مقالات فكري

مفاهيم مغلوطة يُروَّج لها باسم الوسطية والاعتدال (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

– القول بأن علينا المطالبة بالحرية قبل تطبيق الشريعة:

“الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة”، هذا القول يردده بعض المنتسبين للتيار الإسلامي الذين يمكن تسميتهم بالعلمانيين الملتحين، ولنا أن نسأل هؤلاء: هل الحرية من الإسلام أم هي شيء غير الإسلام، فإن قالوا هي من الإسلام، قلنا لهم إذاً فليكن مطلبكم هو الدعوة لتطبيق الإسلام طالما هي منه، وإذا كانت شيئا غير الإسلام فكيف ترفعون الصوت عاليا بالدعوة لغير الإسلام لتصلوا إلى تطبيق الإسلام الذي تدعون أنكم من دعاته؟!

كما أن الحرية لا بدّ لها من ضابط عند جميع العقلاء، وحين يجعل الضابط لها عدم الاعتداء، فهو تفسير للحرية بناءً على المفهوم الليبرالي العلماني الذي يحيّد الدين ولا يجعل له اعتباراً، ولا يكون للشريعة أي أثر معتبر، وهذا منافٍ لأصول الشريعة وقواعدها المسلّم بها. فكيف يكون هذا المفهوم العلماني هو الرأي الشرعي الإسلامي؟! وكيف يكون رأياً شرعياً إسلامياً وهو مفقود تماماً في تراث المسلمين وفقههم ومذاهبهم؟! ومهما قلّب الشخص متتبعاً شواذّ الأقوال الفقهية والتأويلات المذهبية فلن يجد أي قول في التراث الفقهي يمكن أن يركب عليه مثل هذا الكلام. فالحرية في المفهوم الشرعي هي ضد الرق، وقد جاء الإسلام بأحكام عالج بها تلك المسألة، أما الحرية بالمفهوم الغربي فهي تعني التحلل من أي التزام ديني أو خلقي.

أما ما يستدل به البعض بأن النبي ﷺ كان يقول للكفار: «مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ» فنقول لهم ما وجه الشاهد من هذا الكلام؟ فما علاقة هذا بالقول إننا يجب أن نسعى لطلب الحرية ورفع الاستبداد وإزالة الطواغيت أولا، فإذا مكنا للحرية، كان من الممكن المطالبة بعد ذلك بتحكيم الشريعة، فالعمل على إزالة الطواغيت ومنع الاستبداد ورفع التسلط والاستعباد عن الأمة من حكام عملاء للغرب الكافر مرتبط ارتباطا وثيقا بتقديم البديل المتمثل في استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة على منهاج النبوة فهي النظام البديل بل الأصيل الذي سيقطع دابر التسلط والتضييق والملاحقة ونهب ثروات الأمة وخيراتها، وهذا ما عبر به ربعي بن عامر عندما قال: “لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام“. هكذا تقام الدول وهكذا أقام النبي دولته، فكنس النظام القديم وأقام نظام الإسلام. وبإقامة نظام الإسلام أقيم العدل وعاد السلطان للأمة وتمت سيادة الشريعة.

3- الصبر على الحكام وطاعة ولي الأمر:

جاء في تفسير القرطبي: أن ابن خويز منداد قال: “وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصيـة، ولذلـك قلنا إن ولاة زمـاننا لا تجـوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا”، وولاة زمانهم كانوا يطبقون الإسلام في ظل دولة الإسلام، ولكنهم كانوا يسيئون التطبيق أو يظلمون الناس، ومع ذلك قال لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، فما بالك بحكام اليوم الذين يطبقون الكفر ورغم ذلك يتحدث بعض المشايخ عن وجوب طاعتهم وعدم الخروج عليهم؟! فالقضية المركزية التي يتجاهلها من يحوِّلون طاعة ولي الأمر إلى عقيدة دينية، هي أن الخروج على الإمام الجائر كان مذهباً لعدد من الصحابة ومَن بعدهم من الفقهاء في القرون الثلاثة الهجرية الأولى. وقد اتفق الفقهاء على تحريم القتال مع أئمة الجور ضد مَن خرج عليهم من أهل الحق، ومِن القتال معهم إعانتهم بكل صغيرة وكبيرة، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. ونحن وإن كنا لا نقول بجواز الخروج المسلح اليوم لأن حكام اليوم لم يكونوا يحكمون بالإسلام أصلا ثم أظهروا الكفر البواح، بل علينا اتباع طريقة الرسول في التغيير عندما كان بمكة لتشابه واقع مكة مع واقعنا اليوم في عدم وجود الدولة التي تطبق الإسلام. إلا أننا نقول إن هؤلاء ليسوا ولاة أمور شرعيين، وبالتالي لا طاعة لهم.

لقد وُضعت شروط دقيقة للبيعة في العصر الإسلامي الأول؛ تقوم على شقين: الأول تحريم منازعة الأمر أهله، والشق الثاني هو إلزام المسلمين بقول الحق وألا يخاف واحدهم في الله لومة لائم.

لكن الشق الثاني الخاص بمواجهة وتقويم الحكام؛ تم تجاهله في التطبيقات التي حصلت بعد عصر الراشدين، وهذا ما يتم تجاهله أيضا عند استحضار مفهوم (ولي الأمر) في وقتنا الراهن من قبل بعض الجماعات والأنظمة التي تسعى إلى توظيف النصوص بما يخدم في تكريس استبدادها.

لقد انكشف غلاة الطاعة بشتى مسمياتهم (الجامية أو المداخلة..)، لأنهم يوظفون النصوص الشرعية الداعية إلى طاعة حكام المسلمين الذين يحكمون بالإسلام توظيفا براغماتيا لا يتفق مع أحكام الشريعة، وبناء عليه ففعلهم مخالف للإسلام عبر التاريخ، ويظهر عوار مذهبهم اهتمامهم بإشاعة نصوص الطاعة ووضعها في غير موضعها، فحكام اليوم لا يحكمون بالإسلام. كما أنهم يهملون نصوص الجهر بالحق والنهي عن الظلم أو تأويلها بتعسف، وتعطيلهم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل قول النبي ﷺ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ»، وقول النَّبيِّ ﷺَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ»، وقول النبيِّ ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عندَ سُلْطَانٍ جائِرٍ». فلا بد من كشف القناع الذي تغطى خلفه علماء ولاة الأمر الذين فقدوا مصداقيتهم بعد أن برروا للحكام الظلمة كل ظلمهم وفسقهم.

 

كتبه حامد عبد العزيز

الجزء الأول

 الجزء الثالث

الجزء الرابع