مقالات سياسي

دين جديد برعاية إماراتية سعودية مصرية: الدور المصري في تحريف الدين – الجزء الثالث

في يناير/كانون الثاني 2015م، دعا السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، وخاطب العلماء بقوله: «والله لأحاجيكم يوم القيامة، فقد أخليت ذمتي أمام الله؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك دين يتصادم مع الدنيا كلها». وسارع المسؤولون لتطوير المناهج بالأزهر لتلبية الدعوة، فأعلن وكيل الأزهر الشريف عباس شومان أن المشيخة استشعرت خطورة المرحلة التي تمر بها الأمة بظهور أفكار ورؤى تخالف المنهج الأزهري الوسطي، فبادرت بالعمل على إصلاح منظومة التعليم الأزهري، فتم حذف ما قد يفهم في غير معناه. وأضاف شومان أن الأزهر سيقوم بتعديل المناهج الدراسية كل ثلاث سنوات من أجل مواكبة العصر ومواجهة الفكر المتطرف، وفق وصفه. وأكد شومان حذف الأحاديث التي قد تفهم خطأ مثل: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» مشيرًا إلى أن تلك الأحاديث قد يفسرها البعض خطأ، فتم حذف كل ما قد يفهم في غير معناه، وتم استبدال (الإفساد في الأرض) (بالإرهاب)، و(البغي) (بحكم الخروج على الحاكم).

كما قامت لجنة الأزهر المـُستأمَنة على مراجعة مناهج التربية الدينية بحذف بعض الجمل من المناهج التعليمية كتلك الجملة: «ما تفعله إسرائيل حاليًا يعد أفظع أنواع الإرهاب والتطرف، ماذا تسمي طرد وتشريد شعب بأكمله من بلاده وهدم منازله والاعتداء عليها بالقوة؟». بدعوى أن تلك العبارات: «ليست مناسبة للسن الذي يدرس لها من طلاب الإعدادي، لما بها من قسوة لا تراعي مشاعر الأطفال».

ناهيك عن الخطبة الموحدة، وتجريم الدعاء على الظالمين، ومعركة الطلاق الشفهي، والدعوة إلى تحديد مساجد معينة لصلاة الجمعة، فضلًا عن تخصيص مساجد وأئمة للتراويح، وتحديد ألف مسجد فقط للاعتكاف، وإقصاء من يخالف.

دعوة صريحة لعلمنة الدين:

يقوم الأزهر الآن بمحاولة تبديل أفكار الإسلام، والهجوم على الحركات الإسلامية الداعية لإقامة دولة الخلافة والوصول للحكم؛ لتحل محلها منهجية الأزهر التي تعمل على التركيز على تطوير العلوم الدينية والإسلامية بعيدًا عن السياسة. وهي بلا شك دعوة إلى علمانية الدين تبعًا لعلمانية الدولة.

ولا ننسى الشيخ علي جمعة الذي دعا الجيش إلى قتل المعتصمين أو المتظاهرين قائلًا: «لا تخف بدعوى الدين، فالدين معك، والله معك، ورسوله معك، والمؤمنون معك، والشعب بعد ذلك ظهير لك». والذي قام بتحليل الفوائد والودائع البنكية بدعوى أنَّ علة الربا كانت في الذهب والفضة ونحن الآن نتعامل بالأوراق النقدية. ولا كلام سعد الدين الهلالي الضيف الدائم في فضائيات النظام في وصلته النفاقية الشهيرة: «فابتعث الله أيضًا رجلين، كما ابتعث وأرسل من قبل رجلين موسى وهارون، أرسل رجلين وابتعث رجلين، ما كان لأحد من المصريين أن يتخيل أنَّ هؤلاء من رسل الله عزَّ وجلَّ، وما يعلم جنود ربك إلَّا هو… خرج السيسي ومحمد إبراهيم».

الترويج بأن الخلافة فكرة تاريخية عفا عليها الزمان:

وفي وثيقة نشرتها (المصري اليوم) وقالت بنسبتها إلى الأزهر خرجت من مؤتمره العالمي (التجديد في الفكر الإسلامي) الذي عقد في الفــترة في 2-3 جمادى الآخرة 1441هـ الموافق 27-28 كانون الثاني/يناير2020م، قرر علماء الأزهر محاربة: «رفع شعارات الخلافة الكاذبة لبث الفتنة وتمزيق الأوطان وإلصاق صفة الإسلام بها مخالفة لكل قيمة في الإخاء والمساواة والشورى الديمقراطية» ليؤكِّدوا بعدها في ذات الوثيقة على أنَّ هذه الوثيقة يجب الالتزام بها في «تحديدها لمبادئ طبيعة الدولة ومقوماتها في الحكم المدني الدستوري على أسس ديمقراطية تحقق جوهر العدالة والحرية والمساواة بعيدًا عن فكرة الخلافة التاريخية».

لقد حظي مفهوم الحاكمية بنصيب وافر من البيان أرادوا من خلاله تفريغه تمامًا من محتواه من خلال الهجوم على الجماعات الإسلامية ووصفها بالمتطرفة لأنها تقول أن لا حكم إلا لله بمعنى أنه سبحانه وحده له حق التشريع، أي أنه يجب أن يكون دستور الدولة والقوانين مستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية، يقوم بذلك العلماء المجتهدون الذي توفرت فيهم شروط الاجتهاد، ولقد حاول البيان الختامي التدليس على الناس عندما قرر أن الحاكمية تعني (عدم إسناد الحكم إلى الناس) وكأن الدولة الإسلامية دولة إلهية أو تحكمها ملائكة! إن الدولة الإسلامية دولة بشرية يقوم عليها بشر، ولكن هؤلاء الحكام إنما يحكمون بما أنزل الله، فهناك ما أنزل الله وهناك من يحكم به. ونحن نسأل شيخ الأزهر بما أنك أقررت في بيانك هذا بأن «الحكم البشري المنضبط بقواعد الشرع لا يتعارضُ مع حاكمية الله، بل هو منها» فهلَّا قلت لنا وأين النظام، الذي أنت من أركانه ودعائمه، أين هو من الحكم المنضبط بقواعد الشرع؟ وأين هو من حاكمية الله بهذا المفهوم؟

ومما ورد في البيان أيضًا «إن الخلافة نظام حكم ارتضاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسب زمانهم، وصلح عليه أمر الدِّين والدُّنيا، ولا يوجد في نصوص الكتاب والسنة ما يلزم بنظام حكم معين، بل كل نظام من أنظمة الحكم المعاصرة تقبله الشريعة ما دام يوفّر العدلَ والمساواة والحرية، وحماية الوطن، وحقوق المواطنين على اختلاف عقائدهم ومِلَلِهم، ولم يتصادم مع ثابت من ثوابت الدين»، فهذا من أعظم التدليس على الناس في دين الله.

دور الإعلام المصري:

مما لاشك فيه أن النظامين الإماراتي والسعودي في هذا المجال عيال على النظام المصري، الذي لديه خبرة طويلة في صناعة الأفلام والمسلسلات التي تروج للنظام وتستهدف نشر الرذيلة والفجور في المجتمع، أو التي تعمل على تشويه الحركات الإسلامية، وحتى تشويه المتدين العادي، كفيلمي (الإرهابي) (والإرهاب والكباب) للممثل عادل إمام، ومسلسل هذا العام (الاختيار) الذي تنتجه جهات سيادية مصرية والذي تعمد الهجوم على ابن تيمية واعتباره إرهابيًا قد افتى بقتل المدنيين، هذا بخلاف الهجوم الذي تشنه صحف النظام وبرامج التلفاز على الإمام البخاري وصلاح الدين الأيوبي، حيث وصف الكاتب يوسف زيدان القائد صلاح الدين الأيوبي في لقاء تلفزيوني بأنه (أحقر شخصية تاريخية)، وقبلها قال: إن (المسجد الأقصى المقصود قريب من مكة، وليس بالقدس)، كما ظل المذيع إسلام بحيري شهورًا يهاجم في برنامجه التلفزيوني الإمام البخاري حتى أدانه القضاء بالسجن، ثم خرج بعفو رئاسي، فلم يطق السيسي أن يبقى الرجل حبيسًا، بينما هو ينفذ سياسة ممنهجة تتبعها الدولة المصرية بناء على توصيات تقرير مؤسسة راند الأمريكية الصادر منذ عشر سنوات بعنوان: (بناء شبكات مسلمة معتدلة) والذي دعا لما يسميه (ضبط الإسلام نفسه وليس الإسلاميين) ليتماشى مع الواقع المعاصر، فالتقرير دعا للدخول في بنية الإسلام التحتية بدايةً من الطعن في الثوابت الدينية، وانتهاء بالهجوم على الشخصيات والرموز الإسلامية. وهذا ما يقوم على تنفيذه النظام المصري الذي أطلق كلابه لتنبح صباح مساء في وسائل إعلامه المختلفة المسموعة والمرئية للهجوم على الإسلام ورموزه والحركات الإسلامية.

ما الهدف من وراء تجديد الخطاب الديني المزعوم؟

لا أرى في هذه الهجمة إلا سبيلًا لضرب الأحكام الشرعية في نفوس الناس، ليصبح المسلم بعدها بلا هوية ولا حاكم، إلا مجرد بعض الأوامر والنواهي التي تُقِرُّها الدولة-حسب مصلحتها- والـمُعرَّضة للتغيير بحسب البيئة والظروف وأهواء الحكام، ويستمر هذا التفريط إلى أن يصل إلى أصول الإسلام وثوابته، فيصبح الحجاب فضيلة لا يُنكر على من تتركه وليس حكمًا شرعيًا ثابتًا بالنص، والصلاة شأن شخصي، والقرآن يَحُضُّ على الإرهاب، فيجب إلغاء كتب التفاسير القديمة واستحداث تفسير عصري للقرآن الكريم، بل وقد تم حرق بعض الكتب الإسلامية في تظاهرة إعلامية ساقطة، وهكذا حتى يقضوا على قيمة الدين بالكلية في نفوس المسلمين. وفي هذا الصدد يقول الشيخ فهد العجلان: «إذا كانت الأوامر الشرعية غير مُلزِمة، والنواهي غير ممنوعة، فإن السير على هذا الطريق يوصلك إلى بوابة العَلمانية، وإن لَعَنتَها وبَصَقتَ عليها؛ فالعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة؛ بمعنى عزل الأحكام الشرعية عن أن تكون مؤثرة في نظامٍ عامٍّ مُلزم للناس، وحين تكون الأحكام الشرعية شأنًا خاصًا يُحمَد فاعله ولا يُتعرَّض لتاركه، وليس لها تعلُّق بنظام أو سلطة فنحن بهذا في وسط باحة العَلمانية».

الدور الغربي الكامن في الخلف:

  1- دعم التصوف:

دعم التصوف – وخاصة نماذج الحلاج وابن عربي وأمثالهم – هو لبُّ توصيات المراكز الغربية وخاصة الأمريكية، فمن مؤتمر (فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في رسم السياسة الأمريكية) الذي أعده مركز نيكسون، إلى تقرير (بناء شبكات مسلمة معتدلة) لمؤسسة راند المنبثقة من وزارة الدفاع الأمريكية مرورًا بدراسة (الإسلام المدني الديمقراطي) للمؤسسة ذاتها، كانت هناك توجيهات واضحة أشارت إليها هذه الدراسات، وفي بعض الأحيان أرشدت إلى إجراءات عملية تخدم الرؤية الرامية لبناء أرضية مشتركة تعاونية مع الحركة الصوفية.

فقد دعا كل من برنارد لويس ودانييل بايبس القريبان من البيت الأبيض لعقد تحالف مع الطرق الصوفية لملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة. وقد نفذت الإدارة الأمريكية هذه التوصيات منذ من فترة صدورها وإلى الآن، فقامت بالعديد من الأنشطة لمد جسور التقارب مع الصوفية، وكان أكثر من تبعها في ذلك الإمارات التي فتحت ذراعيها للحركة الصوفية ومؤسساتها، حتى غدت أبو ظبي من أهم حواضن الحركة الصوفية في العقد الأخير.

تتباين عدد من التيارات الإسلامية وتختلف رؤيتها بشأن عدد من القضايا كطريقة التغيير والمشاركة السياسة مع الأنظمة وشكل نظام الحكم، إلا أنهم يتفقون في الاهتمام بالشأن العام وخوض غمار السياسة وعدم الانعزال عن الواقع، وتأتي الصوفية على العكس من ذلك، فهي تتبنى في الغالب منهجًا انسحابيًا تركز فيه على العبادات الفردية والتزكية الأخلاقية وتترك الساحة السياسة للحكام، وهذا ينسجم تمامًا مع مصالح الدول وفي مقدمتها أمريكا التي تنظر بعين الرضا لهذه الحركة.

فأمريكا تعمل على نشر الفكر الصوفي لأنه فكر غير مقاوم للمحتل ومن مبادئه: دع الخلق للخالق، ولو شاء ربك ما حدث كذا، ويصرحون بأنهم ينتظرون المهدي وهذا ما تريده أمريكا، وهناك محاولة دؤوبة من ابن زايد ومَن خلفه لإشاعة وتثبيت مبدأ (وحدة الأديان) وقد نادى بذلك ابن عربي والحلاج، فمن هنا يعملون على تلميع وإظهار هذه الشخصيات للاقتداء بهم.

إن الهدف الفعلي من التقارب أو التزاوج بين التيار الصوفي والنظام الإماراتي وكذلك النظام المصري، هو لإنتاج إسلام فارغ المضمون والمحتوى، إسلام معزول عن مناحي الحياة ولا يبحث في تنظيم شؤون البشر ومعالجة مشاكلهم في الدنيا.

2- الإسلاموفوبيا:

وفق تقرير صدر عن مركز التقدم الأمريكي عام 2011م، يقصد بالإسلاموفوبيا خوف أو كراهية أو عداء مبالغ فيه ضد الإسلام والمسلمين، تقوم على صور نمطية سلبية وتؤدي إلى التحيز ضد المسلمين والتمييز ضدهم وتهميشهم وإقصائهم. وهي بهذا المعنى، وفق الباحث في الشؤون الأمريكية، علاء بيومي، ليست تحيزًا عارضًا ضد الإسلام والمسلمين بسبب عدم المعرفة أو الجهل، إنما تتعدى ذلك بكثير… إلى التحريض ضد المسلمين والإسلام.

يعتبر الكاتب والمفكّر المغربي حسن أوريد أنّ «شعورًا مستترًا بالعداء للإسلام كان موجودًا في الغرب منذ فترة التوسع الاستعماري الأوروبي لعدد من البلدان الإسلامية» موضّحًا أنّ «هذا الشعور كان قائمًا على اعتبار أنّ الثقافة الإسلامية ثقافةٌ قدَرية وقائمة على الخُرافات».

إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م، بالولايات المتحدة الأمريكية، روّج الكثير من المفكّرين الغربيين لفكرة (الخطر الإسلامي). بعد ذلك بفترة قصيرة، دخل المـُصطلح إلى المعاجم الفرنسية، وعُرّف بكونه «شكلًا خاصًّا من الحقد الموجّه ضد المسلمين، يتجلى في أفعالٍ ومشاعر عدائية ضد المهاجرين المنحدرين من أصول مغاربية».

في هذا السياق، يرى المفكّر المغربي حسن أوريد أنّه «لا يمكن الحديث عن إسلاموفوبيا قبل أحداث11 سبتمبر، إذ بعدها مباشرةً صدرت كتاباتٌ تتهجّم مباشرةً على الإسلام، وتعتبر أنّ الإسلام هو العدو، سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة». من هذه الكتابات (السعار والفخار) للصحفية الإيطالية أوريانا فالاشي، الذي يحذّر الغربيين من الإسلام، ويدعوهم إلى تدارك أمورهم قبل أن يعمّ الإسلام أوروبا، ويستعمرها عن طريق التزاوج والهجرة.

كان لهذه الظاهرة نتائجُ سلبية على المسلمين في أوروبا. ففي السّابع من مايو من عام 2002م، وقعت حادثةٌ رهيبة في بروكسيل ببلجيكا، إذ اقتحم أحدُ مناصري اليمين المتطرّف البلجيكي شقة عائلةٍ مغربية ببروكسل، وقتل أصحابها قبل أن يُضرم فيها النّار ويهرب. هكذا بدأ يتمظهر الرّهاب الصّادر من مناصري اليمين المتطرّف: إبادة كلّ ما هو مسلم. ومؤخّرًا، أعادت حادثةُ مسجد نيوزيلاندا إلى الأذهان موضوع الإسلاموفوبيا، وكسّرت، في نفس الوقت، الفكرة النمطية التي تربط الإرهاب بالإسلام، باعتبار الشخص الذي قام بهذا الهجوم الإرهابي، الذي راح ضحيته العشراتُ من الأبرياء، كان مسيحيًا.

يرى باحثون ومتخصصون في قضايا الإسلاموفوبيا، أنّ هذه الأخيرة هي نزعةٌ عامّة قائمة في المجتمعات الغربية؛ لكنّها أيضًا صناعة بحدّ ذاتها؛ إذ هناك جهودٌ دؤوبة تفتعل هذه النزعة وتُزكيها لأغراضٍ سياسية. ولعل من أهم هذه الأغراض السياسية دفع المسلين دفعًا نحو التخلي عن أي مظهر من مظاهر تدينهم والاندماج بشكل كامل في المجتمعات الغربية، أي تحت شعار (اندمج أو ارحل)، ليس هذا فحسب، بل يمكننا القول إن دعوات التجديد والحداثة والعصرنة تصب كلها في هذا الاتجاه الذي سيفضي إلى تدجين الإسلام حتى يقبله الغرب ويرضى عنه.

خاتمة:

بعد استعراضنا لما يقوم به مثلث الشر (الإمارات –السعودية – مصر)، من محاولات لتحريف دين الله، وخدمة أعداء الأمة الذين يتربَّصون بها صباح مساء، لابد من التذكير بأمرين مهمين:

 الأول: أن ما يقوم به هؤلاء ليس المحاولة الأولى لأعداء الأمة ولن تكون الأخيرة، فالصراع بين الكفر والإيمان صراع أبدي ولن يتوقف أبدًا، والآيات التي تؤكد هذه الحقيقة كثيرة لا يسعف المقام بذكرها، لكن نذكر بعضًا منها، من تلك الآيات التي تقرر هذه الحقيقة قوله تعالى: (كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ١٧) وقوله سبحانه:(وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦)، وقوله عز وجل: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣) فهذه وغيرها ليس بالقليل تبين حقيقة مسار التاريخ، وأنه صراع بين الحق والباطل، وتصارع بين الخير والشر. ولا تخفى في هذا المقام دلالة تسمية القرآن بـالفرقان؛ لما فيه من فارق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ولما فيه من تفرقة بين نهج السماء ونهج الأرض، وبين تشريع البشر وتشريع رب البشر.

الثانية: مهما كانت قوة الباطل وسطوته وكبر مكرهم وتآمرهم، فإن العاقبة والنصر لعباد الله المتقين. فالباطل، وإن حقق انتصارات هنا وهناك، فإنها انتصارات آنية واهية، وليست بانتصارات حقيقية واقعية. يخبرنا القرآن حول هذه الحقيقة في آيات كثيرة، تبين أن النصر دومًا في جانب الطرف الذي يدافع عن الحق، وأن الهزيمة في النهاية واقعة في جانب الطرف المدافع عن الباطل. نجد هذا المعنى في قوله سبحانه: (فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨) وقوله عز وجل: (لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ٨) وقوله تعالى:(وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا٨١)، وقوله عز من قائل: (بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨) وقوله سبحانه: (قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩) وأخيرًا لا آخرَ قوله تعالى:(وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ).

كما أشار القرآن الكريم إلى سُنَّة أخرى وثيقة الصلة بسُنَّة الصراع بين الحق والباطل، ألا وهي (سنة التدافع)، تلك السنة التي تقرر أنه سبحانه لا يُمكِّن للباطل في هذه الحياة ليستعبد الناس، ولا يفسح له المجال ليسخر عباد الله لخدمته وتحقيق مآربه، بل إنه سبحانه يقيم من أهل الحق من يقف في وجه الباطل، ويتصدى له في معاركه كافة، وهذه السُّنَّة هي المـُعبَّر عنها بقوله سبحانه: (وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١) أي لولا أنَّ الله تعالى يدفع كيدَ الكافرين ومكرهم وظُلْمهم وغَشَمَهُم بجهاد طائفة من المؤمنين ونضالهم ورباطِهم؛ لصارت الأرض كلها غابة موحشة تعوي في جنباتها الذئاب.

إن الباطل وأهله في عزة ومغالبة وشقاق ومنازعة، والملأ منهم والكبراء يستحثون الأتباع والأشياع الأذلاَّء أن يمضوا في عدائهم وحربهم للحق وأهله، وأن يصبروا على آلهتهم وزعمائهم؛ بزعم أنّ دعوة الحق وراءها شيء يُرادُ، وغرض يُدَبَّرُ له، وهذا الذي يمضون فيه هو دأب الأمم قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، وكسائر الأحزاب الذين طغوا في البلاد؛ لأنَّها سُنَّة ماضية لا تتخلف، سُنَّة التدافع بين الحق والباطل، والصراع الدائم بين أهل الحق وأهل الباطل.

لقد قيَّد الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة على مدار تاريخها الطويل من يدفع عنها تآمر المتآمرين، وعبث العابثين، وتحريف المحرفين وابتداع المبتدعين. فقيَّد لها على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها، ويعيده كما كان غضًا طريًّا. ولن يفلح أبدًا أبناء زايد ولا ابن سلمان ولا غلمان السيسي في مخططهم هذا أبدًا كما لم يفلح أسلافهم من قبل، فكيد أولئك هو يبور، قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦).