مقالات فكري

الخلافة مشروع الأمة الحضاري لن يُحرّف تعريفها ورشةُ عملٍ لعلماء السلطان

بسم الله الرحمن الرحيم

في إطار محاولات الغرب المستمرة لتدجين الإسلام وصرف المسلمين عن عقيدته السياسية العملية، عقدت منظمة خريجي الأزهر الأربعاء 2022/3/2م، ورشة عمل حول مفهوم الخلافة وعقد البيعة، تهدف للتلبيس على الناس في مفهوم الخلافة بوصفه نظام حكم، ومحاولة شرعنة أنظمة الحكم التي تحكم بلادنا الآن رغم كونها لا تحكم بالإسلام وتمنع وحدة الأمة في كيان واحد وتبقي على التبعية للغرب في بلاد الإسلام.

إن الأمة الإسلامية تملك مشروعا حضاريا كفيلا بنهضتها وقادرا على قيادتها للانعتاق من ربقة التبعية والخضوع وقطع كل يد تمتد ناهبة لثرواتها وخيراتها عاملة على تجهيلها وصرفها عن غايتها الكبرى والعودة بها لتسنم مكانتها كدولة أولى في العالم بلا منازع تنشر الخير والحق وتقر العدل لكل الناس، هذا هو واقع أمة الإسلام بمشروعها الحضاري المتضمن استئناف حياتها الإسلامية من جديد في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

الخلافة وعقد البيعة أمران مشروعان بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وهي نظام الحكم الذي دلت عليه النصوص الشرعية، فالخلافة هي رئاسة عامة لجميع المسلمين في الدنيا لتطبيق أحكام الإسلام عليهم وحمله للعالم رسالة هدى ونور ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، والخلافة هي الإمامة، يقول الماوردي: “الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها يكون الحاكم الأعظم للمسلمين ويخلف النبيَّ في إدارة شؤونهم، وتسمّى الإمامة لأن الخليفة كان يسمى إماماً، ولأن طاعته واجبة”.

أما عقد البيعة فهو عقد مراضاة واختيار وهو الكيفية الوحيدة لانعقاد الأمر للخليفة ليصير حاكما للأمة، فالإسلام جعل السيادة للشرع وأعطى السلطان للأمة وأوجب عليها أن تحكم بالإسلام، فهي تنيب عنها حاكما واحدا لكل الأمة يطبق الإسلام عليها ويحمله بها للعالم، وأوجب عليها أن تبايعه على السمع والطاعة بشرط تطبيق الإسلام كاملا ولا شيء غير الإسلام، فإن طبق غير الإسلام فلا سمع له ولا طاعة، قال رسول ﷺ: «وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ». رواه مسلم

والخلافة ليست كنظم الحكم المسماة حديثة والتي لا تخرج عن الديمقراطية التي تجعل السيادة للشعب وتجعل الشعب مصدر السلطات ومنها سلطة التشريع، وتجعل المرجعية للشعب وتمنح الناس حرية الرأي والاعتقاد والتملك إلى جانب الحرية الشخصية، وهو ما يناقض الإسلام الذي يجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة، فتطبيق الإسلام وتنصيب الخليفة وبيعته حق للمسلمين وفرض عليهم دون باقي الناس، فلا يطبق الإسلام ولا يحكم به من لا يؤمن به، والمرجعية في دولة الإسلام للشرع، وإن كان رأي الإمام يرفع الخلاف لكونه حكما شرعيا تبناه الخليفة من أحكام الإسلام، وليس في الإسلام حريات بمفهوم الغرب، بل تقيد تام بأحكام الشرع، وكل فعل له حكم شرعي خاص، فهناك أحكام شرعية تنظم التملك وتبين كيفية التملك، ولا يكره الناس على دخول الإسلام ولكن من يدخل الإسلام ليس حرا في تركه والردة عنه، وليس هناك حرية رأي بمفهوم الغرب الذي يرى التطاول على المقدسات من حرية الرأي ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وليس هناك حرية شخصية بل تقيد كامل بأحكام الشرع، وإن كان الإسلام قد كفل للناس حريتهم التي هي ضد الرق فلا يجوز قهر الناس أو استرقاقهم أو منعهم حقوقهم التي منحهم الله إياها ولا بأي شكل من الأشكال، بل أعطى الإسلام للأمة حق محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأطرهم على الحق أطرا.

إن مفهوم الخلافة وغيرها مما يتعلق بالحكم وأخذ البيعة ليست حكرا على أحد بل هي من مفاهيم الإسلام يفسرها فهم الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا يجوز أن يقوم على تفسيرها المرتزقة من أدعياء العلم وعلماء السلطان، فهؤلاء حبالهم وحبال سادتهم الحكام يمسك بها الغرب الكافر يحركهم كيفما أراد ليضرب بهم الإسلام ومفاهيمه وعقيدته السياسية التي تأبى على الناس حياة الخنوع في ظل التبعية للغرب وأدواته وبعيدا عن الإسلام وأحكامه، ولهذا فإن أشد ما يؤرق الغرب هو الخلافة والبيعة والعاملون لاستئناف الحياة الإسلامية، ولهذا فإن سعيهم حثيث لتغيير فهم الناس للخلافة وواقعها العملي بعد تشويهها بنماذج مشبوهة، إلا أن الحق أبلج والأمة أصبحت تعي أن خلاصها في الإسلام ومن خلال تطبيقه في دولة الخلافة الراشدة.

يا رجال الأزهر: إن دوركم الحقيقي ليس حرف الناس عن المفهوم الحقيقي للخلافة بل تعريفهم بواقعها الشرعي وحثهم على العمل لها وتحريض المخلصين في الجيوش على نصرة العاملين لها الحاملين لمشروعها كاملا جاهزا للتطبيق، بهذا فقط تؤدون حق الله عليكم وتردون للأزهر ومصر مكانتهم الحقيقية كدرع للإسلام وأهله.

يا خريجي الأزهر ورجاله وعلماءه: إنكم أولى الناس باتباع الحق وبيانه للناس بحمل ميراث النبي ﷺ دعوة صادقة لإقامة الخلافة التي توحد الأمة في دولة واحدة تحكم بالإسلام وتجعل لأحكامه واقعا عمليا مطبقا يراه الناس بعدله ورحمته التي وسعت كل البشر وحتى الطير والشجر والحجر، وحينها سنرى الناس يدخلون في دين الله أفواجا. اللهم عجل بها واجعل مصر حاضرتها، اللهم آمين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 كتبه سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر