مقالات سياسي

شهادة تدليس تزين قبح النظام!

بسم الله الرحمن الرحيم

في قضية ما يعرف بخلية داعش إمبابة، استدعت إحدى المحاكم المصرية الشيخين يعقوب وحسان على التوالي، والتي كانت بمثابة محاكمة لهما، ولما يعتنقان من فكر سلفي، وللحركة الإسلامية ولجماعة الإخوان المسلمين. جرت الشهادة في أجواء تشهر فيها السلطة بنادقها في وجه كل من يعارضها، أو يرفض مداهنتها، فمصير أي معارض للسلطة معلوم غير مجهول، وهو إما القتل خارج نطاق القانون أو الإعدام بحكم محكمة في قضايا ملفقة، أو الاختفاء القسري أو الاعتقال لسنوات لا يعلم مداها إلا الله. وقد حاول الشيخان النجاة بنفسيهما، رافعين شعار “انج سعد فقد هلك سعيد”، برغم علمهما أن هذا السلوك يتصادم مع الصورة الذهنية عن ثبات العلماء على كلمة الحق مهما كلفهم ذلك من ثمن، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ»، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ». والنموذج الأبرز للاستشهاد به في هذا المقام هو الإمام أحمد بن حنبل الذي ينتسب الشيخان لفقهه.

كل من تابع شهادتي يعقوب وحسان يدرك تماما إلى ماذا يهدف النظام من وراء استدعائهما وإذاعة وقائع شهادتيهما، برغم إحجام النظام نفسه عن بث جلسات في قضايا أخرى أكثر أهمية، ومنع وصول أصوات المتهمين بوضعهم خلف أقفاص زجاجية كاتمة للصوت. فالنظام أراد محاكمة فكر الجماعات الإسلامية وبالتالي شيطنة حاملي الدعوة الإسلامية، وفي الوقت نفسه أراد تحسين صورة النظام فاقد الشرعية والانتصار لرؤيته السياسية، وتسفيه الشهود وإظهار ضعفهم وجبنهم.

وبرغم أن الشهادة كانت متعلقة بقضية تحمل اسم “داعش”، إلا أن التركيز من القاضي والشيخ محمد حسان كان على فكر جماعة الإخوان المسلمين، التي وإن اختلفنا معها ومع بعض أفكارها وطريقتها في العمل، إلا أن الإخلاص لله والعلم والمروءة تقتضي رفض مهاجمتها ونقدها في هذا الوقت وفي هذا المكان، فالأمر هنا ليس دعوة مسلم حريص للجماعة لمراجعة فكرها وتصحيح اعوجاجها، وسلوك الطريق الشرعي السوي للوصول إلى الهدف، بل هو خدمة مجانية للنظام الذي سفك الدم الحرام، وأسلم البلاد والعباد لأعداء الأمة، وحارب الإسلام تحت دعوى محاربة الإرهاب.

نعم أراد نظام السيسي بهاتين الشهادتين شد الحبل على أعناق جماعة الإخوان المسلمين وعلى رقاب كل أبناء التيار الإسلامي، وقَبِلَ الشيخان أن يقوما بتنفيذ تلك المهمة. بلا أدنى شك إنها خيانة وجريمة، أن تقبل أن تُسخَّر من قبل نظام طاغوتي محارب للإسلام، تحت غطاء انتقاد جماعة الإخوان المسلمين. ونحن نؤكد أن لا جماعة الإخوان ولا غيرها من الجماعات الإسلامية فوق النقد، ولكن النقد بهذا الشكل وفي هذا المكان خدمة مجانية للنظام. وكان الواجب على الشيخين أن يوجها سهام نقدهما إلى النظام الذي يحكم بغير ما أنزل الله.

ألم يكن الشيخ حسان ينتقد تهاون محمد مرسي في تطبيق الشريعة، فلم لم يوجه النقد نفسه للسيسي الذي حارب ملصقاً يدعو للصلاة على النبي ﷺ؟! أم أنه حينها كان ينفذ تعليمات الأجهزة الأمنية؟! ثم إن كلام الشيخين عن تجريم قتل رجال الشرطة والجيش على يد الجماعات الإرهابية كلام صحيح، لكنه ناقص، فقد تغافل الشيخان عن تجريم ما تقوم به السلطة من قتل وتشريد وتهجير واعتقال لأبناء الأمة، وكان الواجب أن تكون تلك الشهادة شهادة حق تقال أمام سلطان جائر، لكنهما آثرا السلامة والنفاد بجلديهما!

صحيح ما قاله الشيخ حسان عن جماعة الإخوان بأنها لم توفق في حكم مصر، ولكن في المقابل هل وفق السيسي في حكم مصر؟! هل من تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ومن فرط في مياه مصر الاقتصادية لصالح قبرص واليونان وكيان يهود، ومن أضاع حقوق مصر المائية في قضية سد النهضة، ومن اعتقل وشرد خيرة شباب مصر، قد وفق في حكم مصر؟! هل من يدعو إلى تجديد الدين بالتخلي عنه، ويحارب الإسلام تحت دعوى محاربة الإرهاب قد وفق في حكم مصر؟! أليس واضحا لكل ذي بصيرة أن الشيخ حسان كان يتغافل عن ذكر كل الحقائق التي تكشف النظام وتعريه وتفضحه، بينما كان يبرر للنظام بطشه وانقلابه وتغوله بإدانة الإخوان والتيار الإسلامي؟!

الغريب أن بعض مشايخ (السلفية) تغافل عن كل الخطايا التي ارتكبها الشيخ حسان بحق الإسلام ودعاته، وأقام الدنيا ولم يقعدها على إقرار الشيخ أن الأشعرية من أهل السنة والجماعة، وكان أحسنهم طريقة من قال “لعل لسان الشيخ حسان قد زل، أما ما ندين به نحن أنها فرقة ضالة مبتدعة وليسوا من أهل السنة والجماعة”. هذا همهم وما يشغل بالهم، أما عند ضلال السلطة وابتداعها فتراهم صما بكما، لا حس ولا خبر! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وآخر خطايا تلك الشهادة موافقة الشيخ حسان قاضي السيسي بوجوب احتكار السلطة للدعوة إلى الإسلام، فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولا عمل جماعي في الأمة لاستئناف الحياة الإسلامية، ولا دعوة في المساجد إلا من خلال الأزهر الشريف الذي أفسد النظامُ مناهجه، واستعمل بعض رجالاته ليكونوا عونا له لتحريف الدين باسم التجديد، وليبرروا له كل جرائمه، كما قال أحدهم “طوبى لمن قتلهم وقتلوه” و”اضرب في المليان”. ألا تعد تلك الشهادة تدليسا، تزين قبح نظام السيسي؟! حسبنا الله ونعم الوكيل

كتبه حامد عبد العزيز