الأسئلة الأساسية
تخيل أنك نائم في قطار أثناء رحلة…
ماذا يحدث بداخلك عندما تستيقظ وتبدأ بالخروج تدريجيا من حالة النوم؟
من الطبيعي أن تتسارع إلى ذهنك أسئلة عديدة.
ستكون أسئلة تشبه ما يلي:
“أين أنا؟ من أين أتيت؟ لماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟”.
لو تفكرت قليلا… سواء أكنت في رحلة أم لم تكن… بعد نوم عميق أوفي كامل وعيك… لوجدت أن هذه الأسئلة راودت فكرك عديد المرات خلال مسيرة حياتك. بل إنها أخذت في بعض الأحيان بُعدا أوسع لتشمل “رحلة” الحياة بأكملها.
لو صمّمت بجدّ على أن تكون رؤيتك في الحياة أوضح، ستتشكل أمام عينيك سلسلة من الأسئلة المحيرة ذات علاقة بما سبق من التساؤلات، ستسأل نفسك مثلا: ماذا كنت قبل وجودي في هذه الحياة؟ من أين أتى هذا الكون؟ والذي أنا فيه مجرد عابر سبيل؟ ومن الذي يؤمّن بقاءه؟ ماذا ينتظرني بعد موتي؟ لا شيء؟ حياة أخرى؟ لو كانت هناك حياة أخرى فكيف ستكون؟ إلى آخره…
هل من الضروري الإجابة عن كل هذه الأسئلة؟ وهل لو بقيت من دون أجوبة سيكون الأمر مزعجا؟
لننظر أولا إذا كان مهمّا أن نجد لها أجوبة:
إن إعطاء الأولوية لموضوع على موضوع آخر أمر طبيعي. ولهذا نعتبر أن البقاء في صحة جيدة لسنوات طويلة أحسن من أن نكون كذلك ليوم واحد فقط. ومن ناحية أخرى يعتبر الطالب سقوطه في مادة واحدة أقل خطورة من سقوطه في جميع المواد.
ولنتساءل: هل الإجابة الصحيحة عن تلك الأسئلة هي أقل أهمية من النجاح في امتحان دراسي؟ هل هي أقل أهمية من أن نكون في صحة جيدة طوال حياتنا؟ أو لنقل بعبارة أخرى: ما مدى أهمية ما يترتب عن الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاث الأساسية؟
لنفحص معا ما يترتب عن الإجابة عن كل واحد من هذه الأسئلة.
لو عرفت من أين أتيت سأستنتج أنه يجب علي أن أشكر طوال حياتي المتسبب في وجودي… أو أن أعيش مع فكرة أن مصدر وجودي لا يمكن تفسيره جذريا. وهذان التصوران الأساسيان يدفعان نحو طريقتين مختلفتين جذريا للسير في الحياة! فلو عرفت من أين أتيت، سأعرف أيضا مصدر العالم المحيط بي لأن المسألتين مترابطتين، وبالتالي سأعرف بصفة أساسية ما يربطني بغيري من البشر والحيوانات والأرض والكواكب وما يميزني عنهم… فسلوكي مع كل ما يحيط بي سيتأثر جذريا بتلك المعرفة أو الإجابة.
وإذا عرفت إلى أين سأذهب بعد الموت، تلك البوابة إلى الزمن اللامحدود… وإذا عرفت كذلك سبب وجودي فسيكون بإمكاني أن أقرر إذا كان ما بعد الحياة يستحق أن أعمل له أو أن أتجاهله. فبالإجابة عن هذه الأسئلة سأتمكن من اختيار اتجاهي و طريقة حياتي بكل وضوح.
وبذلك نكون قد أتينا بأجوبة شاملة تصلح أن تكون علامات نسترشد بها لحل كل المشاكل الجزئية في الحياة اليومية. وبعبارة أخرى، الإجابة عن الأسئلة الأولية والأساسية، تعني:
– التحديد الدقيق للغاية من حياتنا وقيمتها الفعلية.
– معرفة ما هو أولوي ومصيري في الحياة وما هو ثانوي.
– تحديد مقياس ثابت للأفعال يمكّننا من تصنيف ما يوافق أو يخالف وجهة نظرنا في الحياة.
– ترسيخ أفكار أساسية تمكننا أن نستند عليها بثبات لكي نقيّم بوضوح الأحداث اليومية ومجرياتها.
بعد أن تعرفنا على أهمية ما يترتب على هذه المسائل الأساسية، هل نستطيع أن ندّعي أن هناك شيء أهم في حياتنا من حلّ هذه المسائل كلّها؟!
بالطبع لا! مهما كانت “خطورة” المشاكل في الحياة، فإنها تبقى دائما ثانويّة بالنّظر إلى مصدر وجودنا في مجمله ومكانتنا في هذا العالم ومآلنا بعد الموت.
والإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية ليس بالأمر الهيِّن، فيكفي ملاحظة كل التناقضات في الرؤى والأفكار الموجودة حولنا حتى نتنبّه لصعوبتها. إذًا فلا مناص من أن تكون الطريقة والأدوات في مستوى التحدي. سنركز إذًا أولا على صلاحية تفكيرنا وجودة دراستنا.
سيكون هذا موضوع الجزء القادم والذي سيهتم بالتمهيدات الأولية قبل الدخول في صلب الموضوع ألا وهو: الإجابة الصحيحة عن الأسئلة الأساسية أو حل العقدة الكبرى.


































