مقالات اقتصادي

مصر وموجات جديدة من الغلاء ونهب ثروات الناس ومدخراتهم

موجة غلاء جديدة ضربت الأسواق المصرية في أعقاب قرار الحكومة الأخير زيادة أسعار المواد البترولية، والذي تضمن زيادة في سعر السولار، ما تسبب في ارتفاع تكلفة النقل، وبالتالي زيادة أسعار المواد الغذائية، ووسط شكاوى الناس من تداعيات الأزمة، انتشرت الشائعات التي تتوقع مزيداً من الغلاء حتما سيأتي قريبا على رغيف الخبز المدعم الذي لم يبق للناس غيره.

قلنا مرارا وسنكرر أن المواد البترولية شأنها شأن كل الثروات الدفينة هي من الملكية العامة أي حق أصيل من حقوق الناس لا تباع لهم حتى بأسعار مدعومة فضلا عن أن تكون مرتبطة بالأسعار العالمية، والنظام الذي يبيعها للناس ويتربح منهم خلال بيعها يمنحها للغرب وشركاته الرأسمالية بلا ثمن. فشركات التنقيب عن النفط والغاز والمعادن كلها شركات غربية رأسمالية عقودها ذات بنود سرية لا يعرفها ولا يطلع عليها الناس، بموجبها تسرق هذه الشركات جل ثروات البلاد وما تبقى ينهبه الحكام العملاء وبطانتهم ولا يتبقى للناس إلا ما يلقى من فتات يمنّ به الحكام عليهم، مدعين أن الشعوب هي سبب الأزمات وأن زيادة السكان هي التي تلتهم التنمية التي يأتي بها هؤلاء الحكام، في محاولات مستمرة لخداع الشعوب وإلقاء اللوم والمسؤولية عليهم جراء ما تعيشه البلاد من أزمات متلاحقة.

إن موجات الغلاء المستمرة التي يعاني منها أهل مصر تصحبها موجات أخرى من سرقة ثرواتهم وجهودهم ومدخراتهم عن طريق تمكين الغرب وشركاته من البلاد وثروتها وحتى أراضيها، ثم تلك القروض التي لا طائل منها ولا فائدة ترجى، وما يصحبها من قرارات وتوصيات تتحول لسياسات ينتهجها النظام تلتهم ما تبقى للناس من جهود وما يملكون من مدخرات، حتى صارت أكبر أعباء من يعيشون في مصر هي الفواتير التي تسدد للدولة والنظام من كهرباء ومياه وغاز، بخلاف رسوم المرور على الطرق والكباري الجديدة، حتى إن الضرائب وحدها تمثل ما يزيد عن 74% من دخل الدولة بينما يئن شعبها من الأزمات ويسارع حاكمها لرأب صدع إخوانه في كيان يهود بعقود لعشر سنوات مقبلة يشتري منهم الغاز الذي منحه لهم بمعدل واحد ونصف المليار دولار كل عام، بخلاف التضخم المستمر الذي يُفقد الناس مدخراتهم ويسرق ما تبقى من ثروتهم.

إن موجات الغلاء هذه هي نتاج طبيعي لتطبيق النظام الرأسمالي بأبشع صوره على أهل مصر وفي ظل وجود أدوات تنفيذه على الناس من الحكام الخونة العملاء الذين لا يرقبون في أهل مصر إلا ولا ذمة ولا تعنيهم أزماتهم، بل ما يعنيهم هو فقط رضا سادتهم في البيت الأبيض والحفاظ على مصالحهم وإبقاء البلاد في ربقة تبعيتهم إلى ما شاء الله.

إن كل المعالجات المطروحة لأزمات مصر لن تجدي نفعاً طالما بقي النظام الرأسمالي وأدواته في الواجهة وطالما بقيت لهم الكلمة وفي يدهم سياسة البلاد، فالرأسمالية أصلا لا تعالج أزمات بل هي السبب الحقيقي لكل المشكلات وهي الضامن الوحيد لبقاء الغرب مهيمناً على بلادنا ناهبا لثرواتنا وخيراتنا، ولهذا فأول خطوات الإصلاح الحقيقي لأزمات مصر والأمة يبدأ باقتلاع الرأسمالية وأدواتها ورموزها وكل منفذيها وما يتعلق بها وتنظيف البلاد من كل قذاراتها حتى تتطهر الأرض وتربتها من موروثات الفساد الطبيعي للتربة الرأسمالية، وهذا قطعا يحتاج نظاما جديدا بديلا مغايرا قادرا حقا على إصلاح المجتمع والنهوض به نهوضا حقيقيا يلمسه الناس ويشعرون بالفارق من اليوم الأول لوضعه موضع التطبيق وهذا لا يملكه إلا الإسلام بنظامه الرباني العدل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، نظام يراعي حاجات الناس جميعا ويرعى شؤونهم ويحفظ عليهم حقوقهم ولا يتربح منهم بل يكفلهم كفالة كاملة في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم، ويوفر لهم أمانا حقيقيا لا إرهاب فيه ولا خوف، ورعاية صحية حقيقية، وتعليما صحيحا على أعلى مستوى ممكن ودون تحميلهم أية أعباء.

هذا هو الإسلام ودولته التي تحافظ على ثروات الناس وتؤدي إليهم حقوقهم بلا فضل ولا منة، دولة ترعى وتعطي وتمنح ولا تتربح من رعاياها بل تطعم جائعهم وتكسو عريانهم وتكفل صغيرهم وكبيرهم، ورغم أن سعينا لتطبيق الإسلام نرجو من خلاله فقط إبراء ذمتنا أمام الله وابتغاء نيل رضوانه إلا أن نظرة بسيطة لما يقدمه الإسلام من معالجات تبين قوته كنظام وقدرته على النهوض بالبلاد، فيكفينا من الإسلام اعتماده الذهب والفضة كقاعدة للنقود ما يجعل لها قيمة ذاتية ويقضي على أي احتمالات للتضخم، كما وضع الملكية العامة وفرق بينها وبين الملكية الخاصة وملكية الدولة وجعلها تشمل كل الموارد الدائمية وشبه الدائمية ومنع الدولة من التصرف في منابعها بالبيع أو الإقطاع أو الهبة أو منح حق الامتياز، وإنما أوجب عليها أن تنتج الثروة من منابع تلك الموارد بنفسها أو بمن تستأجره لذلك مقابل أجرة محددة وتعيد توزيع الثروة الناتجة عن هذه الموارد على الناس جميعا على حد سواء لا فرق بين غني وفقير ولا مسلم وغير مسلم، فكلهم رعايا لدولة الإسلام ونظرتها لهم واحدة. وهذا غيض من فيض ما نسعى في حزب التحرير لإيجاده وتطبيقه في واقع الحياة، إننا نريد دولة نحيا بها وتحيا بنا ونعيش فيها وتعيش فينا، دولة تطبق الإسلام علينا وتحمله بنا للعالم بالدعوة والجهاد رسالة هدى ونور تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا ينقصنا في هذا السبيل إلا أنصار كأنصار الأمس يغضبون لله فتكون غضبتهم دولة تعز الإسلام وأهله؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة، اللهم عجل بها واجعل مصر حاضرتها اللهم آمين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 كتبه  الأستاذ سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر