مقالات فكري

التجديد ودوره في حياة المسلم وما سر مماحكة دعاة على أبواب جهنم بـ”التجديد”؟ الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بعدما بيّنا تلك الحقائق الجوهرية التي عرضناها في الجزء الأول، وفي سياق التمهيد لتمييز الحقائق عن الأباطيل، فقد رأينا أن التجديد هو ديدن العقلاء إذا كان مناسبا للفطرة وللعقل، وأنه، أي التجديد، إن كان بعيداً عن السعي لنوال رضوانه سبحانه وتعالى، كان وبالاً على صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، وإنَّ من نعمة الله على الإنسانية أن أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يحيدوا عن نظام العبودية له سبحانه وتعالى، وكيف تجسد التجديد في جيل الصحابة فأنشأهم نشأة أخرى وأنهضهم النهضة الصحيحة، وكيف تلقوا عقيدة الإسلام تلقيا فكرياً فكانت بحقٍّ قيادةً فكريةً تقود كل مسلم لخيره وخير البشرية جمعاء.

وكما كانت الأمة في قرون الخير الثلاثة الأولى فينبغي للمسلمين أن يتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين؛ فالإسلام يجمعنا جميعا ويصبغنا بصبغة الله، أمة واحدة من دون الناس؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].

قال ابن كثير في تفسيرها: “قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: دينكم دين واحد.

وقال الحسن البصري، في هذه الآية: “بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: سنتكم سنة واحدة. فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ إن واسمها، و﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصب على الحال؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52]، وقال رسول الله ﷺ: «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد». يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله” أ.ه.

ويقول عز من قائل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].

ويخاطب الله أمة الإسلام في قرآنه عشرات المرات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾…

ويكرر المسلمون تلاوة الفاتحة يوميا مرات ومرات، تشهد ميثاقهم أنهم أمة واحدة دون من عداهم من المغضوب عليهم والضالين؛ مبدأ المسلمين الإسلام، فعقيدتهم واحدة، وشريعتهم واحدة، حواهما الكتاب والسنة.

فإن نزغ الشيطان بين طائفتين منهم أمرهم الله أن يعيدوا الأمر إلى نصابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].

وعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْنَا: “هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟” قَالَ: “لاَ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا”، فَأَخْرَجَ كِتَاباً مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً فَعَلَى نَفْسِهِ، أَوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين». أخرجه الإمام أحمد، وعنه: وابنه عبد الله في “السنة”، وأبو داود، والبيهقي في “الكبرى”، والنسائي، وفي “الكبرى”، وغيرهم من طرقهم، وقال ابن عبد الهادي في “تنقيح التحقيق”: “وإسناده صحيح”. وقال أيضا: “رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ورجاله رجال الصحيحين” “المحرر في الحديث”. وروي بعض هذا الحديث في الصحيحين، وغيرهما من رواية يزيد بن شريك التيمي، والد إبراهيم، عن علي رضي الله عنه.

هذا كيان الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة، كيان واحد لأمة واحدة تؤمن بالله الواحد، قائدها للأبد سيدنا محمد ﷺ. يجير ﷺ، من أجارت أم هانئ، وينصر من استنصره من المسلمين، وعلى سنته ﷺ سارت الأمة تختار من بينها من يقودها بالإسلام لتحمل رسالة الإسلام للعالم، وتقود الأمم، من خلف إمامها الجُنة، لتوحيد الله الخالص، تغير مفاهيم الناس المنخفِضة والجاهلة بالإسلام عقيدة وشريعة، لتجعلَهم يسلكون سلوكاً راقياً يتفق ونظام الحياة الذي جاء به الوحي، هذه هي رسالتهم للناس، وديدنهم في حملها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

والأمة في سبيل حملها رسالة الإسلام قد رسم الإسلام طريقة شرعية لها لتقوم بواجبها، وقد بينتها سيرة الرسول ﷺ، وسارت عليها طليعة الأمة، الخلفاء الراشدون وقرون الخير الثلاثة الأولى، وأمرنا الله على لسان رسوله أن نتأسى بهم لنبقى خير أمة أخرجت للناس، تحمل الخير للناس وتجدد وتضيء وتنير لهم سبيلهم بإقناعهم قناعة فكرية مستنيرة بمبدأ الإسلام.. ووضع للمسلمين حصونا وأسيجة فكرية وأطراً شرعية تحول بينهم وبين أن يتأخروا عن وسطيتهم التي هي سؤددهم وشرفهم وإشرافهم وقوامتهم على سائر الأمم بالإسلام لا غير… منها أن الإسلام نهى وحذر وحرم على المسلمين موادّة كل من حادَّ الله بأدنى قدر من الموادّة… فضلاً عن أن يتلوثوا بشيء من حضاراتهم المحاربة والمضادة للإسلام تحت أي دعوى كانت ولو تمت تسميتها باسم برَّاقٍ مثل “التجديد”!

تلك الفكرة التي دسها علينا الغرب الكافر المستعمر (بقيادة إنجلترا)، قبل أكثر من مئة عام، وسماها، تدليسا، “الإصلاح”، وجعل لها مدرسة وزعماء أسقط بدعوتهم “الإصلاحية” دولة الإسلام والمسلمين سنة 1924م، بعدما أشاع حولهم مكراً هالات “الزعامة” و”الإمامة”، وأغدق عليهم سرا وجهرا النفقات والأموال، بل ونصب أحدهم شيخا للأزهر؛ وعلى خطا الإنجليز يسير اليوم المستعمر الجديد (أمريكا) في نهج تضليل الأمة، ويسمي خطته “التجديد”.

ونبدأ، تاليا، بحول الله تعالى وقوته، في كشف قدامى دعاة “التجديد”، الملقبين بـ”زعماء الإصلاح الحديث”، أو “مدرسة الإصلاح”؛ أصحاب “مدرسة التفسير العقلي للقرآن الكريم”، ودعاتها على أبواب جهنم؛ وسنقتصر في الاستدلال على أفكارهم، التي حاولوا بها تضليل الأمة، من مذكراتهم ومن كتابات تلاميذهم المقربين ومحبيهم فقط.

 

كتبه الأستاذ طاهر عبد الرحمن  – حزب التحرير مصر