بيان صحفي
في لحظات التحولات الكبرى تنكشف حقائق الأنظمة، وتظهر المواقف التي لا تستطيع الدعاية الإعلامية أن تخفيها. وقد كشفت الأيام الأخيرة، في ظل حرب أمريكا وكيان يهود على إيران، مشهداً بالغ الدلالة يعكس طبيعة السياسة التي تُدار بها مصر وموقعها وتغول أمريكا وكيان يهود في المنطقة. ففي الوقت الذي ضاقت فيه غزة بأهلها تحت القصف والحصار والتجويع، بقي معبر رفح مغلقاً أمام أهل غزة ليواجهوا مصيرهم، بينما فُتحت أبواب معبر طابا لآلاف اليهود الذين تدفقوا إلى سيناء هرباً من الحرب.
هذا المشهد وحده يكفي لطرح السؤال الكبير، أيُّ سياسة هذه التي تجعل أبواب مصر تُفتح لمن يغتصب أرض المسلمين ويقتل أبناءهم، بينما تُغلق في وجه إخواننا الذين تجب نصرتهم وحمايتهم بل وتحرير أرضهم؟!
لقد أصبح معبر طابا خلال الأيام الماضية طريقاً لعبور آلاف اليهود والأجانب من فلسطين المحتلة إلى سيناء، حيث يتوجهون إلى مطار شرم الشيخ ثم يغادرون إلى أوروبا أو غيرها، هرباً من الحرب وإغلاق المجال الجوي في كيان يهود. وبينما كانت الطوابير تتشكل على الطريق المؤدي إلى المعبر، ويُسمح لهؤلاء بالعبور، كان أهل غزة على بعد عشرات الكيلومترات فقط يعيشون حصاراً خانقاً، وتُمنع عنهم حتى أبسط مقومات الحياة.
إن هذه الصورة هي انعكاس طبيعي لواقع سياسي تشكل قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع كيان يهود، وربطت قرارها السياسي والأمني بسياسة أمريكا في المنطقة. ومنذ ذلك الحين تحولت ثغور مصر الشرقية من جبهة مواجهة مع الاحتلال إلى جدار يحاصر غزة ويمنع عنها أسباب الحياة، هذا الواقع تشكل فعليا منذ تولي العسكر الموالين لأمريكا حكم مصر بعد ثورة يوليو 1952 وتثبيت نفوذ أمريكا بدل نفوذ بريطانيا في مصر.
من ينظر إلى معبر رفح يدرك حجم المأساة. فغزة التي يسكنها أكثر من مليوني إنسان تعيش تحت حصار خانق منذ سنوات طويلة، ويعتمد أهلها على المساعدات الإنسانية التي تدخل بكميات محدودة، بينما تُمنع عنهم حرية الحركة والعلاج والسفر. وقد تحولت الحدود إلى أداة ضغط على أهل غزة بدل أن تكون طريق نجدة ونصرة.
وفي المقابل، حين احتاج يهود إلى مخرج آمن، وجدوا الطريق مفتوحاً لهم عبر سيناء، وكأن هذه الأرض التي سالت عليها دماء أهل مصر وجندها في حروب طويلة أصبحت مجرد ممر آمن لمن يغتصب أرضهم ويقتل أبناءهم!
إن هذا التناقض الفاضح لا يمكن فهمه إلا في إطار السياسة التي تحكم المنطقة منذ عقود، حيث تشكل الأنظمة المرتبطة بالغرب القبة الحديدية الحقيقية التي تعمل على حماية كيان يهود وضمان أمنه واستقراره، حتى لو كان الثمن هو دماء أهل مصر وحصار المسلمين في غزة وتركهم يواجهون الموت وحدهم.
ولذلك فإن القضية ليست مجرد معبر يُفتح أو يُغلق، بل هي قضية ولاء سياسي يحدد اتجاه البوصلة، هل تكون مع الأمة وقضاياها، أم تكون في خدمة مشاريع الغرب التي تحمي الكيان الغاصب وتمنع الأمة من استعادة قوتها وسلطانها وتحرير أرضها؟
إن النظام المصري لا ينظر إلى فلسطين على أنها أرض مغتصبة يجب عليه تحريرها، بل يتعامل معها باعتبارها ملفاً أمنياً يُدار وفق التفاهمات الدولية والإقليمية. ومن هنا يصبح الحصار أداة سياسية، وتصبح المعابر وسيلة للضغط بدل أن تكون طريقا للنصرة.
إن ما يجري اليوم يكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين، حين أصبحت الحدود التي رسمها الاستعمار خطوطاً تفصل بين المسلمين وتمنع بعضهم من نصرة بعض، بينما تبقى مفتوحة أمام أعدائهم.
يا أهل الكنانة: إن الإسلام لم يجعل رابطة الحدود القطرية هي التي تحدد مواقف المسلمين، بل جعل رابطة العقيدة هي الرابطة التي تجمعهم. فالمسلم أخو المسلم، دمه دمه، وأرضه أرضه، وقضيته قضيته. ولذلك فإن حصار غزة ليس قضية أهل فلسطين فقط، بل هو قضية الأمة كلها، تمس كرامتها وتمتحن صدق وﻻئها لدينها وعقيدتها.
يا أجناد الكنانة: إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى خطابات ولا شعارات، بل تحتاج إلى رجال يدركون أن قوتهم أمانة في أعناقهم، وأن هذه الأمانة سيُسألون عنها يوم يقفون بين يدي الله. فكونوا كما أراد الله لكم جنداً للإسلام، وحماة للأمة، وسيفاً يقطع الظلم ويعيد للأمة عزتها في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً﴾
المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر



































