مقالات فكري

يوم أن كان لنا خليفة ودولة! الجزء الأول – الحركة العلمية في صدر الإسلام وعلم الذرّة

منذ سقوط دولة الخلافة الإسلامية وفقدان الأمة للحامي والراعي وظهور المُزَق العميلة الكرتونية استعارت الغزوة الفكرية وحملات التشويه والتضليل والتحريف المبرمجة ضد ديننا وخلافتنا وحضارتنا وإنجازاتنا وأبطالنا وعلمائنا بأيدي المجرمين من المستشرقين الحاقدين ومن تتلمذ على أياديهم النجسة من المضبوعين والظلاميين وعلماء السوء والسلاطين والأقلام المأجورة والنفوس المهزوزة المريضة التي تطاولت على خير أمة أخرجت للناس في محاولة لفصلها عن دينها ونظام حكمها وسلخها عن هُوِيَّتها وتشكيكها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وصدها عن العمل لاستئناف حياتها الإسلامية وإقامة خلافتها الراشدة الثانية الموعودة القائمة قريباً بإذن الله، فكان لا بد من أن نسطر هذه العجالة لنذكر الأمة بغيض من فيض من الإنجازات التي أنجزت في ظل دولة الخلافة الإسلامية، التي ملأت الأرض عدلا وعلما ونورا وحضارة ورقيا على مدى ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وكانت بداية نهضة الغرب الحديثة على أكتاف اقتباس وسرقة ونهب وانتحال من إنجازات هذه الأمة واكتشافاتها بعد ترجمة النتاج العلمي الإسلامي الهائل، بداية على أيدي من درسوا من الكفار في جامعات ومعاهد دولة الخلافة أمثال قسطنطين الأفريقي وجون الأشبيلي وجيرار الكريموني والبابا سلفستر الثاني، وبالاستعانة بآلاف الآلاف من المخطوطات الإسلامية التي سُرقت ونُهبت وسُرِّبت ونُسبت لغير أهلها ظلما وعدواناً، قائلين لكل كافر حاقد ومنافق مارق ومضبوع مشكك ومأجور متآمر ومضلل جاهل ومتطاول فاجر: “أولئك أباءي فجئني بمثلهم”.

 

فمنذ أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الاسلامية أسس المسجد النبوي الشريف كمكان للصلاة وتعليم المسلمين أمور دينهم ودنياهم ورعاية شؤونهم، وبدأ بوضع الأسس العلمية والصناعية والإدارية والاقتصادية والعسكرية للدولة الإسلامية، وسن الأحكام والتشريعات الخاصة بها والمستندة إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، كالفيء والخراج والجزية والزكاة والصدقة، وأرسل مجموعة من المسلمين إلى اليمن لتعلم صناعة السيوف والرماح والأسلحة، وأمر بصنع الدبَّاب وهي آلة من خشب وجلود صعبة الاحتراق، استعملها في حروبه لدك أسوار الحصون وأمر بوضع نظام للإحصاء لمعرفة عدد المسلمين وعدد المقاتلين منهم، وعين ولاةً للحكم وعمالاً على الصدقات ووضع أسس مبدأ تفرغ العلماء التزاماً بقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة 122، وأسس مبدأ التفكير والبحث العلمي مصداقا لقوله تعالى: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران (190،191).

وقد سار الخلفاء من بعده على هديه صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بتقوية ونهضة الدولة الاسلامية من جميع النواحي، فأنشأ الخليفة الراشد أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – بيت المال كمركز للإدارة المالية وتنظيم نفقات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.

وكذلك قام صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن كما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رسماً وتلاوة. وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنشئت الدواوين للقضاء والإحصاء والمحاسبة وأقيم نظام للبريد.

وقام الخليفة الراشد عثمان بن عفان – رضي الله عنه – باستنساخ نسخ من جمع أبي بكر للقرآن، وأرسلها إلى جميع الولايات الإسلامية.

والخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الذي اشتهر بالعلم والمعرفة والفطنة والذكاء وحسن الخطابة… حتى إن خطبه تعتبر من المراجع المهمة في دراسة اللغة العربية.

ثم بعد الخلفاء الراشدين أسس الخليفة معاوية بن أبي سفيان أول مصنع لصناعة السفن الحربية التي خاضت معركة ذات الصواري أول معركة بحرية للدولة الإسلامية.

وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان أقيمت دار صك العملات الذهبية والفضية في دمشق وتم تعريب الدواوين وتنظيمها وأنشئت إدارة خاصة لمد الطرقات وتعبيدها وإقامة الجسور والقناطر وحفر الآبار وبدأ ببناء قبة الصخرة المشرفة التي تعتبر تحفة الهندسة وفن العمارة الإسلامية، وعجز الأوروبيون عن بناء مثلها لغاية بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، وقد تطور فن العمارة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي وكان المسلمون أول من ابتكر نظام الأقواس الحاملة وآلية مقاومة الأبنية للزلازل، حيث كانوا يستعملون أعمدةً مفرغة تملأ بالرصاص ومواد أخرى تعمل على امتصاص قوة الهزة، كما استفادوا من قوانين الانعكاسات الصوتية في حساب سرعة الصوت وارتداده في بناء مساجد ضخمة يستطيع جميع الموجودين فيها الاستماع لخطبة الإمام والأذان وإقامة الصلاة دون الحاجة الى مكبرات الصوت واستغلوا معرفتهم بدوران الأرض في بناء قصور تدخل الشمس إليها من شباك مختلف كل يوم، وأشهر من برع فيها العالم المسلم الشيخ البهائي، والعالم المهندس سنان ومن الآثار الباقية لهذه الأنظمة العمرانية مسجد الأعمدة، وقصر الحمراء والزهراء في الأندلس، ومساجد بخارى وسمرقند، ومساجد وقصور وقلاع إسلامبول التي لا زالت شامخة لغاية الآن.

وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك تم وضع أسس نظام ما يعرف الآن بالشؤون الاجتماعية والتأمينات والمعاشات ورعاية المعاقين.

وفي عهد الخليفة هارون الرشيد صنعت أوائل الساعات الميكانيكية في التاريخ وأهديت واحدة منها لشارلمان ملك فرنسا وألمانيا العظيم، ومؤسس الحضارة الغربية الكنسية، فهرب منها هو وحاشيته ظناً منهم أنها مسكونة بالعفاريت، وفي عهد الخليفة هارون الرشيد ورعايته أيضاً لمع نجم العالم جابر بن حيان الذي كان أول من قام بشرح عملية الانشطار النووي وتكلم عن الطاقة الذرية، وهو أول من ابتدع عمليات التقطير والتكليس والتبلور والتصعيد التي لا تزال تمارس في جميع المختبرات الكيميائية العالمية لغاية الآن، ويعد مؤسس علم الكيمياء الذي يعني علم الكميات، وأخذه الغرب وسماه كيميكال، وكان ابن حيان أول من صنع معملياً كبريتيد الإنتموان الذي يستعمل لغاية الآن كبديل للون الذهب، كما استطاع تصنيع ورق وحبر غير قابل للاحتراق وقلم حبر يضيء ما يكتب به في الظلام، عجز العلماء لغاية الآن عن صنع مثلها بعد أن ضاعت مخطوطة تركيبتها ضمن ما ضاع من كنوز الأمة العلمية، كما كان أول من قام بتصنيع قماش مضاد للماء، ويعتبر أول من صنع واستعمل الموازين الدقيقة في تجاربه، وقام بتنقية ملح البارود كيميائياً واستخدمه كقوة دافعة بخلطه مع الفحم والكبريت، مما مهد لصناعة أوائل المدافع في التاريخ والتي تطورت فيما بعد على يد العالم المسلم الرماح، الذي كان من عباقرة هذه الصناعة حيث صنع المدافع والطوربيدات والصواريخ البعيدة المدى.

وفي زمن الخليفة المأمون أقيم مرصد قاسيون الفلكي، وهو أحد المراصد الكثيرة التي أقامها الخلفاء والولاة في ديار الإسلام كمرصد سمرقند ومرصد مراغة، ودرس العلماء المسلمون الفضاء وأثبت العالم المسلم ابن خرداذبه كروية الأرض قبل كوبرنكوس بعدة قرون، وأثبت العلماء المسلمون الذين من أبرزهم ابن حزم وعلي بن عمر الكاتبي والبيروني وابن الهيثم دوران الأرض، وفسروا الليل والنهار نتيجة له قبل غاليلي بخمسة قرون، واكتشفوا تأثير القمر وفسروا ظاهرة المد والجزر ودرسوا نجوم المجرة وسموها بأسماءها التي أخذها الأوروبيون عنهم، واكتشفوا وقاسوا الغلاف الجوي ومحيط الأرض كما هو معروف الآن ورسموا خرائط ملونه للسماء، وليس أدل على فضل علماء المسلمين في علوم الفضاء من قيام هيئة دراسة تضاريس القمر التابعة لوكالة ناسا الأمريكية بقبول نشرة قدمها عالم الفضاء المصري فاروق الباز بأسماء ثمانية عشر عالماً مسلماً أطلقت أسماءهم على تضاريس القمر ومحطات الهبوط على سطحه، تقديراً لدورهم في وصول الإنسان الى القمر وفي عهد الخليفة المأمون أيضاً صدر أول قانون ينظم مهنة الصيدلة، ويلزم من يمارسها بالحصول على رخصة وكان المحتسب مسئولاً عن مراقبة الصيادلة وفي عهد الخليفة المقتدر مات أحد المرضى نتيجة خطأ طبي فأصدر الخليفة قانوناً للرخص الطبية لا يجوز بموجبه لأحد ممارسة الطب إلا بعد امتحان وإجازة وعيَّن سنان بن ثابت كبيراً للأطباء ومسئولاً عن إجازة الأطباء فامتحن تسعمائة طبيب في عام واحد في بغداد وحدها.

وفي عهد الخليفة المعتصم أقيمت أول مشرحة في التاريخ على شاطئ دجلة واستعملت فيها القرود لكي يتدرب طلاب الطب البشري والبيطري تدريبا عمليا.

اقتباسات من مجلة الوعي