبه أو ينتقد سياسته.

وإن كنت أعلم أن أغلب هذه التعليقات تتم من خلال الكتائب الإلكترونية أو ما يطلق عليه الذباب الإلكتروني تهدف لتزييف وعي الناس، فالبعض قد يتأثر وينساق وراء تلك التعليقات نظرا لضعف ثقافته وضيق أفقه. وهذا ما يسعى خلفه من هم وراء تلك الكتائب الإلكترونية، لأنهم يدركون جيدا أن الصراع على الأمة، فمن سيكسب الناس لفكرته هو من سيربح المعركة. والنظام يحاول تطويق الناس من كل الجهات حتى يشوه كل من يعمل للإسلام ونصرته، فبعد أن سيطر بشكل كامل على الصحف المحلية ومحطات الإذاعة والتلفاز بعد أن صنع ما يسميه السيسي أذرعا إعلامية، لم يبق أمامه سوى السيطرة على الإنترنت ومنصات التواصل.

ولذلك انتقل النظام للسيطرة على الإنترنت حتى يحكم قبضته، وقد استطاع نظام السيسي أن يقوم بحظر أكثر من 400 موقع إلكتروني ليمنع وصول الخبر أو الرأي الذي يهدد كيانه، وها هو اليوم يسعى لجعل الدخول للفيسبوك من خلال بطاقة الرقم القومي ليقول لأصحاب الحسابات انتبهوا نحن نعرفكم ونراقبكم، ولم يبق له إلا إطلاق كلابه ولجانه الإلكترونية للهجوم على ما أفلت منهم وتم نشره، من خلال تعليقاتهم السخيفة المنحطة على كل فكرة تطرح لا توافق هواهم. فإذا بينت للناس كيف فرط النظام في حقوق مصر المائية في نهر النيل، قالت لجانهم إن زعيمهم يدير ملف سد النهضة بحنكة وسياسة، فإذا أسقط في أيديهم وتبين للناس أن إثيوبيا ستبدأ في ملء بحيرة السد الشهر القادم دون اتفاق، أعادتك لجانهم الإلكترونية وأشياعهم للقول بأن ثورة يناير هي السبب لأن إثيوبيا بدأت بناء السد في 2011م. وقس على ذلك؛ فالنظام لم يفرط في تيران وصنافير بل أعادها لأصحابها، ولم يتنازل عن عدة كيلومترات من مياهه الاقتصادية فقد قام بترسيم الحدود لصالح البلد، ولم تكن تفريعة قناة السويس مشروعا دعائيا، ولم يتم تعويم الجنيه ليفقد الناس قيمة أموالهم، ولم يقصر النظام أبدا في الرعاية الصحية، ولا في التعامل مع جائحة كورونا، ولا مشاكل في الحجر الصحي، أي كل شيء على ما يرام، والدنيا بألف خير ومن يقول غير ذلك فهو خائن وعميل ويجب أن يطرد من جنة السيسي!! ما لكم كيف تحكمون؟!

نحن ندرك أن أكثر ما يخيف الأنظمة الإجرامية في بلادنا هو كلمة الحق التي تعريهم وتفضح مخططاتهم أمام شعوبهم، وندرك أنهم سيفشلون، فقد انكشفوا أمام شعوبهم وسقط القناع عنهم، وأدركت الأمة كونهم مجرد أدوات في يد أعدائها لنهب ثرواتها ومنعها من النهوض مرة ثانية لتتبوأ مكانتها بين الشعوب والأمم. ولذلك نحن هنا في هذه المقالة نحاول أن ننزع اليأس من نفوس طيبة تعمل في الأمة ومعها لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة قد تتأثر بمثل هذه التعليقات، فيتسرب اليأس إلى قلبها من الناس، فتظن أن هذه الأمة قد تودع منها، وأنها أسلمت أمرها لعدوها، فلا ترى إلا ما يراه ولا تقول إلا ما يقول. ولذلك نحن نقول إن الأمة بخير وإن مثل تلك التعليقات لا تعبر عن التيار الجارف في الأمة، بل تمت صناعتها صناعة رديئة مفضوحة، ولن تستطيع الأنظمة الحالية بكل ما تملكه من أدوات من صرف الأمة عن توجهها نحو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]، لأن أموالهم تذهب، ومخططاتهم تفشل ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من محاولة إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، لأن الله مُعْلي كلمته، وجاعل كلمة الكفر هي السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون بإذن الله لأن الله معهم وهو ناصرهم.

لقد جاءت البشائر النبوية بنصرة هذا الدين، ومثل هذه البشائر تشيع الأمل في النفوس وتزرع بذور التفاؤل في الأرواح التي يؤلمها ما حل بالمسلمين من المصائب والنكبات، وهي بشائر أيضا تثبت اليقين في القلوب وتستحث الهمم من أجل مزيد من العمل لتحكيم شرع الله، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا»، فيا له من ملك عظيم وعز كريم ينتظر هذه الأمة المبشرة بالرفعة والسناء والتمكين في الأرض كما في الحديث الصحيح: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ» (رواه الإمام أحمد).

فلا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للغثاء أن يذهب جفاء، ولا بد لما ينفع الناس أن يمكث في الأرض، ويمضي قدر رب العالمين في أن تكون العاقبة للمتقين.

﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾

كتبه حامد عبد العزيز