وفي ظل الخلافة كان المسلمون يصدرون كتاباً سنوياً اسمه “المناخ” يبين أحوال الجو وحركة الرياح ومواسم الطقس والمطر والزراعة، وفي ظل الخلافة كان العالم المسلم المقدسي أول من رسم الخرائط الجغرافية الملونة للعالم المعروف، للأغراض المدنية والعسكرية وحدد عليها خط الاستواء وبين القطبين، وجعل محيط الأرض 360 درجة، وهي موجودة في كتابه المعروف “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، وكان العالم المسلم أبو الريحان البيروني أول من قال بوجود قارة كبيرة في الطرف الثاني من العالم يعني بذلك أمريكا، التي كان عالم البحار والملاح المسلم ابن ماجد يبحث عنها عندما أرشد فاسكو دي غاما إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهناك آثار وأدلة أن الملاحين المسلمين هم أول من وصل من العالم القديم إلى الجزر أمام الساحل الشرقي لأمريكا.
كما كان البيروني أول من فكر بحفر قناة السويس، ورسم الخرائط لذلك قبل ديلسبس بكثير، وكان العلماء المسلمون أول من أدخل الرسوم العلمية في مؤلفاتهم، كما نلاحظ هذا في كتاب الزهراوي المكون من ثلاثين مجلداً المسمى “التصريف” والذي رسم فيه أكثر من ثلاثمائة تصميم لآلات جراحية لازال معظمها يستخدم في مستشفيات العالم لغاية الآن، وكان علماء المسلمين أول من ألَّف القواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية مثل موسوعة علم النبات لابن البيطار. وفي ظل دولة الخلافة اخترع المسلمون البوصلة والإسطرلاب ورقاص الساعة الذي نسبه جاليليو لنفسه وسماه البندول، كما كان المسلمون هم السباقون الى اختراع الورق والصابون وتعطيره فيما يعرف الآن بالشامبو، ولا تزال كلمة “سابون” مستعمله في اللغات الاوروبية.
وفي ظل دولة الخلافة كان العالم المسلم زين الدين الآمدي أول من اخترع الحروف البارزة لمساعدة المكفوفين على القراءة قبل بريل بعدة قرون. وكان المسلمون قد اكتشفوا التلقيح والتطعيم والتعقيم الصحي ضد الأمراض المعدية والسارية قبل باستور الفرنسي بعدة قرون مما يفسر عدم انتشار ما كان يعرف في أوروبا بالموت الأسود في بلاد الخلافة الإسلامية، وقد نقلت زوجة السفير البريطاني في إسلامبول هذا الأمر إلى أوروبا عام 1724م.
وفي عهد الخليفة محمد الفاتح ظهرت ولأول مرة في التاريخ وبشكل منظم في الجيش الإسلامي فرق المدفعية بمدافعها الحديثة العملاقة التي دكت أسوار القسطنطينية، كما ظهرت فرق زرع الألغام التي كانت تسمى “لغمجية” وكانت مهمتها زرع الألغام تحت أسوار القسطنطينية المنيعة، وفرق الهندسة التي تمكنت من نقل أكثر من سبعين من السفن الإسلامية براً من مضيق البوسفور إلى القرن الذهبي في ليلة واحدة، في عمل تعجز عنه أعتى الجيوش الحديثة بما تملكه من تقنيات، ولا يزال يدرس في معظم الكليات الحربية في أنحاء مختلفة من العالم لغاية الآن، فنعم الجيش جيشها ونعم الأمير أميرها، ونعم المبدأ ونعم الدولة ونعم الأمة التي أنجبت هؤلاء المبتهلين إلى المولى عز وجل، لأن يكون جيش الخلافة الراشدة الثانية القائمة قريباً بإذن الله، الزاحفَ لفتح روما مجهزاً بأحدث التقنيات العسكرية المصنعة في مصانع دولة الخلافة، ومن تصميم أبناء وعلماء الأمة المتخرجين من معاهد ومراكز أبحاث الدولة المنتظرة.
وفي الوقت الذي كانت أوروبا والغرب الكافر، الذي يتطاول علينا الآن ويرمينا بسمومه ورأسماليته الوضيعة، يغط في ظلمات الجهل والتخلف والبربرية والأساطير، وكانت أمثل وصفة طبية لديهم تقول: “أكل فجلة بعد صيام يوم كامل تريحك من الصداع الناتج عن ثرثرة المرأة”، كان المرضى المسلمون يعالجون في أرقى المستشفيات التي أقامتها دولة الخلافة الإسلامية وولاتها في كل مدينة كالبيمارستان العضدي والنوري والصلاحي والناصري والمنصوري، وفق أنظمة ومعايير لم تصل إليها كثير من الدول لغاية الآن، حيث كان في قرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى مختصة بجميع الأمراض بدءً من عمليات استئصال السرطان، وجراحة المسالك البولية، وعمليات التجميل النسائية، والتوليد تحت الماء إذا كان الجنين غير مستقر، وجراحة الغدة الدرقية التي لم يجرؤ أي جراح غربي على إجراء أي منها قبل عام 1930م، وذلك بعد دراسات مستفيضة لمؤلفات علماء المسلمين الذين ابتكروا هذه العمليات، وكانت الدولة الاسلامية قد بلغت مبلغاً كبيراً من الحضارة والتقدم والرقي والازدهار والتنظيم حيث كان الخلفاء والأمراء والولاة يحتضنون العلماء ويغدقون عليهم بالعطايا والأرزاق للتفرغ للعلم والبحث والاختراع، ويقيمون لهم في الجوامع الكبرى المنتشرة في أرض الإسلام ما يعرف الآن بمراكز البحث العلمي، والمكتبات والجامعات كمسجد وجامعة القرويين في فاس، ومسجد وجامعة الزيتونة في تونس، ودار الحكمة والمستنصرية في بغداد، والأزهر في مصر، والمسجد الأموي في دمشق، ومسجد الكوفة في العراق، وجامع قرطبة، وإشبيلية في الأندلس، وجند شابور في فارس، وجوامع الهند وبخارى وسمرقند التي تخرج منها خيرة علماء المسلمين في جميع فروع العلم، أمثال جابر بن حيان والخوارزمي والرازي والمسعودي والبيروني وابن النفيس وابن سينا وابن حوقل والإدريسي وابن الهيثم والزهراوي وابن باجه وابن خلدون ولسان الدين الخطيب وابن العربي الفقيه الأندلسي وعالمة الرياضيات المسلمة أمة الواحد ستيتة المحاملي البغدادية، والآلاف غيرهم ممن لا تزال مؤلفاتهم ومكتشفاتهم ونظرياتهم تدرس في جامعات أوروبا وأمريكا وروسيا والهند والصين إلى اليوم، أما ما سُرق من مكتشفاتهم ومخطوطاتهم واقتبس ونُسب إلى غيرهم وما أخفي واختفى واحترق ودُمر واندرس وبيع وأهدي وسُرِّب خلال هجمات التتار والصليبيين البربرية، وبعد احتلال إسلامبول وحواضر العالم الإسلامي على يد الكافر المستعمر وهجمات ومؤامرات المستشرقين وأذنابهم وتولى الرويبضات لشؤون الأمة فلا يعلمه إلا الله.
لن نستطيع حصر الاختراعات والاكتشافات والنظريات التي وضعها علماء دولة الخلافة الإسلامية والتي ما زال أثرها أساسيا في بناء مدنية الغرب، سواء ما اعترف به أو ما نسبه الأفّاكون من الكفار لأنفسهم وأثبتته المخطوطات الإسلامية والمنصفون من الباحثين الغربيين والمثابرين من الباحثين المسلمين المعاصرين لأهله من علماء الإسلام، حيث أثبت الباحث الأستاذ محمد خليل عبد الخالق أن ابن سينا هو مكتشف دودة الإنكلستوما، ووصفها وسماها الدودة المستديرة في كتابه “القانون” قبل الإيطالي دويبني بحوالي سبعة قرون ونصف، وقدم البحث إلى مؤسسة روكفلر التي تحرت الأمر واعترفت بالفضل لابن سينا. كما أكد الباحث محي الدين التطاوي أن ابن النفيس هو مكتشف الدورة الدموية، وأن وليم هارفي قد نسبها لنفسه، كما قدم الباحث جلال شوقي بحثاً مفصلاً أثبت فيه أن المسلمين قد اكتشفوا قوانين الحركة وذكرها بنصها الذي جاء به نيوتن قبله بحوالي أربعة قرون، ونغض الطرف عما لم نستطع إثباته لأهله حتى يأتي اليوم الذي ستعود فيه مخطوطات علماءنا المنتشرة في أقبية متاحف وكنائس وأديرة ومعاهد وجامعات العالم وفي مخازن دول الضرار عبر أرض الإسلام.

































