مقالات فكري

خواطر إيمانية (2) كيف نجيب عن الأسئلة الأساسية؟

الصواب والخطأ

أيا كانت المسائل بسيطة أو صعبة مثل العقدة الكبرى أو الأسئلة الأساسية فالسلاح الوحيد لمجابهتها هو قدرتنا على التفكير، فبه نتقدم في الحياة وذلك بحل المسائل العديدة التي تعترضنا في معيشتنا اليومية لكي نتمتّع بحياة هنيئة، فالتفكير يجنبنا الخوض في مسارات غير مأمونة العواقب أو مشاريع فاشلة. ولهذا وجب علينا وضع كل قدراتنا العقلية للإجابة عن الأسئلة الأساسية وحل العقدة الكبرى حلا جازما و نهائيا حتى نعيش باطمئنان غير خائفين من المصير المحتوم الذي هو الموت.

والطريق إلى الحقيقة إنما يمر عبر الواقع المادي الملموس في هذه الحياة ولا يمر أبدا عبر الخيال والتخمين كما يتوهم البعض.

لنذكِّر أولا بالمفاهيم الأساسية التي ينساها البعض وتؤدي بهم إلى متاهة يصعب الخروج منها. نحن هنا نبحث عن الحقيقة والصواب ونستبعد كل ما هو خطأ أو غير حقيقي، ومن البديهي في كل المجالات أنّ التمييز بين فكرة صحيحة وأخرى خاطئة، بعد مجابهتها بالواقع المحسوس الذي نعيش فيه، هو مطابقة الفكرة الصحيحة للواقع. لنضرب مثلا بسيطا هنا: “الخشب يطفو على الماء”، هذه فكرة تحمل حكما على الواقع المحسوس، ولكي نصنّفها في خانة الأفكار الصحيحة أو الخاطئة يكفي أن نجابهها بالواقع، أيّ أحد يمكنه ملاحظة صحّة هذه الفكرة بمجرد وضع قطعة خشب في الماء، بينما فكرة “أن الماء يغلي على 40 درجة مئوية” خاطئة، فلو وضعنا ميزانا حراريا في ماء يغلي لكانت قراءتنا 100 درجة مئوية. وقس على ذلك جميع الافكار، اقتصادية كانت أو تاريخية أو سياسية.

أما الخيال والتخمين فإنه يوصلنا إلى نتائج ممكنة أو مستحيلة، وإن انطلقت من أفكار صحيحة وواقعية ولكن بطريقة الاستنتاج المجرد غير مأمون الصحة، فبتصور النسر وهو يطير  عاليا في السماء، وهذا طبعا معقول، نستطيع أيضًا أن نتخيل هذا النسر وهو يطير في الفضاء الخارجي للأرض، حيث تنعدم الجاذبية ولا وجود للأكسجين، ولكن هذا التخيل واقعيا مستحيل الحدوث فهو خطأ…، لذلك فخلافا لما يدّعيه الكثيرون فإن الخيال والتخمين لا يوصلان إلى الحقيقة لإمكانية تسلل الأفكار الخاطئة المخالفة للواقع بسهولة إلى خيال الإنسان، فتفسد بالتالي كل الأفكار المستنتجة من الفكرة الأولى والصحيحة بداية.

وكذلك لا يجب السماح للعواطف أن تشوّش أو تربك عملية البحث عن الحقيقة لإمكانية الميل بشدة لفكرة خاطئة، مثل الاعتقاد بدوام الشباب أو التنكّر لحقيقة واقعية مثل إصابة أحد المقربين إلينا بمرض خطير، فلا يجب إذًا السماح للمشاعر العاطفية بالسيطرة على عقولنا لدرجة إنكار الحقائق الملموسة.

هناك عامل آخر يمكن أن يكون عقبة في طريق بحثنا عن الحقيقة ألا وهو البيئة الاجتماعية، فيمكن أن تكون للمحيط الاجتماعي القريب منا كالعائلة مثلا، أفكار خاطئة على موضوع أو مسألة، وترفض تقبّل فكرة، مخالفة لأفكارها، رغم صحتها، والمجتمع برمته يحاول التأثير على أفراده حتّى يتبنّوا تصوراته وآرائه بقطع النظر عن صوابها أو خطئها.

خلاصة القول أنّ الكثير من الأشواك والحواجز تعترض الباحثين عن الحقيقة وعلينا أن نتفادى كل هذه المعوقات بالجد والحزم في عمليتنا الفكرية.

ونظرا لأهمية الجواب الصحيح عن الأسئلة الأساسية أو حل العقدة الكبرى كان لا بد من استعمال أرقى مستويات التفكير، ولتحقيق هذا الهدف، وكذلك استكشاف وتفادي الأخطاء أو انسداد السبل أمام العملية الفكرية، كان لزاما أن نعرّف العملية الفكرية بجميع مكوناتها الجزئية وطريقة عملها، وبذلك نضمن السير الصحيح للتفكير ونتجنّب الأحكام المسبقة، ثم نستعرض ونقارن مختلف مستويات التفكير حتى نستعمل أرقاها للبحث عن الحقيقة المنشودة، والإجابة الصحيحة والجازمة عن الأسئلة الأساسية وحل العقدة الكبرى نهائيا.

لنذكّر أولاً بالدّور المركزي للتفكير في حياة الإنسان.

الأهمية القصوى للتفكير في حياة الانسان

لم يتفوق الإنسان على الحيوانات والنباتات والجمادات إلا بقدرته على التفكير، فباستعمال العقل يتصرّف الإنسان في حياته ويرتقي. يرسم مستقبله باتخاذ بعض التدابير، فيرفض ما يحدده عقله من قرارات خاطئة ويتمسك بما أرشد إليه عقله من صواب القرارات، ومن ناحية أخرى فالتاريخ والهندسة المعمارية والرياضيات والميكانيكا والإلكترونيات والبيولوجيا والطب، الى آخره… هي أنشطة متعددة المنافع نشأت من عملية عقلية مركّزة ودقيقة فكان من حق الإنسان أن يتميّز بمثل هذه الثمرات، لقدرته على التفكير. وبالنظر للحياة الإنسانية من حولنا نجزم أن التفكير المثمر يلعب أهم الأدوار في حياة الإنسان بل الإنسانية جمعاء. وبصفة عامة، وبناء على ما تقدم فالإهتمام بطبيعة النشاط الدماغي وفهم آلياته المختلفة أمر في غاية الأهمية.

والطريقة التي تجري بها العملية الفكرية ومقوماتها وأنواعها ومستوياتها ومدى قدرتها وفعاليتها وحدودها، لها تأثير مباشر على مدى فعالية البحث عن الحقيقة أو الآراء الصحيحة في مواجهة مشاكل الحياة.

بداية، لنصف بوضوح العملية الفكرية في حد ذاتها وبعبارة أخرى لنجيب عن هذا التساؤل: “ماذا يحدث بداخلي بين الاستعداد للحكم على أمر ما، والإصدار الفعلي لهذا الحكم”.

وبالفعل لو فصّلنا مكونات الفكر الجزئية لوجدناها لا تتعدى الأربعة والحلقة التالية ستهتم بتفاصيل هذه المكونات الجزئية للفكر.