تذرّع أوباما بهذا التنظيم بعدما طفى على سطح الصراع الدائر في العراق وسوريا وطغى بصورة مروعة، ودخل المنطقة ليمسك بالملف السوري بنفسه، بعدما تأكد لديه عجز عملائه المحليين عن إخماد ثورة الشام وإخضاع أهلها للحل السياسي الغربي، على غرار أخواتها في دول الربيع العربي. دخل أوباما المنطقة ليمسك بالملف السوري بنفسه ليحقق مصالحه، بعد أن يبرز الحاجة إلى تكوين جيش أرضي قوي من المعتدلين قادر على حسم الصراع في المنطقة تتولى تركيا المعتدلة قيادته لتكون بقوتها كدولة مؤهلة لمواجهة الكتائب والفصائل الجهادية على الوجه المطلوب، بدلًا من المعارضة المعتدلة في الداخل التي أعلن أوباما عن فشلها ملمحًا إلى ضرورة استبدالها بقوله: (إن تقديم أسلحة خفيفة أو حتى متطورة لمجموعات من المدنيين ليقاتلوا دولة بها ترسانة قوية وتمدها روسيا وإيران من خلفها ويقاتل معها حزب الله لن تكون أبدا ورقة رابحة).
لقد هيأت أمريكا الإعلام ليقوم بتضخيم تنظيم الدولة والإيحاء بأنه صاحب هذه الانتصارات المذهلة، وليقوم بتهميش دور العشائر والضباط البعثيين والنقشبندية الّذين شاركهم التنظيم في الثورة. وظن التنظيم أنه الطائفة المنصورة وأنه بإيمانه قد حرر البلاد، وبعزيمة رجاله قد غنم المال والعتاد، وأن الأرض باتت تدعوهم ليحكموها، والخلافة تنتظرهم ليعلنوها… وبعد أن أعلن التنظيم إقامته للخلافة الإسلاميّة غضت أمريكا عنه الطرف في بداية الأمر بقول ناطقها الرسمي بأنّ التنظيم “لا شيء”، وبعد فترة كافية لاستقوائه واستعلائه في الأرض حول أوباما اللا شيء إلى ذئب يقف على الباب على حد قوله، ثم ضخم الذئب إلى مستوى خيالي أسطوري حينما دعا إلى الاحتشاد الدولي الكبير ووضع استراتيجية طويلة الأمد، والاستعداد لحرب طويلة للوقوف ضده! فجعلته أمريكا بذلك ذريعة تُعمّي بها على الأمة عداوتها الشديدة للإسلام والمسلمين والجهاد والثورة والثائرين… حتى تضمن سكوتهم عن تدخلها السافر في شئونهم الخاصة. وذريعة تحفز الغرب بها على الاحتشاد معها لدخول المنطقة وإدراجها في مخططها العالمي، وذريعة تبرر بها تشويه الخلافة الحقيقية التي أصبحت مطلب الأمة ومطلب ثوارها في الشام، لكي تترك الأمة الثورة والعمل لها وتكف عن احتضان الحزب السياسي العامل لها.
وقد تعجّل بعض المسلمين بالاستدلال على أن خلافة تنظيم الدولة المعلنة هي الخلافة الإسلامية الحقة من مجرد إعلان التحالف الصليبي الوقوف ضدها، وأخذ موضع المفاضلة والاختيار بينهما رغم أنهما بميزان الشرع والواقع مذمومان ومرفوضان؛ فالتحالف الصليبي: كافر معتدٍ يجب كنسه من البلاد الإسلامية، والثاني: مسلم معتدٍ يجب كفه عن الإفساد.
وثمّة أمور متعاضدة تكشف عن العلاقة التي تربط بينهما – وليست بالضرورة أن تكون علاقة عمالة – فالتنظيم بمواصفاته الخاصّة يحظى بالنسبة لأمريكا بأهمية كبيرة في استراتيجيتها الشرق أوسطية، فهو في نظرها بمثابة الطريق المعبدة التي توصل إلى عتبة المخرج النهائي من تداعيات ثورة الشام المرعبة التي تؤرقها وتؤرق دول الغرب معها، كما وتؤرق حكام المنطقة العملاء الذين يرون عروشهم من استمرار الثورة فضلا عن تداعياتها في مهب الريح. ولذلك أفضى الأمر إلى دراسة المواصفات الخاصة التي أغرت أمريكا بالتخطيط لاستغلالها كذريعة لحشد التحالف الدولي لدخول المنطقة وطريقًا لتحقيق مآربها الخاصة.
وأوّلها: الفكر المدمر الذي يحمله تنظيم الدولة ويفرضه على الناس بحد السيف، يجعل الأمة خصمًا له وتحت سطوته… وهو المطلوب أمريكيا. فالتنظيم يؤمن بأن التغلب شرط في الولاية العامة، وأن طالب الخلافة يمكنه الوصول إليها بلا شورى ولا اختيار ولا بيعة من الأمة صاحبة السلطان في الإسلام. وهذه طريقة مبتدعة في دين الله تخالف الطريقة الإسلامية في الوصول إلى الحكم، ألا وهي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم التي سلكها هو نفسه بوحي من ربه لإقامة الدولة في المدينة. فطريقته بهذا هي الطريقة الشرعية الواجب على الأمة سلوكها اليوم.
فالأمّة في الإسلام هي صاحبة السلطان التي تملك أن تنيب بعد مشورتها من تختار بكامل إرادتها ليكون نائبًا عنها في تطبيق الإسلام داخل البلاد وحمله دعوته إلى العالم. ذلك لأن الخلافة في الإسلام عقد مراضاة واختيار بين الأمة من جانب وطالب الخلافة من جانب آخر، ولا يصبح طالب الخلافة بموجب ذلك خليفة بدون مشاورة الأمة ورضاها وبيعتها.
والبيعة التي أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم لحكم دولته لم يأخذها من أصحابه في مكة ليقيمها في مكة، بل أخذها من غيرهم من أهل المدينة ممن يملكون المنعة والقوة الذين سُموا بعد البيعة بالأنصار ليقيمها عندهم في المدينة. كما أنّه صلى الله عليه وسلم لم يأخذها من أرض يتصارع عليها الخصوم. بل أخذها في أرضٍ مستقرة يملك أنصاره زمامها. وبذلك تمكن الرسول من إقامة دولته، وتطبيق شريعته ورعاية رعيته، ونشر دعوته، وتحقيق الأمن والأمان لكل من يحمل تابعية دولته في داخل البلاد وخارجها، في دولة استجمعت مقومات إقامتها من قبل أن يشرع الرسول عليه الصلاة والسلام في إقامتها.
ومما لا شك فيه أن تنظيم الدولة هو تنظيم عسكري، وليس تنظيمًا عقائديًا سياسيًا، ولذلك فهو لا يملك تصورًا كاملًا دقيقًا عن الإسلام وأنظمته المختلفة، كنظام الحكم والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي ونظام التعليم وغيرها من أنظمة الحياة. وخذ مثلا نظرته لدولة الخلافة، فهي عنده محصورة في الحاكم والمفتي ولديهما شرطي وقاض وجلاد، ويرى أن الأمة ليست أكثر من محكومين له، وعليهم السمع والطاعة المطلقة لولي الأمر بوصفه ولي أمر. ونظرته لنفسه فهو معيار إيمان الناس وكفرهم وسلمهم وحربهم؛ فمن وافقه كان مسلمًا، ومن خالفه كان كافرًا أو مشركاً أو مرتدًا حلال الدم والعرض والمال!!!.
وبذلك أنشد منشدهم عقب إعلان الخلافة صارخا:
أخذناها بحد السيف قهرا أعدناها مغالبة وغصبا
أقمناها وقد رغمت أنوف وقد ضربت رقاب القوم ضربا
بتفخيخ وتفجير ونسف وجند لا يرون الصعب صعبا
وثانيها: إعلان التنظيم للخلافة الإسلاميّة:
فإن إعلان تنظيم الدولة إقامة الخلافة الإسلاميّة بغير طريقتها وحقيقتها الشرعية على الأمة، وهي تسعى تواقة لإقامة خلافتها الحقيقية على منهاج النبوة على أنقاض النظام البعثي الآيل للسقوط؛ يعد بمثابة حجر عثرة يلقى في مسار الأمة التحرري… وهو المطلوب أمريكيًا. فأمريكا ومن قبلها دول الغرب الكافر يدركون أنهم لم يتنفسوا الصعداء طوال تاريخهم الطويل المرير مع دولة الخلافة الإسلامية، إلا يوم أن تمكنوا من هدمها في بدايات القرن المنصرم، ويدركون أن عودتها الآن تشكل بالنسبة إليهم الطامة الكبرى التي تمحق وجودهم المحلي ونفوذهم الدولي، ويرون بأم أعينهم أن عودتها باتت وشيكة بتحول الأمة السريع عن الديمقراطية الغربية إلى الخلافة الإسلامية في ثورة الشام الأبية رغم عظيم كيدهم وبطشهم بها.
فلا غرابة والحال هذه، أن تلتقط أمريكا هذا الإعلان الزائف وتهيئ له أسباب الاستقواء والامتداد ليكون إضافة تدميرية قوية تصب في الاتجاه المعاكس لسعي الأمة ومشروعها الحيوي.

































