مقالات سياسي

الهروب الكبير إلى العاصمة ذات الأسوار

أعلن المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، المستشار نادر سعد، مساء الأربعاء 11/11/2020م، أنه لم يجر تحديد الموعد الرسمي للانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، لكن النصف الأول من العام المقبل سيشهد بدء التشغيل التجريبي، وأكد سعد، في تصريحات تليفزيونية، أن الدولة المصرية تأخرت ما يقرب من عام عن الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة، بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”.

كانت ثورة يناير وما تلاها هبة شعبية عظيمة في مصر كادت أن تقتلع النظام من جذوره، تلاحم فيها أهل مصر وأجبروا أمريكا على التخلي عن عميلها الأول والتراجع ريثما تدرس الواقع وتوجِد له حلولا تلتف بها على مطالب الشعب الثائر الذي ظهرت مشاعره الإسلامية واحتضن الإسلاميين بشكل لافت أقلق أمريكا صاحبة السيادة والسلطان، وإن كانت قد استغلت هذه المشاعر لقلة وعي الناس فسرقت ثورتهم وطموحهم وأعادت إنتاج النظام مرة أخرى وبرجاله أنفسهم وبشكل أبشع، وتركز تفكير النظام ومن خلفه أمريكا في كيفية حماية النظام من أية هبة شعبية محتملة خاصة مع فشل الرأسمالية في إيجاد أي حلول لمشاكلهم بل هي السبب الرئيس في نهب ثرواتهم وأصل كل مشاكلهم، وعليه فالهبة الشعبية قادمة لا محالة؛ قد تتأخر ولكنها ستأتي، فأي ضغط لا ينقطع حتما سيولد انفجاراً، ولهذا كانت فكرة العاصمة الجديدة ذات الأسوار التي عمد النظام إلى تنفيذها بقروض تثقل كواهل الناس وتزيد من حدة وبشاعة أزماتهم، عاصمة للنخب والساسة وأصحاب المال والأعمال، أي لرجال النظام فقط، وتم عمل سلاسل من الكباري والطرق لخدمة العاصمة الجديدة وسهولة الانتقال منها وإليها، تمهيدا لنقل كل مراكز الدولة الحيوية إليها، كما أعلن النظام نفسه، حتى يبتعد بمؤسسات الدولة عن الناس ويغلق عليها أسوار مدينته العالية حال وجود هبة تهدد النظام بشكل فعلي وعملي.

رأس النظام الذي سار على نهج من سبقوه في توسيع مستنقع القروض الموحل الذي أدخلوا فيه أرض الكنانة، تلك القروض التي لا يحتاجها أهل مصر ولا ينالون منها شيئا على الحقيقة بل كلها تذهب لخدمة النظام والنخب الحاكمة، أقصد هنا ما يتبقى منها بعد ما يوضع في حساباتهم في بنوك الغرب، ولا ينال الناس إلا الأعباء الناتجة عن سداد تلك القروض ورباها وخدمات دينها وما يلازمها من قرارات اقتصادية كارثية تفرضها الجهات المانحة لتلك القروض والتي بدورها تعمق أزمات أهل مصر وتزيدهم فقرا فوق فقرهم، كما تمكن الغرب من نهب المزيد والمزيد من ثرواتهم وتطمئنه إلى ارتهان البلاد لعقود قادمة في ربقة التبعية الكاملة.

إن هذا النظام يدرك مدى إجرامه في حق مصر وأهلها ويدرك أن سقوطه مسألة وقت، إن لم يكن بيد الشعب المقهور فربما تضحي به أمريكا وتلقي به لهم لتكتسب المزيد من الوقت بعميل جديد يلبس ثوب البطولة بالإطاحة به ويخدع الناس لسنوات وربما لعقود قادمة، ولهذا فهو يصنع لنفسه من تلك العاصمة قلعة لا يحتمي فيها من الشعب فقط بل يحتمي حتى من المنافسين في العمالة، يجعل كل من حوله فيها مرتبطين يتوقف وجودهم على بقائه في رأس السلطة، إلا أن هذا كله يستحضر في قلوب وعقول المخلصين قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.

إن النظام المهترئ لم يعد ينفعه الترقيع ولا الحلول الأمنية التي لا يملك غيرها أمام ما يواجه الناس من أزمات، فالرأسمالية التي يطبقها داؤها فيها وهلاكها من داخلها، ولا يبقيها حتى الآن إلا غياب البديل الحقيقي عن عيون الناس، لا غيابه فعليا فهو موجود ويدرك الناس وجوده وإن لم يضعوا أيديهم عليه، وهو ما يظهر في مشاعرهم الإسلامية التي ترجمتها وقفات الملايين من أهل مصر في قلب ميدان التحرير بعد ثورة يناير تهتف “إسلامية إسلامية” ثم الاستحقاقات الانتخابية التي فاز فيها الإسلاميون، لا بما يحملون من مشروع ولكن بما لدى الناس من مشاعر إسلامية وثقة بالإسلام وأهله وثقة في أن البديل الحقيقي هو الإسلام وهو وحده الذي يرضي طموحهم ويحقق أمانيهم، ولو أدرك الناس البديل الحقيقي الذي يملكه ويقدمه لهم حزب التحرير لتغيرت المعادلة ولصار زوال النظام أقرب من غض الطرف، فلو وجد الناس مشروعا ينسجم مع مشاعرهم الإسلامية ويعيد لهم كرامتهم وعزتهم المسلوبة ويضع بينهم العدل المفقود، لا ريب سيكون خروجهم في سبيل تطبيقه مسألة لا جدال فيها وقضية مصيرية يعيشون بها أو يموتون في سبيلها، وحينها لن تقف في وجههم أسوار ولن تصمد أمامهم قلاع ولن يرهبهم رصاص، وستكون الغلبة للمخلصين، وستكون ثورة حقيقية تقتلع هذا النظام من جذوره حقا وتلقي بأدواته ورموزه في واد سحيق إلى غير رجعة، وتقيم للإسلام دولة تطبقه على الناس كما طُبق أول مرة، دولة عدل وبر وصدق؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

ولهذا فإن كل تحصينات النظام ورأسه لن تحميه ولن تؤخر يومه المعلوم، وحتما سيلحق بسابقيه من كل الفراعنة والمتجبرين على الأمة ممن خسف الله بهم أو أكلهم دود الأرض، وعند الله تجتمع الخصوم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

 

كتبه  الأستاذ سعيد فضل – عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر