مقالات اقتصادي

الأزمات الاقتصادية بين الإسلام والرأسمالية (الجزء الثالث): الملكية بين الإسلام والرأسمالية والحل الجذري

بقلم الدكتور ياسر صابر، مفكر إسلامي وباحث اقتصاد

إن شكل الملكية والطريقة التى يتم تملك المال على أساسها فى النظام الرأسمالى لاتساهم فقط فى حدوث أزمات اقتصادية، بل تزيد الأزمات تأزماً. فبينما حصرت الاشتراكية الملكية فى الدولة وحرمت الأفراد منها، جاءت الرأسمالية لتقول بحرية التملك، فأباحت للفرد أن يتملك مايشاء، لذلك طغت الملكية الفردية على هذا المبدأ، بل يمكن القول أن الملكية الفردية هى النوع الوحيد الذى يعرفه المبدأ الرأسمالى، إذا وضعنا فى الاعتبار أن ما يندرج تحت القطاع العام يجوز أيضاً للأفراد تملكه، وهذا يعنى أن الفرد يمكن أن يتملك ماهو في الأصل حق للجماعة مثل آبار النفط ومصادر الثروة، كما يمكنه أن يتملك الطرق والجسور ويؤجرها للناس إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

وإذا دققنا النظر فى شكل المُلكية فى هذا النظام ندرك أن سوء التوزيع للثروة هو الغالب عليه، لأن من يستطيع أن يتملك ماهو حق للجماعة، يستطيع أن يمنع من يشاء من الوصول إليه، لأنه صاحب سلطان على ما يملك، وهذا يعنى أن حيازة الثروة ابتداءً لا تتوقف على حاجة الناس إليها، بل على قدرتهم على تملكها، أو بكلمات أخرى سيصبح الغنى هو القادر على تملك مزيد من الثروة، فى حين أن الفقير المحتاج لن يتمكن من التملك فيزداد فقراً، وهذا يؤدى إلى تركز الثروة فى أيدى فئة قليلة من الناس دون غيرهم، مما يعنى زيادة فقر الأفراد.

وفى إبان الأزمة الاقتصادية عام 2008 أدرك ساسة الغرب هذه المشكلة فسارعوا إلى مسألة التأميم مع أنها غريبة على المبدأ الرأسمالى، ولكن دفعهم إلى ذلك محاولة إنقاذ مايمكن إنقاذه حتى يعيدوا بعض الثقة إلى الناس التى تتعامل مع المؤسسات المالية التى تم تأميمها وبالتالى الحيلولة دون الإنهيار الكامل للنظام.

وبالإضافة إلى النظام النقدى والنظام الربوى وشكل المُلكية فى النظام الرأسمالى، تأتى أسباب أخرى غير مباشرة تؤدى إلى حدوث أزمات اقتصادية ونذكر منها وجهة النظر فى الحياة، فالنظرة للحياة التى يحملها أصحاب هذا المبدأ، أن الحياة هى دار متعة، والسعادة فيها هى نوال أكبر قدر ممكن من المتع الحسية “وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” (الجاثية 24)، فالناس تندفع اندفاعاً للإنفاق على كل مايظنونه مصدراً للسعادة، ويتحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكى أكثر منه إنتاجى مما يؤدى إلى عجز فى ميزانهم التجارى ويزيد من ديونهم، وعلى سبيل المثال الدولة الأولى فى العالم والتى جعلت من عملتها مقياساً لكل العملات ولكل السلع والخدمات التي تُتَداول عالمياً، وهى الولايات المتحدة الأمريكية، قد وصل العجز التجارى فيها عام 2008 إلى 816 مليار دولار، أى أن هذا المجتمع أصبح يستهلك ما يزيد عن إنتاجه بما يساوى هذا الرقم.

هذه هى الأسباب الهامة التى تؤدى إلى حدوث أزمات اقتصادية، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن هذه الأزمات يحملها المبدأ الرأسمالى فى أحشائه، فهى ملازمة له وجوداً وعدماً ولايصلح معها ترقيع هنا وترقيع هناك لأن هذه الترقيعات ماهى إلا معالجة لأعراض المرض، أما المرض الأساس فهو فى المبدأ الرأسمالى نفسه، وفى هذا السياق يقول روجر تيري في كتابه المعنون بـ “جنون الاقتصاد”: (يعرف الأميركيون أن هناك خطأ ما في أميركا، ولكنهم لا يعرفون ما هو، ولا يعرفون لماذا ذلك الخطأ، والأهم من كل ذلك فهم لا يعرفون كيف يصلحون ذلك الخطأ، وكل ما بإمكانهم هو الإشارة إلى أعراض المرض فقط … وفي الحقيقة فإن بعض ما يسمى حلولاً يزيد الطين بلة، ذلك أن تلك الحلول تحاول أن تغير نتائج النظام دون تغيير النظام الذي أفرز تلك النتائج … إن المشكلة لا تكمن في كيفية تطبيق نظامنا الاقتصادي، فنظامنا الاقتصادي بعينه هو المشكلة. إن الخطأ هو في التركيبة الأساسية لنظامنا الاقتصادي، ولن تكون الحلول الجزئية وتضميد النتائج حلاًّ يذهب بالمشاكل، إذا أردنا الوصول إلى مُثُلِنا فيجب اقتلاع المشاكل من جذورها لا بقصقصة بعض الأوراق، وعلينا أن نحاكم الأسس والافتراضات كلَّها التي تسيِّر نظامنا وكشفها كما هي على حقيقتها).

 الإسلام والحيلولة دون الأزمات

إن الإسلام قد حال دون وقوع مثل هذه الأزمات الناتجة عن النظام النقدى لأن الإسلام قد حدد النقد فى الدولة بالذهب والفضة، ولا يجوز للدولة الإسلامية أن يكون نقدها إلا ذهباً وفضة. فالإسلام حين نهى عن كنز المال قد خص الذهب والفضة بالنهى، مع أن المال هو كل ما يُتمول به وليس محصوراً فى الذهب والفضة، مما يدل على أن النهى الذى ذكرته آية الكنز هو نهى عن كنز النقد. ويدل على ذلك أيضاً أن الإسلام قد ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة كحد القطع أو الدية أو زكاة النقد ونصابها. لهذا فإن نظام النقد فى الدولة الإسلامية يحول دون وقوع مثل هذه الأزمات ويجعل الدولة مستقرة اقتصادياً، ولو أضفنا إلى ذلك تركز ثروات العالم فى بلاد المسلمين ندرك أن المسلمين بيدهم التحكم بأمريكا والدول الاستعمارية الأخرى المتسلطة على بلاد العالم، بل بيدهم إسقاطها وإسقاط النظام الرأسمالى الذي أدى إلى شقاء البشرية برمته، وهذا دون اللجوء إلى حروب، بل بمجرد إقامة دولة مبدئية تتخذ الذهب والفضة نقداً لها.

أما ما يتعلق بالربا فإن الإسلام لم يحرم الربا فقط بل توعد آكله وموكله بحرب من الله ورسوله، ووصف القرآن من يتعامل بالربا كالذى يتخبطه الشيطان من المس: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ” (البقرة 275) . ولم يكتفِ الإسلام بتحريم الربا، بل فرض النظام الذى يحول دون حدوثه، فقد أوجب على الدولة أن تسد حاجة رعاياها من أجل العيش، أما من يحتاج للمال من أجل استثماره فقد ندب الإسلام إقراض المال دون ربا، فقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة“، ثم أتى الإسلام بأحكام الشركات وبين الطرق الشرعية التى يتم بها تنمية المال.

إن المجتمع الذى يُطبق فيه الإسلام لا توجد فيه حاجة للربا، وبالتالى تتلاشى الأسباب التى تؤدى إلى أزمات اقتصادية، وإن كان الغرب قد وصل الآن إلى تشخيص المشكلة عنده بأنها هى النظام الربوى، إلا أنه لم يهتدِ للحل بعد، وفى انتظار من يحمله له، وهذا لن يكون إلا بدولة تقوم على أساس العقيدة الإسلامية وبالتالى تطبق النظام الاقتصادى المنبثق عن هذه العقيدة فيظهر أثره فى المجتمع الإسلامى وبالتالى نقدمه للغرب كبديل لرأسماليته الظالمة.

أما مايتعلق بالملكية فقد حال الإسلام دون حدوث أزمات تنتج عن التصور الخاطىء لها، فالإسلام لم يمنع الفرد من التملك كما فعلت الإشتراكية، وأيضاً لم يطلق العنان للإنسان ليتملك أي شيء وكيفما شاء كما فعلت الرأسمالية، بل جعل التملك حقاً للإنسان وحدد له أسبابًا يتملك بموجبها وأنواع ما يجوز له تملكه، ولم يحدد له كمية مايتملكه. والإسلام قد صان حق الجماعة فجعل كل ما تتفرق الجماعة فى طلبه وكل ماهو من مرافقها، جعله ملكية عامة وصانها من تعدى الأفراد عليها، وأوجب على الدولة إدراتها وإنفاق وارداتها على الجماعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون شركاء فى ثلاثة: فى الماء والكلأ والنار”  رواه أحمد وأبو داوود. أما الدولة فقد جعل الإسلام لها ملكية خاصة بها هى ملكية الدولة، وبها تستغني الدولة عن فرض الضرائب الدائمية على رعاياها، ومما هو معروف أن بيت المال فى الدولة الإسلامية قد زاد به الخير حين طبقت الدولة الإسلام وحملته رسالة هدى ورحمة للعالمين، فاستغنت الدولة عن الإقتراض وبالتالى كانت صاحبة سيادة حقيقية.

أما مايتعلق بالنظرة إلى الحياة فقد اعتبر الإسلام السعادة هى نوال رضوان الله “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (القصص 77)، واعتبر الإسلام الحصول على المال وسيلة لإشباع الحاجات ونهى عن تملكه من أجل التفاخر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً، وسعياً على أهله، وتعطفاً على جاره، جاء يوم القيامة وجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالاً، مفاخراً، مكاثراً، مرائياً، لقي الله وهو عليه غضبان، رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه.

هذه هى الرأسمالية، نتاج العقل البشرى ومانتج عنها من أزمات، وهذا هو الإسلام تشريع رب العالمين وما أتى به من حلول لمشاكل الإنسان، وها نحن اليوم نرى البشرية تتخبط فى دياجير الظلام ولامنقذ لها إلا ما نزل به الوحى قبل أربعة عشر قرناً من الزمن، وهذا لن يكون إلا بإقامة دولة الإسلام التى تباشر من يومها الأول تطبيق ما نزل به الوحى، وحمله رسالة هدى ورحمة للعالمين، فنخرج به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام.

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (التوبة 109)