مقالات فكري

يومُ الزّينة

بسم الله الرحمن الرحيم

قيل في الأمثال الدارجة: (المتفرج فارس)، أي أن الذي يشاهد سباقا في الفروسية يعتبر نفسه فارسا، وهو ينتقد تصرفات المتسابقين ويقول: لو كنت مكانهم لفزت بالسباق… هذا المعنى السلبي لذلك المثل، أما المعنى الإيجابي فهو فرصة الاتعاظ بالغير التي يقتنصها السعيد…

وكذلك تسجيل المباريات والمسابقات اليوم يُعدّ فرصة لا تعوض للمدربين واللاعبين على حد سواء لتفادي الأخطاء التي وقعوا فيها فيتدربوا على تداركها في المستقبل.

وكذلك الإنسان يمر عليه شريط حياته ويقول: لماذا لم أفعل الصواب وقد كان بإمكاني فعله، ولكنتُ نجوت من ذلك الموقف السخيف؟

كذلك محترفو السطو على المتاجر يساعدهم ما ينشر من فيديوهات عن عملياتهم في تفادي الأخطاء التي قد تساعد في القبض عليهم…

وإن قلنا إن التعيس يتعظ بنفسه كحال فرعون المُغرَق، فالأتعس هو من يحاول مكرا أشد من سابقه وينسى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [سورة فاطر: 10]، والضمير المتوسط بين ﴿مَكْرُ أُوْلَئِكَ﴾ وبين ﴿يَبُورُ﴾ ضمير فصل إذ لا يحتمل غيره. والفصل هنا يفيد القصر، أي مكرهم يبور دون غيره، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله تعالى يمكر بهم مكرا يصيب المحظوظ منهم على حد قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: 54].

ترك فرعون اختيار الموعد لموسى فاختار عليه السلام يوم الزينة ووقت الضحى لتكون حجته على رؤوس الأشهاد. وتجاوز مكر فرعون مصر اليوم فرعون الأمس واختار الموعد على هواه (2020/6/30م)!

و”اتعظ” من خطأ فرعون في اختيار أصحاب الكفاءة في السحر، فاختار أصحاب الولاء الأعمى من سحرة الإعلام والصحافة، بل وزج بالأكفاء الذين قد يرتدّون عليه في السجون.

و”اتعظ” أيضا فغيب موسى وما يمثله موسى من حجة دامغة وقطع كل نَفَس إسلامي مخلص بكل ما أوتي من قوة وبطش.

و”اتعظ” أيضا وغيب الناس وألهاهم بلقمة وكمامة ومطهر وسرير في مستشفى بل ومسحة تطمئن غير المصاب بالوباء المستجد وتُمكّن المصاب من القيام باللازم لينقذ نفسه وغيره…

واشتد مكره فصنع جيشاً من الذباب الإلكتروني يهلل ويصفق ويطبل ويشتم ويخوّن كل نفس شريف مستنير يقدم الحل الجذري النابع من عقيدة الأمة.

لسان حال الأمة عامة وأهل الكنانة خاصة يقول: اشتدي أزمة انفرجي.

ولسان حال الواقع والتاريخ ونظام الكون يقول: اشتد مكرا بر.

يوم زينتك الذي اخترته ووقفت يا سيسي متفاخرا تقول: (2020/6/30م حتشوفوا مصر ثانية) تقصد أن سحرة إعلامك سيسحرون أعين الناس ويسترهبونهم فيرون إسمنتك المسلح وكباريك وقصورك… نهضة تسعى! فجاءت كورونا (كوفيد 19) فإِذا هي تَلْقَفُ ما يأفكون.

لقد اكتشف من كانت على أعينهم غشاوة الإعلام المضلل، حين نزلوا يفتشون عن مستشفى أو سرير أو علاج، اكتشفوا أن كل ذلك متوفر فقط في إعلام اللقطة الفوتوغرافية أو لعلية القوم سدنة فرعون الجديد.

غيبتَ موسى وما يمثله من حل سماوي لنهضة حقيقية بالإسلام ونظامه العظيم، وراهنت على نظام عالمي براق منتفخ الأوداج يحاكي صولة الأسد، ونفسه كوفيد 19 يظهره على حقيقته البائسة في أقوى دولة، فأصبحت الأمة كلها موسى وقريبا تلقي بعصيّها لتلقف ما تأفك أنت وأسيادك، رعاة البقر ودكتاتورياتهم المفضلة.

أما جنودك الذين شردت بهم كل مشرد وغيرت عقيدتهم القتالية جبرا وترهيبا وترغيبا في الدنيا، فلن يطول ولاؤهم لما يخالف عقيدتهم وهم يرون الموت يطرق أبوابهم ولا يفرق بين جندي وضابط كبير، سيقولها المخلصون وحتى الأقل إخلاصا: الآن حصحص الحق…

وسيلتفتون للأمة ولمن يحمل مشروع نهضة الأمة ويقولون: هنيئا لكم فاجعلوا منا عصا موسى فنلقف ما صنع السيسي من ظلم وطغيان ونعيد لكم سلطانكم المغتصب فنبايع خليفة يحكمنا جميعا بالإسلام العظيم.

ما عربدَ الظلم إلا انهارَ وانحطما *** تبارك الله جباراً ومنتَقِما

وما تَطاول نمرودٌ وشِيدَ له *** صرحٌ من البغْي إلا خرَّ منهدما

وما طغى الليل إلا صدَّه فلَقٌ *** من الصباح فولَّى الليلُ وانهزما

وما رمى الحقُّ سهماً من كنانته *** إلا هوى الباطل المغرور حين رمى*

* الشاعر يوسف عبيد (رحمه الله)

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [سورة إبراهيم: 46]

 

كتبه جمال علي