مقالات سياسي

مصر ومرسيِّها وسيسيِّها، وفرصتها الأخيرة

يتأجج الصراع وتحتدم المواجهة بين أطراف كثيرة والكل مطلوب منه أن يهزم الآخر، ولن يفوز أي طرف إلا بإقصاء كل الأطراف خارج الحلبة، أما الحلبة فهي أرض مصر الكنانة، وأما وقود هذا الصراع فهو الشعب المصري الذي يجلس على مدرجات صالات الصراع، بألوان متمايزة يختلف أحدها عن الآخر كاختلاف ألوان الأطراف المتصارعين فوق الحلبة…

المراقب يظن أن الحلبة ليس عليها إلا مرسي والسيسي ومشجعيهما، والحقيقة أن هذه نظرة سطحية للمشهد، فعلى سبيل المثال، فان مرسي محسوب على الإسلاميين، ولكن الإسلاميين كلهم ليسوا محسوبين على مرسي، والسيسي محسوب على التيار المدني بأطيافه الليبرالية العلمانية؛ المدنية والعسكرية، ولكن الليبراليين والعلمانيين، لا بل والعسكريين ليسوا كلهم محسوبين على السيسي، وكلا هذين الطرفين لديه من يدعمه من قوى خارجية وإقليمية، إذاً فهناك من هو ليس مع هذا ولا ذاك، هذا فضلا عن أن هناك صراع فكري واضح وجليٌّ.

فالصراع ملحوظ بين من يسمون بالإسلاميين على اختلاف تجلياتهم، وبين العلمانيين الليبراليين الذين ينادون بفصل الدين عن الحياة وعن الدولة.

أما أطياف الإسلاميين فمنهم من يرى مهادنة الحاكم وإن حكم بالكفر – على أنهم يجملون وصفهم له فلا يروق لهم وصف نظام الكفر بالكفر لتسهل عليهم عملية المهادنة هذه – ومن الإسلاميين من يرى أن لا مناص من التدرج في إدخال الدين في واقع الحياة السياسية بنفس القدر من التدرج في إبعاد الفكر الرأسمالي الديمقراطي عن واقع الحياة، وإن استخدموا الديمقراطية بما لها وعليها ليصلوا بعد ذلك إلى الإسلام الكامل في الحياة على حد زعمهم، ومن الإسلاميين من يرى أنه لا بد من الخروج على الحكام بأي وسيلة حتى ولو كانت مادية، ومنهم من يرى أن لا بد من تأسيسٍ فكريٍّ لبناء نظام إسلامي يقوم في أساسه على الاقتداء برسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في طريقته لبناء دولته… ومنهم من يجيدون الرقص والتمايل تماما كبعض فئات التيار المدني، وهؤلاء يرقصون ويتمايلون، لكن لرقصهم إيقاعه الإسلامي الخاص ويالا العجب!، ومنهم من لا شأن له بأي شيء يجري حوله، فإسلامه أمره بصلاة وصوم وحج وزكاة فقط!، وهو يجتهد في أدائها بعيدا عن أي اهتمام لما يجري حوله، ولا عجب أن ترى هذا البعض يقيم سنن الدين، لكنه لا يلتفت إلى بعض فروضه.

أما أطياف العلمانيين والليبراليين فهم ينادون بفصل الدين عن الحياة والدولة، ويتبنون فكرة الرأسمالية والديمقراطية لحكم مصر… ويبدو واضحا لمن يفكر بعمق واستنارة أن هناك من يدفع بأحداث الصراع لتظهر وكأنها فقط بين الإخوان و(مرسيهم)، والجيش والتيار المدني و(سيسيهم)، لكن السؤال، لماذا يدفعون بهذا الاتجاه يا ترى؟!.

إذا صح تفكيرنا نقول أن القوى الخفية التي تدير المشهد تريد له أن يظهر كذلك بين مرسي وأتباعه والسيسي وأتباعه، وهذه القوى خائفة مرتجفة ولا تنام ليلها، خوفا من أن يتضح المشهد كاملا على حقيقته فيقرأه المصريون بلا رتوش فيفهمون واقع الأزمة، ليكتشفوا أنهم جميعا مستهدفين بدينهم وأرزاقهم وكرامتهم وحريتهم، هذه القوى تعمل ليل نهار كي لا يفهم المصريون أن القوى الخفية لا تريد للثورة التي اشتعلت في 25 يناير أن تبصر الطريق القويم الموصل لإزالة النظام لا رأس النظام فحسب… فالثورة الحقيقة تكون بأن يُحرق فساد النظام الذي أفسد البلاد والعباد لعقود طويلة، الثورة الحقيقة تكون بأن نحرق لا رأس النظام فحسب بل النظام كاملاً بكل تشريعاته وقوانينه، فنحرق الفساد كل الفساد… ثورة على كل قانون غير إسلامي وكل تشريع طاغوتي من دون الله، ثورة تقتلع كل الفساد من جذوره وتحاسب كل العابثين بمقدرات البلد المطبعين مع يهود، والخائنين لأمتهم عبر علاقاتهم الآثمة مع أمريكا وقوى الكفر الدولية التي تحارب في الإسلام والمسلمين ليل نهار… هكذا تكون الثورة بحق وحقيقة، وهذا هو المولود الذي لا تريد له القوى الخفية أن يولد، فتسعى لإجهاضه ليل نهار.

والآن ما هي الفرص المتاحة لمرسي وأتباعه والسيسي وأتباعه في خضم هذه التناقضات والملابسات؟ ومن يتمتع بحظ أوفر في فرصة الوصول أو البقاء في الحكم؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، سنعرض لفرص ولحظوظ كل فريق على حدة.

التيار المدني العلماني الليبرالي بزعامة السيسي أمامهم فرصة أخيرة في أن يتمكنوا من الإمساك بزمام الأمور ويستمروا في حكم مصر، ولذلك تجدهم يتخبطون باستخدام الأساليب والطرق التي يظنوا أنها توصلهم أو تبقيهم متحكمين في السلطة، حتى أنهم يخترعون الأساليب والوسائل التي ينكرها عليهم ليبراليوا العالم وعلمانيوه في الخارج قبل الداخل، ولكن والحق يقال أنه لا فرصة أمامهم إذا استمر الشعب في تمرده على ما يتخذونه من قرارات وقمع، فهم إذاً أمام فرصتهم الأخيرة لا محالة أو فسيأتيهم الإيعاز بأن إلى الخلف دور.

ما يسمى بالإسلاميين بزعامة مرسي هم أيضا أمام فرصتهم الأخيرة في أن يكونوا أو لا يكونوا أمام هذا السيل العارم من الإجراءات القمعية، وأمام تطور الأفكار السياسية في الواقع السياسي المصري، والتي وصلت إلى حد أن كثيرا من القوى قالتها صراحة بأن الإخوان لا يصلحون لحكم البلاد، وليس من الحكمة المناداة بحكمهم ثانية، وما التمسك بشرعية الرئيس إلا أسلوب لمواجهة دعاوى الانقلابيين، لكنهم والإخوان معهم بدأوا يتحدثون عن إمكانية تخليهم عن بعض الشعارات فيما لو أنكسر (الإنقلاب)، وما المبادرات التي تخرج من بروكسل والقاهرة إلا شاهد على ذلك، وهذا يقودنا إلى القول أن مرسي وأتباعه أمام الفرصة الأخيرة أيضا؛ فإما أن يتنازلوا عن فكرهم السياسي المائع الذي أدى بهم وبأتباعهم إلى هذه الهاوية ويعودوا ليلتحموا مع الأمة على أساس واضح وهو الكفر بالديمقراطية والإيمان حقيقة بواقع أن الخلاص يكمن في الحكم بما أنزل الله، وهو فرض على المسلمين وله طريقة شرعية لا تمت للديمقراطية بصلة، وإلا فانهم سيبقون مكانك سر وسينصرف الناس عنهم لا محالة.

أما ذلك الحزب العريق الذي يطرح الإسلام كفكر سياسي لديه نظام للحكم ولديه طريقة للوصول إليه وبرنامج عمل للدولة في جميع شؤون الحياة، هذا الحزب الذي ينادي باستئناف الحياة الإسلامية عن طريق إعادة نظام الخلافة الإسلامية، ويملك تصورا لهذا المشروع مدون في كتبه يروجها بين أبناء الأمة لكي تطلع عليه وتتبناه وتعمل معه للوصول بالإسلام إلى الحكم، ويملك فوق التصور هيكلاً جاهزاً لأجهزة الدولة من رأس الدولة إلى أصغر موظف، وكل ذلك مُدعم بدستور إسلامي مستنبط من النصوص الشرعيه فقط، فليس فيه من خارج عقيدة الإسلام وثقافته شيء، وكله مُؤيد بالأدلة الشرعية يعالج جميع نواحي الحياة، ليعيش الناس عيشا إسلاميا وفق الأحكام الشرعيه فيحلون الحلال ويحرمون الحرام في واقع حياتهم، هذا الحزب الذي يملك على أرض الواقع التصور الفكري السياسي الكامل للدولة، أي أنه دولة قائمة جاهزة ينتظر من الله النصر والتمكين… وها هي البشائر بدأت تلوح في الأفق، فقد بدأت الأصوات تصدح منادية بعودة شرع الله إلى الحكم ومنها من ينادي صراحة بعودة الخلافة، وهذا الحزب هو الذي لديه فرص حقيقية لاستلام الحكم لأنه يعيش مع الناس ويعمل من خلالهم كي يتبنوا هذه الفكرة ويوصلوها بجهودهم هم أنفسهم إلى سدة الحكم.

أيها الأهل في مصرنا الحبيبة، يا من تحطمت على صخرة إيمانكم وشموخكم كل مشاريع المعتدين منذ فجر التاريخ، يا خير أجناد الأرض، يا من سطرتم بجنديتكم الباسلة أنصع صفحات التاريخ الإسلامي المشرق، يا أرحام الأنبياء، يا من أبت الرسالات السماوية إلا أن تكون مصركم حاضنة لها ولرسلها عليهم السلام، ألستم من حمى موسى عليه السلام؟، وألستم من احتضن يوسف الصديق عليه السلام؟، وأليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم رحماً؟؛ أخوال إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية…

فيا أهلنا في مصر الكنانة، نستنهض بكم وفيكم الهمم، همم الرجال الرجال، نشحذ بذور الإيمان في أعماقكم، نصرخ نناديكم أن يـــا أيها الأهل الكرام: قفوا مع مصر وإسلامها كما وقف أسلافكم وقفة الرجال المؤمنين الواثقين.

 نقول هذا ومصر تتمزق بين أهواء الطامعين لحكمها والتحكم بمقدراتها، نقول هذا والدماء تسفك وتسيل بلا رحمة ولا هدف إلا لكرسي الحكم والتحكم بمصير الناس، هؤلاء الطامعين الذين أعادوا مصر إلى شرعة الغاب يأكل قويها ضعيفها، وحجة كل واحد منهم أنه يريد خيرا لمصر، ونراهم بصلافة الفاسقين المجرمين يتبجحون بما ستناله مصر من خير على أيديهم ودمائنا تقطر من أيديهم، أرَّقنا هذا المشهد الذي أصبح معتادا، نعم أرَّقنا كثيرا، وكم ناديناهم أليس فيكم رجل رشيد! توقفوا وعودوا إلى رشدكم واتقوا الله بمصر وأهلها. قلتم لنا أبشروا بالديمقراطية لتنالوا العدل والمساواة والعيش الرغيد، وأرهقتنا شعاراتكم الرنانة الجوفاء، وأخذتم الشعب وراءكم إلى حظيرة الديمقراطية وانتخاباتها وأحابيلها، وما أن أفرزت الديمقراطية أحدكم حتى وقف له الآخر ليقول لا ليست هذه هي الديمقراطية التي نعني، وآخر يقول بمنتهى الصلافة أن الشعب لم ينضج بعد وهو غير مهيئ للديمقراطية، فانقضوا على ما صنعوا بأيدهم فحطموه… بحت أصواتنا ونحن نخاطب هذا وذاك، والكل يعرض عنا ويصم آذانه، فلا أحد يريد حلاً لا يكون هو على رأسه حتى لو فني الناس موتا أو جوعا، ويلكم مما تفعلون!.

فيا أيها الأهل في مصر الحبيبة أما وقد أفشلتم انتخابات الدم… نناشدكم أن تدوروا مع الإسلام حيث دار ففيه الحياة وفيه النجاة من كل سوء وفيه رضوان الله سبحانه وتعالى، لقد أخذ الجميع فرصته معكم وهم أمام فرصتهم الأخيرة ليعودوا إلى نبع الإسلام الصافي وينبذوا ديمقراطية الغرب العفنة ونظامها البالي الذي يتهاوى في بلاده، فلا تطيلوا عمر نظام الكفر الديمقراطي في بلادنا وهبوا للعمل لإقامة الخلافة على منهاج النبوة.