مقالات فكري

خرافة الدولة العميقة في مصر

بعدما فشلت تجربة ما يسمى بالتيار الإسلامي (المعتدل) في الحكم، بدأ الحديث يكثر عن الدولة العميقة، ودورها في إفشال هذه التجربة، وبدأت تكثر المقالات والأبحاث التي تصف واقع الدولة العميقة وآلياتها في العمل. والحقيقة التي يتغافلها الكثيرون أن الذي أسقط (الحكم الإسلامي المعتدل) في مصر ليس هو الدولة العميقة، بل هي الدولة نفسها التي لم تزلها ثورة 25 يناير وبقيت موجودة وظاهرة لا تخطئها العين، فلقد أزيل رأس النظام المتمثل في شخص الرئيس لامتصاص الغضب الشعبي، وبقي النظام بكل مؤسساته ومفاصله قائماً، وهذا النظام هو الذي أفشل تجربة ما يسمى بـ(الإسلام المعتدل) وأسقط أنصاره من الحكم، وهذه حقيقة يريد الكثيرون القفز عليها وتجاهلها عن قصد.

والآن بعد إقصاء هذا التيار في مصر بانقلاب عسكري، تم استدعاء فكرة الدولة العميقة، ليعلق الجميع عليها فشله، ويهرب من الأسئلة المهمة؛ ألا وهي: ما الطريقة الصحيحة لإزالة هذا النظام الظاهر أي الدولة العلمانية العلنية القائمة منذ هدم الخلافة وإزالة حكم الإسلام في مصر؟ وما هو السبيل الناجح للتغيير الحقيقي الذي يمكِّن من تطبيق المشروع الإسلامي في مصر؟ أو بكلمات أخرى ما هي الطريقة التي يتم بها إيصال الإسلام إلى الحكم؟

إن الشيء الأساس الذي لم يستوعبه الإسلاميون الذين هرولوا إلى الحكم في نظام لم يسقط بعد، هو أن الدولة لا يمكن أن تتحمل هويتين، فإما دولة إسلامية تقوم على أساس الإسلام، وإما دولة علمانية تقوم على فكرة فصل الدين عن الدولة. والخطيئة الكبرى التي ارتكبها الإسلاميون هي تصورهم أن هناك هوية ما بين الهويتين وهي التي أطلقوا عليها (دولة مدنية بمرجعية إسلامية)، فمثل هذه الفكرة تعتبر فكرة خيالية لا يمكن أن توجد.

فالدولة بطبيعتها لا تقبل أن يكون لها رأسان، وإذا وجد مثل هذا فلا يمكن أن يكون الأصل، بل هو ظاهرة مرضية مؤقتة إلى أن يحطم أحد الرأسين الرأس الآخر، أو بالأحرى حتى يحطم الرأس الأصيل الرأس الغريب الذي ليس هو من جنس الجسم وطبيعته، وحتى هذه الحالة لم تحصل في مصر؛ لأن جسم الدولة لم يعش يوما بدون رأس، بل دُحرج رأس مبارك بعد أن تم تثبيت رأس المؤسسة العسكرية مكانه في الحين واللحظة، ولم يبق له إلا اختيار القناع المناسب للمرحلة؛ وقد كان القناع المقبول في مصر هو (الإسلاميون المعتدلون)، وما أسرع أن يضجر المقنع بقناعه فيلقيه جانبا أول ما يصل إلى بر الأمان، أي بعد إحكام السيطرة على الشعب. وهذا ما حدث بالانقلاب، حيث أزاح العسكر العلماني في قيادته الإسلاميين وما تصوروه حكما، وتبعه ما تبعه من عواقب ونكسات ما زالت مصر تئن منها إلى الآن.

إذاً التوصيف الدقيق لما حدث في مصر هو أن الدولة هي التي أزاحت الإسلاميين، وليس كما يحاول البعض تأويل ما حصل بأن الدولة العميقة هي التي حالت دون نجاح الإسلاميين في الحكم. ورغم أن أصحاب مشروع الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، ليسوا أصحاب مشروع إسلامي حقيقي والمفروض أن ينسجموا مع الجسد الذي هو الدولة العلمانية كقدوتهم أردوغان! فلماذا أزيحوا وبقي أردوغان؟!

لا مجال هنا للمقارنة بأردوغان؛ الذي لم يجد حرجاً ليصرح في أرض الكنانة (بأنه مسلم يرأس نظاماً علمانياً تحت دستور علماني)، فكان بذلك منسجماً مع نفسه أولاً، ثم مع الدولة التي يحكمها، أي أنه كان رأسا أصيلة لجسد النظام العلماني التركي وليس مجرد قناع. أما صراعه مع الجيش فلم يكن صراعاً عقديا بل صراعاً على النفوذ داخل المنظومة العلمانية بسبب اختلاف الولاءات والتبعيات السياسية لا أكثر.

أما تجربة الإسلاميين في مصر فإنهم لم يستطيعوا حل مشكلة التناقض بين الجماهير العريضة التي تؤيدهم، لا لشيء إلا حباً في الإسلام، وبين النظام الدولي الذي أخضعوا أنفسهم له. وبرغم أنهم ليسوا في الحكم اليوم إلا أنهم أبوا إلا أن يؤكدوا أنهم ما زالوا يراهنون على النظام الدولي وعلى الرئيس الأمريكي القادم بديلا عن ترامب فخرجوا ببيانهم الهزيل لتهنئة بايدن! أضف إلى ذلك غياب التصور الكامل للحكم، مما سهل على الدولة اتخاذهم قناعا، نجح في إخفاء الوجه الكالح للنظام لفترة من الزمن. وبكلمات أخرى نجمل القول إن أصحاب مشروع الدولة المدنية بمرجعية إسلامية لم يمتلكوا أي مشروع للدولة لا إسلامياً ولا علمانياً! ناهيك أنهم لم يكونوا ليوم أو بعض يوم رأسا للدولة المصرية رغم تنازلاتهم الخطيرة في حق أنفسهم ومشروعهم.

إن أصحاب مشروع (الإسلام المعتدل) لم يكونوا بحاجة إلى هذه التجربة المؤلمة حتى يتم لفظهم لو أدركوا الطريقة الصحيحة للتغيير، والتي تهدف إلى بناء دولة، وليس مجرد استلام حكم، وهذه لا يمكن أن تتم إلا ببناء الأساس الفكري لهذه الدولة. والبناء الطبيعي لهذه الدولة يتم بحمل مشروع فكري سياسي منبثق عن عقيدة الأمة تتم الدعوة له بين الناس، حتى يصبح الرأي العام له. ليس هذا فحسب بل يتم تشكيل الرأي العام لهذا المشروع بوصفه واجباً شرعياً يجب على الناس العمل من أجل وضعه موضع التنفيذ، أو بكلمات أخرى يتشكل هذا الرأي العام عن وعي وإدراك، وليس مجرد انجرار خلف مصلحة، حتى لو تعلقت بتحسين سبل الحياة. إن الرأي العام المنبثق عن وعي، يجعل الناس يهبون للتغيير ويضحون بالغالي والنفيس من أجله لأنه قربة إلى الله تعالى.

حين تتم صياغة الرأي العام صياغة مبدئية، قائمة على العقيدة الإسلامية، يكون عندها التغيير من أسهل ما يكون، لأن هذه الدولة المسماة بالعميقة، أو حتى دولتها الأم العلمانية الظاهرة، ستصبح جسماً غريباً في المجتمع، وبالتالي سقوطها يصبح ضرورة ملحة لا يمكن أن ينسجم المجتمع معها. وعند ذلك سيكون العمل لإيصال الإسلام إلى الحكم بكسب الجيش لهذا التغيير لا الاصطدام معه، وبذلك يتبنى أهل القوة في هذه الحالة المشروع الذي تبناه الناس، ليس هذا فحسب بل سيبذلون في سبيله المُهج، ليس فقط لأن لهذا المشروع رأياً عاماً، بل لأنه المشروع الذي ينبثق عن عقيدة الأمة وهم منها، وبالتالي فهو المشروع الذي يحرر هذه الجيوش من التبعية للغرب ويعيدها جيوشاً حامية للعقيدة.

هكذا يكون التغيير النظيف الذي لا يكلف الأمة غالبا قطرة دم، وبهذه الطريقة لا يكون الاصطدام مع مؤسسات موجودة بالفعل، بل يكون بإزالة الأساس الفكري الذي قامت عليه، وبناء أساس فكري جديد لها. فيتحول الشرطي الذي تربى على معاداة شعبه إلى رجل أمن يبذل مهجته في الدفاع عنه، ويتحول رجل الاقتصاد الذي مارس عمله على أساس الفكر الرأسمالي، إلى رجل اقتصاد يمارس عمله على أساس الاقتصاد الإسلامي، ورجل القضاء الذي يفصل في المحاكم على أساس القانون الفرنسي الذي وضعه المستعمر، يتحول هو نفسه إلى قاضٍ يفصل في الخصومات بين الناس على أساس الإسلام، ويستنبط أحكامه باجتهاد شرعي من الكتاب والسنة، بدل أن يجتهد في نصوص كتبها أعداؤنا.

لو تمت قراءة سيرة الرسول ﷺ قراءة تشريعية، لكفى ذلك الحركات الإسلامية لتستنبط طريقة تغيير شرعية تكاد تنطق وقائعها في كل جزئياتها بما نعيشه اليوم حرفياً، ولكن الركون إلى العقل في اختراع طريقة للتغيير، يؤدي بالحتم إلى أن يضل العاملون للتغيير طريقهم نحو ما يصبون إليه، بل ربما تُجبرهم أخطاؤهم إلى أن يتحولوا إلى المحلل الشرعي للأنظمة التي يجب على الأمة أن تزيلها.

 

كتبه  الأستاذ حامد عبد العزيز