مقالات فكري

إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الجزء الثاني: صلح الحديبية

ج- معاهدة الحديبية:

أما معاهدة الحديبية فقد جاءت بعد مضي ست سنوات على هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من مكة، وبعد أن اطمأنّ إلى قوة المسلمين واستقرار المجتمع الإسلامي، حيث بدأ – عليه السلام – يفكر في مبادرة لنشر الدعوة، وتقوية الدولة، وإضعاف أعدائه. وقد بلغَ النبيّ أن مواطأةً تجري بين يهود خيبر وقريش يعدّون فيها لغزو المسلمين. فوضع – عليه السلام – خِطةً يوادع فيها قريشاً، ويقضي على خطر خيبر، ويتفرغ لدعوة العرب للإسلام.

أهداف الخطة: وضع – عليه السلام – خِطة للسلم لتحقيق أهدافٍ قريبةٍ وبعيدةِ المدى، كان أهمُّها الآتي:

1- قامت الخِطة على زيارة بيت الله الحرام دون قتال، لتحقيق نصرٍ مبدئيٍّ للدعوةِ في حال سمحت قريش بدخول المسلمين إلى مكة لأداء الحج، أو تحقيقِ نصرٍ سياسيٍّ دعائيٍّ في حال مُنِع المسلمون من زيارة بيت الله الحرام، التي تدّعي قريش تعظيمَه ورعاية حرمته.

2- هدفت الخِطةُ إلى تحييدِ قريش عن قتال المسلمين مدةً من الزمن، حيث كانت تمثل العدوّ الأبرز في محاربة الإسلام، والعائقَ الرئيس أمام انتشاره بين العرب، لما لقريش من مكانة دينية وعسكرية وتجارية بين قبائل العرب، ولكون النبي – عليه السلام – بُعِثَ فيهم، فهم قومُه لكنهم يحاربونه، وهم في نظر العرب أدرى به وبدعواه، فأهل مكة – عندهم – أدرى بشعابها!

3- هدفت الخِطة إلى عزل خيبرَ عن قريش، ومنع قيام تحالف بين مشركين وأهل كتاب، يتسلح بالدين وكتاب موسى – عليه السلام -. ومن شأن عزل خيبرَ أن يسهّل القضاء عليها منفردة ويقي المسلمين شرَّ يهود وتآمرهم وتحريضهم للعرب على حرب الإسلام.

4- وهدفت خِطة السّلم أيضاً إلى نشر الإسلام بين العرب في الدول المجاورة، حيث قصد – عليه السلام – إيجادَ رأيٍ عامٍ عند العرب كافة، ووسط قريش أيضاً، عن سموّ الدعوة الإسلامية وصدقها وتعظيمها لحرمات الله تعالى.

أساليب الخطة: هذا من حيث الأهداف. أما من حيث الأساليب فقد اعتمد – عليه السلام – الإجراءات التالية:

1- استغلّت الخطة العرف الإقليمي السائد لدى العرب بعدم القتال في الأشهر الحُرُم، وهو توقيتٌ هام يمثّل ضغطاً معنوياً على قريش لقبول الموادعة لكونها أشهر أمن وأمان، وإلا فإنها ستظهر بمظهر المعتدي الخارج عن الأعراف المقدّسة لدى العرب، والمنتهك لحرمة الأشهر الحُرُم والبيت الحرام وزائريه.

ومن شأن هكذا رأي عام ضد قريش أن يفقدها الدعم المادي والمعنوي والمكانة الدينية بين العرب، ما يمهّد لإضعافها وعزلها، فيسهل القضاء عليها.

2- أرسل – عليه السلام – إلى القبائل العربية من غير المسلمين يدعوهم للإشتراك معه في الخروج لبيت الله، آمنين غير مقاتلين، قاصداً بذلك إعلام العرب أنه خرج حاجاً وليس غازياً، ما يزيد في إحراج قريش كي لا تمنعه من دخول مكة، سعياً منه – عليه السلام – لإنجاح خِطة السّلم، ولكي يكسب الرأي العام معه فيما لو منعته قريش من الحج.

3- لم يأذن النبي – عليه السلام – للمسلمين بحمل السلاح إلا السيوف في أغمادها، وساق معه سبعين بَدَنة، وأحرم بالعمرة، في رسالة واضحة للرأي العام أن المسلمين خرجوا لزيارة بيت الله الحرام، مسالمين يقصدون العبادة لا القتال.

وعندما علمت قريش بقدوم المسلمين، خرجت بجيش لقتالهم ومنعهم من دخول مكة، إلا أنه – عليه السلام – أصرّ على مواصلة خِطة السّلم التي اختطها للدعوة، فغير وجهة السير كي يتجنب ملاقاة جيش المشركين. وعندما وصل النبيّ والمسلمون إلى الحديبية باشر اتصاله بقريش للتفاوض حول الموادعة، وقام بنشرِ أجواء العبادة بين المسلمين، كي يُظهر لمفاوضي المشركين صدقَ نيّتِهِ في زيارة البيت والموادعة، وأنه لم يأت لقتال.

وبعد مفاوضات شاقّة، تمكّن – عليه السلام – بحكمته وحنكته السياسية من إرغام قريش على عقد المعاهدة لمدة عشر سنين، وأدار المفاوضات نحو الغاية التي أرادها، على الرغم من استياء أصحابه، رضوان الله عليهم، من شروط المعاهدة التي اعتبروها مجحفةً بحقّ المسلمين. إلا أنه – عليه السلام – كان يردّ عليهم بثقةٍ واطمئنانٍ لوعد الله، فيقول: ((أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني)) [رواه البخاري] وقد نصت المعاهدة على البنود التالية:

1- أن تكون المعاهدة معاهدة هدنة، فلا يكون فيها حرب ولا قتال.

2- إن من أسلم من قريش وجاء محمداً بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن ارتدّ من المسلمين وجاء قريشاً لم يردّوه عليه.

3- وإنه من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه.

4- أن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا، على أن يعودوا إليها العام الذي يليه، فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في قُرَبها ولا سلاح غيرها.

5- أن تكون المعاهدة مؤقتة بأجلٍ معين، وجعلت مدتها عشر سنين من تاريخها. 

نتائج المعاهدة:

وبعد عقد المعاهدة أنزل الله -تعالى- سورة الفتح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح 1].

فتلاها الرسولُ على المسلمين من أولها إلى آخرها، وبشّرهم بالفتح وظهور الإسلام على الشرك. وقد تحقق ما أراد – عليه السلام – من خطته، فقد نتج عن معاهدة الحديبية خير كثير، أبرزه الأمور التالية:

1- إفشال الحلف بين قريش واليهود.

2- عزل يهود خيبر وحصارهم وإخضاعهم لحكم الإسلام ومصادرة أراضيهم.

3- ظهرت قريش أمام العرب أنها تصدّ عن سبيل الله، وقويَ موقف المسلمين دعوة ودعاية.

4- مكّنت المعاهدة المسلمين من الاتصال المباشر بالمشركين من قريش والعرب بعيداً عن أجواء الحرب والدماء، فلمسوا عبادة المسلمين بعيداً عن دعاوى زعماء مكة، ما ساعد على إظهار الفكرة الإسلامية في ذلك الحشد العظيم، اجتماع الحج، وأوجد رأياً عاماً في مكة وسائر قبائل العرب أن الإسلام هو رسالة التوحيد، وأن النبي والمسلمين هم الأولى بتعظيم بيت الله الحرام، وأنهم على ملة إبراهيم – عليه السلام -، حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، وأن المسلمين هم أولياء البيت المتقون.

5- جعلت المسلمين الذين ظلّوا في مكة بين أظهر المشركين يشكّلون جيباً داخل معسكر العدو.

6- أسلم من قريش رجال من أهل القوة والنفوذ، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، – رضي الله عنهما -، وكانا من قادة جيش المشركين، وعثمان بن طلحة حارس الكعبة. حتى أن بعض العلماء، كالإمام الزهري وابن القيّم في زاد المعاد، ذكروا أن عدد من أسلم من أهل مكة خلال سنتين فترة سريان المعاهدة كان أكثر ممن أسلم طوال السنين الماضية، وأنه لم يخاطب ذو عقل إلا دخل الإسلام، وهو ما قوّى شوكة المسلمين، وأضعف شوكة مشركي قريش.

7- كشفت الواقعة عن ثقة المسلمين بالرسول – عليه السلام -، ودلّت على قوة إيمان المسلمين وشدّة إقدامهم على المخاطر، وأنهم لا يخافون الموت.

8- علّمت المسلمين أن المناورات السياسية هي من وسائل الدعوة الإسلامية.

9- تمكّن – عليه السلام – من استغلال فترة الصلح لتثبيت الدعوة في الجزيرة، ونشر الإسلام بين العرب والعجم على مستوى الدول، حيث أرسل – عليه السلام -، بعد عقد الحديبية، رسلَه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والانضواء تحت سلطانه. فأرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس وملك تخوم الشام وملك اليمن، وإلى نجاشي الحبشة، وإلى ملوك عُمان واليمامة والبحرين.

10- بيّنت واقعة الحديبية طريقة الإسلام في السياسة بأنها من جنس الفكرة الإسلامية، صدق ووفاء عهد. لكن الوسيلة لا بد أن يتمثل فيها الدهاء، وهو إخفاء الغايات الحقيقية عن العدو.

وصدق الله – تعالى- حيث يقول في سورة الفتح: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح 27-28].

وهكذا كانت خِطة الحديبية في واقعها وآثارها فتحاً مبيناً، ونصراً عزيزاً للإسلام ودولته، وطريقاً ممهِّداً لتركيز الإسلام في الجزيرة، ونشر الدعوة خارجها، ومكّن المسلمين من مغالبة الدول الكبرى، ورفع دولتهم الإسلامية لاقتعاد مكانة الدولة الأولى في العالم.