يتهرب الكثيرون من التسليم بالحقائق القطعية، قائلين تلك الجملة النمطية الجاهزة: “إن كل حقيقة هي نسبية”. يريدون القول أن الفكرة يمكن أن تكون صائبة ولكن الفكرة المناقضة لها ربما تكون صحيحة أيضا.
وللبرهنة على هذا الموقف سيلجئون دون تردد إلى أمثلة من العلوم التجريبية، حيث الكثير من المبادئ العلمية التي كانت معتبرة خاطئة في الماضي هي صحيحة ويعمل بها الآن والعكس صحيح أيضا. هذا الرأي الخاطئ يحمله الكثيرون ممن يعتمدون على قاعدة الحل الوسط لحل جميع مشاكل الإنسان. والحل الوسط يفهم منه إيجاد توافق بين الأفكار التي يمكن أن تكون متناقضة تماما. بينما البحث عن الحقيقة الخالصة لا يقبل بالتوافقات: فالتسليم بـ “أنا موجود” كحقيقة، ثم التسليم بالعكس “أنا غير موجود” كحقيقة أيضاً، شيء لا يقبله عاقل. لا يمكن أن نجد حلا وسطا بين ” أنا موجود” و”أنا غير موجود”. واحدة من هاتين الفكرتين خاطئة قطعا! إذًا، فالأمثلة التي تدل على أن الأفكار ليست نسبية لا تحصى ولا تعد وهي بالتالي لا تخضع للتوافقات أو الأهواء. “أنا موجود”، “الكون موجود”، “الشمس تأتينا بالدفء”، “الريح يحرك السحاب”، “الإنسان يموت”، “الناس يأكلون”، إلى آخره… هذه حقائق مطلقة ولا تدع مجالا للشك في خطأ الأفكار المناقضة لها.
أما الرأي بعدم وصول كل الأفكار إلى درجة الجزم القاطع بصحتها، فهذا صحيح قطعا. رغم أن الأمر يستوجب التوقف عنده وتمعّن النظر فيه حتى يتسنى لنا ترتيب مختلف الأنواع الفكرية. فالفكر الذي يحصل دائما على درجة الجزم القاطع يتعلق بوجود الشيء أو الظاهرة من خلال الإحساس بما يدل عليها. أما التحديد الدقيق لطبيعة الشيء أو الظاهرة يمكن أن يتسرب إليه الشك. لنأخذ مثلا، الطارق الذي بباب بيتك، مجرد سماع هذا الطرق المتكرر على الباب يمكّنك من الجزم القاطع أنّ هناك مصدرا أو سببا لهذا الصوت وهو الطارق على الباب. أنت إذًا تجزم قاطعاً بوجود الظاهرة المنتجة للصوت وهو الطارق. ولكنّك بطبيعة الحال غير متأكد من طبيعة أو ماهية هذا الطارق: هل هو صديقك، عون البريد، شخص لا تعرفه، إلى آخره…، هذه الملاحظة يجب أن تكون حاضرة دائما في أذهاننا عند دراسة أي ظاهرة. فالدراسة يمكن أن توصلنا إلى الجزم القاطع بوجود الظاهرة مع وجود شكّ بطبيعتها أو ماهيتها. ولا يجب أن يسبب لنا هذا أي قلق لأنه لا يوجد فيه تناقض ونجده حتى في أبسط الحالات كالطرق المتكرر على الباب.
المادة والنظام
الآن، وبعد أن بيّنا بعض المحددات والضوابط للعملية الفكرية، لنركز كل طاقتنا الفكرية للإجابة الجازمة عن الأسئلة الأساسية. فمن أين نبدأ؟
سنتوقف عند أمر جزئي وبديهي جدا: نحن نعيش في عالم من النظام. فمنذ أن رأينا النور نلاحظ عالما خاضعا لكمية هائلة لا تحصى من القوانين الطبيعية. نحن بأنفسنا نخضع لأنواع عديدة من القيود تولد فينا شعورا بالضعف – بل هو الضعف بعينه وليس شعورًا فحسب، فعلا، هذا النظام يرسخ فينا صفات الكائن الضعيف وكذلك كل ما يحيط بنا لا يخرج عن تلك الصفة. النظام واضح في المادة، ونحن جزء منها. فهي تخضع مثلا لقانون الجاذبية. ومن بين الكثير من نتائج هذا القانون نلاحظ أن الإنسان، الحيوان، الماء، المعادن، …إلخ، تنجذب إلى مركز الأرض. ومن ناحية أخرى، فهذا القانون ينتج تجاذبا بين الأرض والقمر يترتب عليه أمور منها دوران القمر حول الأرض مع دورانه حول نفسه، والجاذبية التي يمارسها القمر على الأرض تنظّم ظاهرة المد والجزر. وكذلك الجاذبية بين الأرض والشمس تجعل الأرض تدور حول الشمس مع دورانها حول نفسها منتجة توالي الليل والنهار. هذه الآلية تعمل باستمرار ودقة وفعالية منقطعة النظير. حسب معطيات دقيقة جدا: تدور الأرض حول نفسها، في 23 ساعة 56 دقيقة و4 ثوان، محددة اليوم، وتدور حول الشمس، في 365,2422 يوم، محددة السنة. علماء الفلك متفقون على أنّ أيّ انحراف بالنسبة لهذه المعطيات الدقيقة سينتج سلسلة من التفاعلات ستغير من تركيبة المنظومة الشمسية إلى الحد الذي تستحيل معه الحياة.
ولو نظرنا لأي شيء في هذا العالم أو الكون مهما كبر أو صغر، سنجد حضورا دائميا وتناسقا تاما للقوانين المفروضة عليه. الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وإنسان يحتاجون للغذاء. هناك حلقات من الآليات الكبيرة والمعقدة تؤمن استمرارية هذه الكائنات عبر الماء والأرض. يساق الماء، بعد تبخره، في شكل سحاب ويعاد توزيعه على مساحة الأرض في شكل مطر أو ثلج. هذا الماء يوصل العناصر المغذية الضرورية لنمو النباتات. الحيوانات العشبية يمكن أن تأكل النباتات، وهي بدورها يمكن أن تُفترس من طرف الحيوانات آكلة اللحوم لتتم بذلك الحلقة الغذائية. ولو نظرنا إلى أنفسنا سنجد أنّنا نخضع لقانون الحياة والموت. لا أحد فينا اختار أن يوجد في هذه الحياة ورغم ذلك ولدنا وعشنا في هذه الحياة وارتبطنا بها. من ناحية أخرى لا أحد يستطيع منع الموت المحتوم. ومر جسمنا من مرحلة الضعف للرضيع إلى مرحلة القوة النسبية للكهل ويعود للضعف الشديد حين الهرم، وكل هذا رغما عنا. نتألّم من شدّة الحر أو البرد. نصاب بأمراض مزعجة، نحس بالتعب بعد الجهد الكبير. وهذه أيضا قوانين تمثّل حدودا لا نتخطاها وتبعية لا يمكن التخلص منها بيننا وبين بيئتنا التي نعيش فيها. ما ذكرناه لا يتعدى بعض الأمثلة، ونستطيع أن نذكر ما لا يحصى من الأمثلة التي تتّحد كلها في إثبات هذه الحقيقة: إنّنا وكل شيء يحيط بنا نخضع لنظام أو آلية مكوّنة من عدد لا يحصى من القوانين.
لاحظوا بأن المسار البحثي الحالي يعتمد بالفعل على الفكر المستنير. بحيث لا ينحصر تفكيرنا على جزء من العالم المحسوس، بل يتجه نظرنا إلى العديد من المواضيع التي تنير وتكشف بعضها البعض.
ما هو إذًا سبب هذا النظام المعقد والمتناغم والرائع؟ سنجيب على هذا السؤال بشكل منهجي في الحلقة المقبلة.


































