خبر وتعليق اقتصادي

فوائد البنوك كلها ربا لا يبيحها فتوى علماء السلطان!

بسم الله الرحمن الرحيم

الخبر:

نقلت قناة صدى البلد على موقعها الجمعة 2021/9/3م، قول الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، أنه تمت دراسة البنوك المصرية، من حيث واقعها، ودورها في الاقتصاد الوطني، ومن حيث الطبيعة التي اختلف بها عن إطار التعامل الربوي السابق. وأضاف المفتي خلال حواره مع برنامج نظرة، المذاع عبر قناة صدى البلد، بعد دراسة دار الإفتاء للبنوك وجدت أن الأمر اختلف، وهناك أسس يختلف فيها عمل البنك عن قضية الربا. وأكد المفتي أنه ثبت أن التعامل مع البنوك عمليات استثمار، نيابة عن مودع الأموال.

التعليق:

لا يختلف مسلمان على حُرمة الربا، فالأدلة الشرعية قطعية على حُرمته منها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فالربا محرم شرعا ولا يختلف على حرمته أحد من المسلمين، ولكننا نرى من المسلمين اليوم من يبيح التعاملات الربوية بحجج لا أصل لها من الشرع كما يزعم مفتي مصر في قوله عن نيابة البنوك في الاستثمار بأموال المودعين! والوَصْفُ الواقعُ للرّبا هو أنّ هذه الفائدةَ التي يأخذُها البنك هي استغلالٌ لِجُهْدِ الناسِ وهي جزاءٌ من غيرِ بَذْلِ جُهد. ولأنّ المالَ الذي يؤخَذُ عليهِ ربا هو مضمونُ الفائدةِ غيرُ مُعرَّضٍ للخَسارة، وهذا يخالفُ قاعدةَ “الغُرْمُ بالغُنْم”، ولذلكَ كان استغلالُ المالِ بالشركةِ والمُضارَبَةِ والمُساقاةِ بِشُروطِها جائزاً لأنه تنتفعُ به الجماعةُ ولا يَستغِلُّ جهدَ آخَرِين، بل يكونُ وسيلةً تُمكِّنُهُم من الانتفاعِ بِجُهْدِ أنفُسِهِم وهو مُعرَّضٌ للخسارةِ كما هو مُعرَّضٌ للرِّبح، وهذا بخلافِ الربا. على أنّ تحريمَ الربا إنّما كان بالنّصِّ ولم يُعلَّلْ هذا النَّصُّ بِعِلَّة.

واقع تعاملات البنوك في مصر وغيرها لم يختلف لاحقا عن سابقا فكلها تعاملات ربوية ولا يختلف اثنان على ذلك، حتى ما سمي منها تجاوزا بالبنوك الإسلامية فكل تعاملاتها عدا التحويلات المالية التي تسهل انتقال المال من شخص لآخر ومن بلد لآخر، لا تخرج عن دائرة الربا مهما أطلقوا عليها من أسماء تضفي عليها الشرعية! وحتى الحسابات الجارية بدون فائدة والتي تعد في واقعها أمانة لدى البنك، فإنه إذا غلب على الظن أن البنك سيستعمل الحساب الجاري في الربا فلا يجوز أن توضع هذه الأمانة “الحساب الجاري” عند البنك، والقول بأن البنوك تنوب عن مودع الأموال في عملية الاستثمار لا يبيحها، فلا يجوز أن تنوب البنوك عن المودعين في فعل الحرام، كما أن واقع العقود بين البنوك والمودعين أنها ليست عقود وكالة في التصرف بالمال بل هي عقود إيداع بفائدة محددة. ويُقصد بالفائدة لغة واصطلاحا ما نتج وكسبهُ الإنسان من غير مالٍ؛ كالميراث، والعطيّة، وأمّا في الاصطلاح المصرفيّ فهي الثّمن المدفوع مُقابل استعمال النُّقود، ويُفرّق بينها وبين الرّبح من حيث إنّ الرّبح يكون بزيادةٍ على ثمن السّلعة مُنذ البداية، وتكون بنيّة التّجارة، وأمّا المبلغ الزّائد بغير نيّة التّجارة فهو من قبيل الفوائد، وينطبق لفظ الفائدة على لفظ الرّبا في الشرع؛ حيثُ يشتركان في الزّيادة المشروطة على القرض، فتُعرف الفائدة عند الاقتصاديّين بأنّها الزّيادة التي يدفعها البنك أو صندوق الادخار على الودائع، أو الزيادة التي يأخذها البنك مُقابل القُروض. كما تعرف بأنّها النّسب التي تأخُذها البُنوك على الأموال المودعة لديها، أو مُقابل ما تُقدّمهُ لهم من اقتراض.

إن ما تُسمّى بفوائد البنوك، هي الرّبا بعينه، فقد نُقل الإجماع على تحريم الزّيادة المشروطة على أيّ قرض، سواء كانت تلك الودائع تحت الطّلب؛ أو ما يُسمّى بالحساب الجاري، أو ودائع لِأجَلٍ، أو ودائع بإشعار، أو غير ذلك، وأما كونها الربا بعينه؛ فذلك لأنّ العميل يودع أو يأخذ من البنك مبلغاً مُعيّناً، بشرط أن يَرُدّه أو يأخذه بزيادةٍ مُعيّنة، كما يدخُل هذا النّوع من الرّبا في الصّرف، كمن يشتري نُقوداً دون أن يتمّ القبض في المجلس نفسه، بشرط أن يُردّها بزيادةٍ بنسبةٍ مُعيّنةٍ، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن السّلف في البيع، فقال ﷺ: «لا يحلُّ سلَفٌ وبيعٌ، ولا شَرطانِ في بيعٍ، ولا رِبحُ ما لم تَضمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عندَكَ».

إن المحاولات المستميتة لإباحة الربا غايتها الحقيقية هي الاستحواذ على مدخرات الناس الرافضين للمعاملات الربوية التي تقوم بها البنوك، وإن تسميتها بغير مسماها لخداع الناس لن تجعلها مباحة ولن تجعل الانتفاع بها مشروعا بل تُدخل المحاولين في حرب معلنة مع الله ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾.

والواقع الذي يجب أن يعلمه الناس أن بلادنا ليست بحاجة لتلك البنوك ولا استثماراتها ولا عوائدها بل في حاجة لتطبيق أحكام الإسلام التي تضمن القضاء على الربا بأنواعه وتجفيف منابعه من جذورها، ولهذا يجَبَ أن يُغيَّرَ النظامُ الاقتصاديُّ الحاليُّ بِرُمَّتِهِ وأنْ يوضَعَ مكانَه – وضعاً انقلابياً شاملاً – النظامُ الإسلاميُّ للاقتصاد في دولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فإذا أُزيلَ هذا النظامُ وطُبِّقَ الإسلام بَرَزَ للناسِ أنّ المجتمعَ الذي يُطبِّقُ الإسلامَ لا ضرورة فيه إلى الربا، لأن المحتاجَ إلى الاستقراضِ إمّا أنْ يحتاجَهُ لأجْلِ العَيْشِ أو يحتاجَهُ لأجْلِ الزراعة. أمّا الحاجةُ الأولى فقد سدَّها الإسلامُ بِضَمانِ العيش لكلِّ فردٍ من أفراد الرعية. وأمّا الحاجةُ الثانيةُ فقد سدّها الإسلامُ بإقراضِ المحتاجِ دونَ ربا، فقد روى ابنُ حِبّانٍ وابنُ ماجَه عن ابنِ مسعودٍ أنّ الرسولَ ﷺ قال: «ما مِنْ مُسلِمٍ يُقرِضُ مُسلِماً قرضاً مرّتَيْنِ إلاّ كان كَصَدَقَتِها مَرَّةً» ولهذا فحاجة الأمة الحقيقية ليست للبنوك ولا إلى فتاوى تبرر تعاملاتها، بل إنها بحاجة لدولة تطبق الإسلام تطبيقا انقلابيا شاملا في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، دولة حق وعدل، نسأل الله أن يعجل بها وأن نكون من جنودها وشهودها.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر