أيها الأهل في مصر الكنانة!
أنتم من حققتم ثورة 25 يناير المباركة، فثرتم على الظلم والجبروت، فحققتم بذلك أروع الأمثلة لجميع الأمم والشعوب، فأثبتم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لابد وأن تزمجر وتقول لا للظلم وللظالم، وإلا سيُتودَع منها كما أخبرنا الصادق المصدوق عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فأنقذتم أمة الخير من الاستبدال بعد أن طالت فترة الحكم الجبري دون سماع صوتكم.
دعونا نتكلم بكل صراحة لنمسك بالداء ونضع له الدواء. إن إختيارنا لمرسي ليكون رئيسا،ً ثم المطالبه بعد ذلك برحيله، يدل على أننا سوف نختار رئيساً جديداً من بعده، وسوف نطالب برحيله مرةً أخرى. إذاً فالخطأ الذي نقع فيه دائماً سببه هو معرفة الحق بالرجال. والأصل أن نعرف الرجال بالحق (فلا يجوز شخصنة الحق). يقول أعز من قائل في كتابه: (الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ). فلا يخرج علينا سياسي أو مفكر أو قيادي ويقول إنني أرى وأرى.. بل يجب أن يقول الله سبحانه يأمرنا بكذا وكذا، وعندها يمكننا أن نسمع له و نطيعه.
ومن هنا يجب تحديد هُويتنا أولاً هل نحن فراعنة أم عرب أم مصريون أم مسلمون؟! فالإجابة هي التي سترسم مستقبل مصر. لأنه بدون هُوية لن تتوحد الحلول وسيكون نظاماً مترَهِّلاً غير متماسك. إن قلنا نحن فراعنة فقد انتهت حضارتهم التي كان الناس فيها عبيداً لفرعون، أي كان دكتاتوراً ومستبداً، فكان الفرعون يسخّر الناس، كل الناس، ليبنوا له قبره، فهل نحن نريد استرجاع حضارة بعد آلاف السنين من سقوطها؟ ولماذا؟ لنبقى عبيداً للحاكم مرة أخرى؟! وإن قلنا نحن عرب، فقد قال فيهم ربيعي بن عامر: (كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً)، إذاً حضارة العرب لم يكن فيها أمان، ولا يمكن لحضارة أن تقوم على الفوضى وفقدان الأمان. وإن قلنا نحن مصريون، فهذا يعني الانتماء للوطن، أو الانتماء لتراب مصر، فهذا الانتماء لا يحمل جواباً أوعلاجاً لمشاكل البلد، ولا ينبثق عنه نظام ينظم شئون الحياة كلها. لأنه انتماء لتراب وليس لفكرة أو وجهة نظر في الحياة، فلو حاولت أن تجمع أهل مصر جميعهم ليتوحدوا على أساس التراب ويقولوا برأي واحد، فستجدهم مختلفين حتى الاقتتال، لأن التراب لا يحمل فكراً أو منهجاً أو نظام حكم أو أي شئ.
وإن قلنا نحن مسلمون، فالمسلمون أقاموا حضارة ارتقت بالإنسان من العبودية للبشر، إلى العبودية لله، وجمعت كل العلوم وسخّرتها لرفاهية الإنسانية وعاشت أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وأرض الكنانة تشهد بذلك، حتى سقطت على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك عام 1924م في إسلامبول.
فهيا بنا أيها الأهل في الكنانة نمارس هُويتَنا فنقرأ في كتاب ربنا: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام،57]، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الآيات، المائدة]، فجاءت هذه الآيات متضافرة بوجوب الحكم بما أنزل الله، ورغم هذا البيان اختلف الناس الذين خَلعوا هُويتَهم فمنهم من يقول الديمقراطية هي الحل، والآخر يقول إن الديمقراطية هي الحل لأنها من الإسلام. إذاً الطرفان متفقان على أن نظام الحكم هو الديمقراطية ولكن يبقى سؤال هل الديمقراطية أنزلها الله سبحانه على سيدنا محمد كنظام حكم؟
أولاً لابد من الوقوف على واقع الديمقراطية، إن الديمقراطية أول ظهورها هو إبّان الثورة الأوروبية على حكم القياصرة عبر رجال الكنيسة، أي أنها ظهرت في العالم النصراني آنذاك، فعرَّفها هؤلاء بأنها حكم الشعب بالشعب للشعب، وأن الشعب هو صاحب السيادة في التشريع ولذلك وضعوا البرلمان لتشريع القوانين والدستور بغص النظر عن أي دين أو إرادة إلهية، بل بفصل الدين عن التشريع فصلاً تاماً، فلم يقرأ هؤلاء حينها (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، فالآية جاءت صريحة بحصر الحكم والتشريع في الله – أي بما أنزل الله فقط. ورغم هذه المفاصلة بين الإسلام والديمقراطية تجد البعض يقول بأنها من الإسلام، ولكن صدق الشاعر حين قال:
لقد أسمعت إذ ناديت حيّاً ولكن لا حياة لمن تنادي
ودولة الإسلام لا تقام على أساس إتفاقية سايكس وبيكو البريطانية الفرنسية، التي مزّقت بلاد المسلمين ووضعت هذه الأعلام الوطنية التي لا تمثل إلاّ الاستعمار الذي أشعل النعرات الجاهلية حتى يسود، ففرق المسلمين على أساس الوطنيات والقوميات والعرقيات والألوان واللغات ومزقهم في أكثر من ستٍ وخمسين دويلة، وجعلنا نقع فيما حذّرنا منه رسولنا الكريم حينما قال: (دعوها فإنها منته) ، «ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم»، قيل : وإن صام وصلى، قال: «وإن صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله». فدولة الإسلام لا تقوم إلاَ على راية العقاب راية محمد صلى الله عليه وسلم، هذه القطعة من القماش الأسود المكتوب عليها بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتي يتوحد جميع المسلمين تحتها فتظهر بها قوتهم وعزتهم. فليلقِ المتظاهرين اليوم أعلام سايكس وبيكو التي تزيد من تفريق وتمزيق المسلمين وتغضب رب العالمين.
وأما نظام دولة الإسلام فهو دولة الخلافة التي تعني رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا، تحكم بما أنزل الله في الداخل وتحمل الإسلام رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد. حيث قال صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعه مات مية جاهلية) صحيح مسلم، أي كل مسلم فرضٌ عليه أن يبايع إماماً أو خليفة للمسلمين، فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم لمنْ تكون البيعة فقال في صحيح مسلم: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الإنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر، فقالوا ما تأمرنا يا رسول الله، قال فو ببيعة الأول فالأول واعطوهم حقهم فإن الله سآئلهم عما استرعاهم)، فهنا يعلّمنا الرسول بأن الحكم كان في بني اسرائيل للأنبياء وآخر نبي يحكم بعد أنبياء بني إسرائيل هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (..وإنه لا نبي بعدي) أي لا نبي بعدي في الحكم، ثم قال فستكون خلفاء، أي رجال يخلفون الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم دون النبوة، فسيأتي بعده في الحكم خليفة ثم بعده خليفة وهكذا… فسأل الصحابة رضوان الله عليهم: كيف نأتِ به؟ قال: بالبيعة. وعرّف العلماء أن البيعة هي عقد رضا واختيار بين الحاكم والمحكوم على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل الحاكم وعلى الطاعة من قبل المحكمومين على ذلك.
وقد بيّن صلى الله عليه وسلم حرمة أن يكون على المسلمين أكثر من خليفة حيث قال: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). وفي حديث آخر: (من أتاكم وأنتم جميع على قلب رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاشدخوا رأسه بالسيف كائناً من كان). وهذا يوجب وحدة المسلمين تحت إمرة خليفة واحد ولذلك عرف العلماء أن الخلافة هي رئاسة عامة لجميع المسلمين في الدنيا.
والآن قد حصحص الحق: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) يقول ابن كثير أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه.
فإلى فرض ربكم نناديكم! فالخلافة هي فرض ربكم ومبعث عزكم وطوق نجاتكم.
أيها الأهل في مصر الكنانة! يا أحفاد الصحابة يا أحفاد عمرو بن العاص وعبد الله بن ابي السرح والعز بن عبد السلام وصلاح الدين وقطز!
إننا في حزب التحرير قد آلينا على أنفسنا أن نعمل معكم وبكم لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة تاج الفروض الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي الشاطئ الآمن الذي يجب أن ترسوا عليه سفينة الثورة المباركة.
يا أحفاد عمرو بن العاص! إن حزب التحرير قد أعد العدة لإقامة الخلافة، فوضع بين أيديكم مشروع دستور دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة المستنبط من الكتاب والسنة، مكوناً من 191 مادة لتنظيم حياة الإنسان في جميع المجالات، وهو صالح للتطبيق من أول يوم تقام فيه الخلافة بإذن الله.
يا أحفاد صلاح الدين! إن حزب التحرير يعمل منذ نشأته عام 1953م في القدس الشريف مع الأمة وبينها ليقودها لتحيا بدين ربها الذي ارتضاه لها من جديد، بعد أن سقطت دولتها دولة الخلافة عام 1924م على يد اليهودي الحاقد مصطفى كمال الملقب بأتاتورك، وكذلك قد أعد طاقما من أرفع السياسين، الذين يفهمون الأمور بالإسلام ويقررون بالإسلام وعلى هدى الإسلام يسيرون.
وإن حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوا شباب الثورة وشاباتها وشيوخها وجيش مصر الكنانة، بأن يتوجوا ثورتهم بإقامة الخلافة على منهاج النبوة، لتعود مصر كنانة الله في أرضه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

































