مقالات فكري

تقديس زائف لفكرة الفصل بين السلطات مميز

يحاول البعض الهجوم على نظام الخلافة متهما إياه بأنه نظام استبدادي، كونه يدمج السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد شخص الخليفة، ولأن الذين انبروا للهجوم هم من المنبهرين بما عند الغرب رغم ظهور فساده، فمن المستغرب أن ينساق وراءهم من يقدم نفسه للأمة باعتباره ممن يحملون همّ الأمة ويعملون على تحكيم الشريعة، ولا يرون بأسا في السير خلف من يهاجم نظام الخلافة ويصفه بالنظام الاستبدادي ويعتبره من الماضي، وأنه يمكن تطبيق الشريعة في ظل الدولة المدنية الديمقراطية الحالية، وأننا غير ملزمين بنظام محدد ولو كان هذا النظام هو نظام الخلافة الذي عاشت الأمة في ظله لقرون عدة.

ومن المعلوم أن مسألة الفصل بين السلطات تعد من أبرز ما أسس له مونتيسكيو في كتابه “روح القوانين”، ففكرة فصل السلطات التي هي هيكل الدولة المدنية العلمانية هي فكرة غربية بحتة. وقد ظهرت هذه الفكرة مع ظهور فكرة الدولة المدنية التي هي مضادة لمفهوم الدولة الدينية الغربية. فظهورها كان ردة فعل على حصر السلطات في يد الحكام المستبدين في أوروبا من ملوك وأباطرة.

ولقد ظن بعض المفكرين السياسيين الغربيين بأن الاستبداد سببه حصر السلطات أو حصر صلاحيات الحكم في يد الحاكم. وبرغم تقرير مبدأ الفصل بين السلطات في أغلب دساتير الدول الغربية، لكن التطبيق العملي لهذا المبدأ على مستوى الحكم الواقعي أثبت استحالة الفصل المطلق بين السلطات الثلاث؛ مما جعل من المبرَّر واقعيّاً حدوث تداخلات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فالسلطة التنفيذية تريد سن قوانين وتنفيذ قرارات معينة تراها مصلحة عند رعاية شؤون الناس، وربما السلطة التشريعية ترى خلاف ذلك. فيحدث تصادم بين السلطتين ربما يؤدي إلى شلل في عمل الحكومة. ولذلك قاموا بالتحايل على الأمر فجعلوا تشكيل الحكومة من الأكثرية البرلمانية حتى يساعدها ذلك في سن القوانين أو التشريعات واتخاذ القرارات عندما يصوت حزب الأكثرية وهو حزب الحكومة لصالح تشريعاتها وقراراتها. فأصبحت السلطة التشريعية متوافقة أو متواطئة مع السلطة التنفيذية، فلم تعد هناك استقلالية ولا انفصال بين هاتين السلطتين بل أصبحتا متحدتين، فعندئذ تستصدر السلطة التنفيذية التشريعات والقوانين بسهولة ويسر لدى السلطة التشريعية، أي إن البرلمان يشرع للحكومة ما تريد ويقر قراراتها ويوافق على سياساتها؛ لأن هاتين السلطتين أصبحتا مشكَّلتين من حزب الأكثرية أو من عدة أحزاب شكلت الأكثرية. وبذلك انتفى فصل السلطات في الواقع بشكل عملي. فهذا يدل على تناقض النظرية أو الفكرة مع الواقع في موضوع فصل السلطات وعلى عدم إمكانية فصل تلكما السلطتين عن بعضهما، وإلا لا يمكن تسيير أعمال الدول وشؤون الناس. ويدل ذلك على مدى التحايل والخداع للشعب بأنه يحكم، وأن ممثله البرلمان يشرع وهو مستقل عن الحكومة، فدلَّ كل ذلك على أن تقديسهم لفكرة فصل السلطات ما هو إلا تقديس زائف.

ولعل الانبهار بما لدى الغرب من نظم ديمقراطية، جعل البعض يصرخ بأعلى صوته مناديا بديمقراطية حقيقية، وعيش وحرية، وشورى، ومدنية، وفصل بين السلطات لمنع الاستبداد، وشريعة إسلامية، فتراهم يجمعون المتناقضات في سلة واحدة، وهم لا يرون تناقضهم مع أنفسهم! بل يرون أكثر من ذلك؛ أن الإسلام دين الديمقراطية، وأن الدولة في الإسلام تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات!

فلو أدرك هؤلاء بأن فصل السلطات شيء غير متحقق في الواقع وهو مخالف للواقع وأنه لا يوجد إلا سلطة واحدة يديرها شخص واحد حتى في أكبر الدول التي تدعي فصلا بين السلطات بينما هي في الواقع ليست كذلك، ولو أدركوا حقيقة كذبة الديمقراطية وحكم الشعب التي يدجلون بها على الشعوب، بينما من يحكم حقيقة هم أصحاب رؤوس الأموال، أصحاب السلطة الحقيقية، لو أدركوا ذلك لما قبلوا بالديمقراطية أو بفصل السلطات ولا نادوا بالدولة المدنية.

وفكرة الفصل بين السلطات لم تكن سوى ردة فعل على واقع الاستبداد والدولة الدينية التي لم تكن يوما موجودة في بلاد المسلمين، فما حصل في الغرب لم يحصل عندنا بل كان تاريخنا مشرقاً مختلفا عن تاريخهم المليء بالظلم والاستبداد والطغيان. فلم يحدث أن طالب المسلمون على مدى 13 قرنا بإسقاط الخليفة لأنه فرد واحد يحكم وأنه مستبد، لأن هذا الخليفة لم يكن مستبدا، فلم يحكم حسب هواه وحسب مصالحه بل حكم بما أنزل الله. وكل ما اعترضوا عليه هو إساءة تطبيق الإسلام أو ظلم الرعية أحيانا، فالخليفة في فترة الحكم العاضّ كان يرشح ابنه أو أخاه أو أحد أقاربه حتى يبايع على الخلافة من بعده بحجة المحافظة على وحدة الدولة ومنعا لاختلاف الناس من بعده والحيلولة دون الفتن. مع العلم أن الإسلام يعطي الحق للأمة لتختار وتبايع من تريد سواء ابن الخليفة أو أحد أقاربه أو أي شخص آخر من بينها يحوز على الأهلية. ومن هنا كان الاعتراض والمحاسبة، فالأمة كانت تدرك أن الشرع قد أعطاها السلطان وفرض أن تكون البيعة عن رضا واختيار، ولم يكن الاعتراض على دمج السلطات الثلاث وأن هذا الدمج يجعل من الخليفة مستبدا؛ ذلك لأن الإسلام شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله واجبا على الأمة والأحزاب والجماعات، وأمر الأمة باللجوء لمحكمة المظالم إن قصر الحاكم في رعايتها أو ظلمها، بل وأمرها بالخروج على الحاكم إن هو أظهر الكفر البواح.

ولم يكن هناك أبدا فصل بين السلطات في الدولة الإسلامية، فبالنسبة لـ”سلطة التشريع” فقد كانت لله ولرسوله؛ وبعد انتقاله ﷺ للرفيق الأعلى، حل مكانه الخلفاء الراشدون، ولكن دون أن يكون لهم حق التشريع. وراح العلماء والفقهاء يجتهدون ويُعْملون فكرهم ويستنبطون الأحكام من النصوص الشرعية، والخليفة يتبنى حكما من هذه الأحكام، وقد يستنبطها هو إن كان مجتهدا.

أما بالنسبة لـ”سلطة القضاء” فقد كانت مستقلة ومتميزة؛ واستقلالها ليس بالمعنى المقصود في الفكر الغربي، فالقضاء في الدولة الإسلامية محكوم بالعمل بالنصوص الشرعية، وهو مجرد مخبر بالحكم على سبيل الإلزام، والخليفة عندما كان يعين الولاة ويعين إلى جانبهم القضاة، لم يكونوا تابعين للولاة بل للخليفة مباشرة، مع مراعاة أن تبعيتهم للخليفة لا تعني أن للخليفة سلطاناً على القضاة، فهو والقضاة تحت سلطان الشرع. والخليفة أو أي حاكم في الدولة أو أي نائب يحاكم أمام محكمة المظالم فورا، وليس لقراراته أية حصانة إلا أن تكون مستندة للدليل الشرعي.

إن الدولة النموذجية التي يجب أن يسعى لها المخلصون من أبناء الأمة هي التي تكون على منهاج النبوة أي خلافة راشدة، كما قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي»؛ لأنها النظام الذي ارتضاه الله لهذه الأمة، ولقد بان للجميع عوار أنظمة الحكم الديمقراطي وانكشف غطاء العلمانية، فلم تجنِ الأمة من وراء تلك الأنظمة سوى التخلف والذل حتى صرنا في ذيل الأمم، ولن يعيد للأمة مكانتها ويرفع عنها الذل والمهانة سوى نظام الإسلام. فلمثل هذه الدولة يجب أن يعمل المخلصون من أبناء الأمة، ولمثل هذه الدولة يجب أن يحشد الإسلاميون الملايين، لتهتف ملء قلوبها “الشعب يريد خلافة من جديد”، ولمثل هذه الدولة يجب أن نتحدى الدنيا بأسرها.