إن ما يجب أن تقوم عليه فلسفة التعليم في ظل دولة الخلافة المرتقبة هو إيجاد الشخصية الإسلامية المتكاملة، وبناء مفاهيم الفرد عن خالقه وعن الكون والإنسان والحياة في ضوء القيم الإسلامية العليا التي تجعله مهيأ لعبادة الله تعالى وتنفيذ شرعه في ضوء الكتاب والسنة. كما تقوم على التنشئة الإسلامية السليمة التى تؤدي إلى إيجاد جيل من أبناء الأمة يدرك رسالته في الحياة إدراكا واعيا مستنيرا، بحيث يدرك علاقته بخالقه وبنفسه وغيره من الناس حقوقا وواجبات.
إن رسالة العملية التعليمية تقوم على بناء الشخصية الإسلامية، وتوفير كل ما يلزم الأمة من معارف ومهارات وعلوم وتكنولوجيا تواكب العصر لتعود بالخير على الأمة والعالم أجمع في كل مناحي الحياة من خلال دولة الإسلام المنشودة، دولة الخلافة التي بشر بها خير الأنام. إنها ليست عملاً تلقينيًا للمعلومات بل هي عملية تتضمن نواحي كثيرة ومتعددة؛ تشمل كيفية إعداد الموقف التعليمي المناسب للمتعلمين بكل المعايير التربوية، فالتدريس يعني تلك الإجراءات التي يقوم بها المعلم مع تلاميذه لإنجاز مهام معينة وتحقيق أهداف محددة. فالتعليم لا بد أن يحدث تغييرا في سلوك المتعلمين نحو الأهداف والفعاليات الموضوعة، لذا لا بد أن تكون عملية تربوية هادفة تأخذ في اعتبارها كل العوامل المكونة للموقف التعليمي بحيث يتعاون من خلالها المعلم والطالب لتحقيق الأهداف التربوية.
فالتربية عملية ملازمة للإنسان وهي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي محكومة بالهدي الإلهي والسنة المطهرة، لذلك لا يقبل الإسلام أن يتلقى المسلم تصوراته وأفكاره من غير مصادرها الأصلية، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون للتربية والمدرسة المفهوم المتميز الواسع النابع من منظور الإسلام في تربية الإنسان لما خلق له وإعداده للدنيا والآخرة فهو خليفة الله في الأرض.
إن المدرسة ركيزة أساسية في صناعة ودعم تشكيل الشخصية للفرد الذي كونته الأسرة ودفعت به إلى ميدان التعليم في مصنع منتج متميز. إنها المؤسسة التربوية الأولى التي تعرض على الطالب سلوكا معينا يناسب وظيفتها ودورها في المجتمع، والمتعلم يذهب إليها من منطلق احترامه لها ولدورها الذي تؤديه في التربية والتعليم والتوجيه فلا بد أن يترك الأثر الأكبر على المجتمع والأمة، والمدرسة برسالتها التربوية عملية ملازمة للإنسان.
لقد هدفت المدرسة منذ بداياتها منطلقة من المسجد إلى البناء المدرسي الخاص بها، إلى أن يكون الفرد المسلم أنموذجا للدين الذي يدين به ويدعو له ونمطا حيا متحركا للفكر الإسلامي الذي يملأ قلبه وعقله ويصدقه سلوكه في الحياة مع نفسه ومع الآخرين. لقد هدفت المدرسة الإسلامية إلى الجمع بين متطلبات الحياة من علم وتكنولوجيا ومعارف متنوعة وتنمية روح الولاء للشريعة الإسلامية والبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة، وكذلك استقامة الأعمال والتصرفات بحسبها وتكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد ليصدروا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة وما يتفرع عنها من تفصيلات. فهي تعمل على تأهيل الإنسان المستخلَف في الأرض للقيام بدوره بكل الأبعاد من خلال منظومة المفاهيم والقيم المؤثرة في السلوك في إطار بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة (عقلية ونفسية) عن طريق غرس الثقافة الإسلامية وفي كل المراحل دون توقف في عقول الطلبة.
لقد سعت المدرسة الإسلامية ومنذ البداية وعملا بآيات القرآن الكريم على تشجيع وتنمية روح البحث والتفكير العمليين وتقوية القدرة على المشاهدة والتأمل والتبصر بآيات الله في الكون وما فيه وإدراك حكمة الله في خلقه لتمكين الفرد من الاضطلاع بدوره الفعال وكذلك بيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام، فإن الإسلام دين ودنيا والفكر الإسلامي يفي بمتطلبات الحياة البشرية في أرقى صورها في كل عصر.
إن غاية التعليم في دولة الإسلام هي فهم الإسلام فهما صحيحا متكاملا وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية وبالمثل العليا وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة من أجل بناء وتطوير الدولة اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا وعلميا وسياسيا و… وتهيئة الفرد ليكون عنصرا نافعا في بناء مجتمعه ويأتي ذلك من خلال:
- غرس عقيدة الإسلام والمعارف والمهارات المفيدة والاتجاهات والقيم المرغوبة لدى الطلبة ليشبّوا عليها فاهمين لدورهم في الحياة واعين على عقيدتهم مدافعين عنها وعاملين في ضوئها لخير الدارين.
- توفير الكوادر البشرية اللازمة لتحقيق تلك الغاية ودفعها من نجاح إلى نجاح.
- الحرص على مصلحة الفرد والجماعة معا؛ فهو يبتغي مصلحة الفرد من خلال تعليمه تعليما كافيا مفيدا لذاته، كما يبتغي مصلحة الجماعة بالإفادة مما يتعلمه الأفراد.
- غرس الثقافة الإسلامية لدى الطلبة والتي هي عبارة عن المعارف التي كانت العقيدة الإسلامية سببا في بحثها كعلم التوحيد أم كانت مبنية على العقيدة الإسلامية كالفقه والتفسير والحديث، أم كان يقتضيها فهم ما ينبثق عن العقيدة من أحكام مثل المعارف التي يوجبها الاجتهاد في الإسلام كعلوم اللغة ومصطلح الحديث وأصول الفقه وتاريخ الأمة الذي هو جزء من ثقافتها لما فيه من أخبار عن حضارتها ورجالها وقادتها وعلمائها وثقافة الأمة هي الصانع لشخصيات أفرادها فهي المؤثرة في سلوكهم والمحولة له إلى السلوك المرغوب.
من كل ما سبق يمكننا تحديد مجموعة من الأهداف للعملية التعليمية في ظل دولة الإسلام نجملها بالآتي:
- إعادة الثقة بأحكام الإسلام وإعادة تثقيف الأمة بالثقافة الإسلامية التي تضمن بقاءها في مقدمة الأمم فثقافة الأمة هي العمود الفقري لوجودها.
- غرس ثقافة الإسلام في أبنائها ومنع أي ثقافة دخيلة من الوصول إليهم.
- إن استمرار عملية التعليم في المراحل المختلفة هو الطريق الوحيد لحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها لأنها تمثل الرسالة الإلهية الخاتمة.
- وضع علاج ناجع لمحاصرة أبناء الأمة الذين سممت أفكارهم من حملهم للثقافة الغربية مقتنعين بها أو مقلدين لها منبهرين بزخرفها المادي.
- إن من أهم الأهداف للعملية التعليمية هو الحفاظ على عقيدة الأمة في النفوس لكي لا تقع في البدع والخرافات والشرك.
- إن وضع المناهج يجب أن يكون من أجل صناعة الشخصيات الإسلامية والتي يجب أن تكون ضمن خطة منهجية منظمة.
- إيجاد الكيان السياسي القوي ماديا وعقائديا بالعلم والإيمان بالصناعة والتكنولوجيا مواكبة لكل مستجدات العصر التقني.
لقد نجحت الخلافة الإسلامية في جعل الأمة الإسلامية تقتعد ذروة سنام المجد وتقود البشرية جمعاء، فكانت الأولى في كل المجالات، خرجت مدارسها العلماء والساسة والقادة في شتى الميادين وأرست قواعد مجتمع إسلامي يشار له بالبنان، فكانت تخرج رجال دولة وقادة معركة ورجال فقه وعلم ونقلت العالم من دياجير الظلام إلى نور الإسلام، عم بها العدل والرخاء والتكافل وانتشر الخير في كل مكان وصلوه، نعم أهلها بسعادة الدارين، عرفوا الله حق المعرفة فعبدوه حق العبادة، لقد أخذوا من علم الدنيا ما يلزمهم ليكونوا في الصدارة فتفوقوا وازدهرت مدنيتهم عبر العصور كازدهار حضارتهم.
لقد رعت الدولة الإسلامية المؤسسة التعليمية منذ البداية فوزن المسلمون مداد العلماء بالذهب، وأخذوا علم الدنيا من كل مكان دون حواجز، كان التعليم حقا للجميع بالمجان، لقد ركزت الدولة الإسلامية على أسلمة المعرفة وصبغها بالصبغة الإسلامية المميزة فطورت العلوم وترجمت الكتب والمراجع طبقا للتصور الإسلامي فكان الإسلام عقيدة ونظام حياة هو المحور الذي يدور الجميع حوله فهو بوصلتهم لسعادة الدارين.
لقد كانت اللغة العربية هي وعاء كل علم يترجم إليها ما يؤتى من غيرها من الأمم. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن لغة العلم هي لغة الدولة القوية التي تفرض لغتها؛ فالقوي يفرض لغته وعملته ووجهة نظره في الحياة على الضعفاء كما نلاحظ اليوم من تبعية دويلاتنا للغير. وكما كان في الأمس يوم كان لنا دولة وتبعية الغير لنا.
والسؤال الذي يفرض نفسه؛ هل يمكن للمؤسسة التعليمية أن تغير هذا الواقع فتساعد في إعادة الأمور إلى نصابها الذي نأمله جميعا؟
والجواب عن ذلك، إذا توفر النظام السياسي بالقائد الرباني المخلص، وبالقرار السياسي الصحيح النابع من مبدأ الأمة وعقيدتها نتمكن من إحداث التغيير وإبراز دور المؤسسة التعليمية في ذلك، وهنالك مجموعة من الشواهد إسلاميا وعالميا.
الشاهد الأول/ كان العرب في جاهلية وشقاء وبؤس، فبدأ المنهاج الرباني في التغيير بأول كلمة نزلت على رسولنا الكريم بقوله تعالى ﴿اقرأ…﴾ في سورة العلق إيذانا للرسول صلى الله عليه وسلم للشروع في تغيير المفاهيم عند الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد القهار وانطلق الصحابة مشاعل نور وهدى للبشرية جمعاء يخرجون العباد من الظلمات إلى النور امتثالا لقول الرسول الكريم «بلغوا عني ولو آية» وقول الله سبحانه وتعالى ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا…﴾
والشاهد الثاني/ من الغرب الكافر المستعمر (أمريكا):
عندما تفوق الروس عليها في غزو الفضاء وأطلقوا أول مركبة مأهولة بقيادة العالم يوري جاجارين عام 1961م في 12 نيسان فما كان من الأمريكان إلا أن اجتمع الساسة أصحاب القرار وعلى أعلى المستويات لمواجهة هذا التفوق الروسي لما له من دلالة، فكان القرار تغيير مناهج التعليم ورصد الأموال للبحث العلمي والتكنولوجي الّذي مكنهم من السبق عام 1969م زمن نيكسون حيث نزل أول رائد فضاء على سطح القمر في المركبة أبولو وهو نيل آرمسترنج وزملاؤه وكان لهذا النزول دلالة كبيرة في المفاهيم السياسية الدولية.
من كل ما تقدم يمكننا التأكيد على أهمية التعليم في البناء الناتج عن قرار سياسي حكيم، وخاصّة من دولة مبدئية ترعى شؤون الرعية، إنها دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القادمة قريبا بعون الله.


































