خبر وتعليق
الخبر:
بعد قرار سابق أُصدر منذ أسبوعين بمنع العرض، استقرّ جهاز الرقابة على المصنفات الفنية المصري، على إجازة عرض الفيلم الأجنبي “نوح” في مصر، حيث جاء قرار الرفض تأثرا برفض مؤسسة “الأزهر” لذلك، التي استندت على رأيها الفقهي والديني بحرمانية تجسيد الأنبياء والصحابة في أعمال سينمائية أو مسرحية أو درامية، وفق “النهار”.
وحسمت لجنة الرقابة على المصنفات، قرارها بعرض الفيلم بعد الهجوم الذي تعرضت له أخيرا، من جانب مبدعين ومثقفين لوقوفها أمام عرض الفيلم في مصر، لا سيما أن استنادها في العرض سيكون أن موقف “الأزهر” ليس ملزما لها، لأن المؤسسة الدينية هنا دورها استشاري وليس إلزامي.
التعليق:
ليست القضية حقيقةً في حرمة التمثيل، وحرمة تجسيد الأنبياء والصحابة، بل وحتى الملائكة والشياطين، فهي حرمة مستقرة مقطوعٌ فيها وإن حاول البعض إيهام الناس بوقوع الخلاف فيها ووضع شروط وقيود على مثل هذا التمثيل؛ تكاد تخرجه عن كونه تمثيلاً وكذباً… نعم ليست تلك هي القضية، ولكن القضية حقيقةً في الانهزام النفسي والفكري أمام هذا الوافد حديثاً على بلاد المسلمين مع حملة الغزو الفكري التي سبقت الغزو العسكري، ومهدت لهدم دولة الإسلام دولة الخلافة.
فما يسمى (فن التمثيل)، هو في حقيقته فن إتقان واحتراف الكذب والتقمص، وكان يُطلق على من يحترف هذا النوع من الكذب “مشخصاتي”، ولوقت قريب –حتى خمسينيات القرن الماضي– كانت المحاكم الشرعية ترفض شهادة “المشخصاتي”!.
فما يسمى بفن التمثيل هذا لم يكن يعرفه المسلمون ضمن ما بروعوا فيه من فنون راقية، تعتمد على اللغة والخطوط والألوان والزخرفة والعلوم والتقنية العالية، وإنما وفد إليهم هذا الفن عبر بلاد الشام وبخاصةٍ بيروت، عن طريق إرساليات التبشير بالتنصير وجمعياتها ومدارسها التي اتخذت من الثقافة والتعليم سبيلاً للغزو الفكري لبلاد المسلمين، ومنها خرج أوائل رواد هذا الفن التمثيلي المسرحي ثم السينمائي، فلا عجب إذاً أن يكون هؤلاء من الأصول النصرانية في الشام، ولا عجب أن تكون القاهرة أيضاً – قلب العالم الإسلامي- حاضنة ومرتعاً خصباً لهؤلاء تحت حماية وسيادة الانجليز أنذاك!.
وأيضاً القضية حقيقة في هذه المفاهيم المغلوطة التي يُراد تمريرها وإبرازها وتضخيمها حول كهنوتية الدولة الإسلامية، مع إنها دولة بشرية من الطراز الأول يحكم فيها خلفائها بالشرع يُصيبون ويخطئون، ويُحاسبون ويُأمرون بالمعروف ويُنهون عن المنكر، فالنزاع يقع بينهم وبين الرعية وهم ليسوا معصومين، ولا يحكموا بظل الله في الأرض كما يريد الغرب الكافر العلماني أن يصور حكم الإسلام، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فالأزهر مؤسسة تعليمية في بلد إسـلامي، هكذا كان وهكذا يجب أن يكون، وليس مؤسسة حمل دعوةٍ ولا حتى تخريج دعاةٍ في دولة علمانية!، لأن الدعوة الإسلامية مسؤولية المسلمين جميعاً وفرض عليهم وتقوم بها وعليها دولة الإسلام؛ دولة الخـلافة، نيابةً وقيادة عن المسلمين، فحمل الدعوة الإسلامية يتطلب رجال دولة يفهمون الإسلام فهماً عملياً ويرعون به شؤون الناس جميعاً داخلياً وخارجياً، وليس المسلمين فقط. أما تحميل الأزهر لوحده هذه المسؤولية فهذا هو بعينه فصل الدين عن الحياة، وهو بعينه التدجيل على المسلمين وخداعهم، وتهوين الإسلام في نظرهم حيث أن هذه المؤسسات الإسلامية التي ينيطون إليها مثل هذه الأمور والتي يصدرونها للناس على أنها مسؤولة عن الإسلام ودعوته كالأزهر، يجعلون قيمتها التعليمية والعلمية تتأكل على مستوى الشارع وعلى مستوى الدولة بالتأكيد على دورها الاستشاري فقط!. فبحث عرض أو إنتاج مثل هذه النوعية من الفنون هو قرار سياسي متعلق بدولة تحكم بالإسلام، ولا علاقة له بمبررات الإبداع، فكما أن هناك إبداع في الحلال، فهناك إبداع في الحرام!، فالإبداع في حد ذاته ليس مبرراً أو مسوغاً للتحليل والتحريم في الإسلام، فعرض أو إنتاج مثل هذه النوعية من الفنون هو حكم شرعي يتنبناه خليفة المسلمين بناءً على قوة الدليل وصحة الاستدلال، ويُلزم به الرعية، ويصير قانوناً تقضي به المحاكم في الدولة الإسلامية، ويُحاسب هو عليه إن أخطأ، ولا يُهاجم إن هو أصاب، فللخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها قانوناً ودستوراً بحسب قوة الدليل الشرعي والاستدلال الفقهي المنضبط بالأصول، فبذلك لا تُميع القضايا بين سلطات موهومة، قضائية كانت أو تنفيذية أو تشريعية، ولا تُميع الصلاحيات بين لجان رقابة ومؤسسات تعليمية.
وأيضاً القضية الحقيقة تكمن في مواقف الدولة تجاه هذه الدول التي تنتج أو ترعى أو تغض الطرف عن مثل هذه الأعمال التي تسئ للأنبياء، وليس لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقط، فالإيمان بالرسل وبالأنبياء والإقرار برسالاتهم ونبوتهم هو ركن متين في العقيدة الإسلامية، والإساءة إليهم بحسن نية أو سوئها إنما يجب أن يواجه بعمل سياسي من قبل الدولة الإسلامية، لأنه إساءة إلى العقيدة الإسلامية التي يجب أن تحملها الدولة للناس وتحافظ عليها صافية نقية مرهوبة الجانب.
فها هو التاريخ يذكر لنا موقف الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني، برغم ضعف دولته التي أطلقت عليها أوروبا (الرجل المريض)؛ ماذا فعل عندما أرادت فرنسا أن تعرض تلك المسرحية القبيحة للكاتب الفرنسي (فولتير)، التي فيها إساءةٌ لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وينعته بأبشع النعوت؟، ذلك الكاتب الفرنسي الذي ما زال يمجده و يبجله بعض المسلمين!، فما كان من هذا الخليفة عبد الحميد الثاني الغيور على دينه، إلا وأن أرسل برسالة وعيد و تهديد إلى فرنسا يتوعدهم ويحذرهم فيها من عواقب أفعالهم المشينة، وجاء في رسالته: “إن قمتم بعرض تلك المسرحية القبيحة التي تستهدف نبي المسلمين وأشرف الخلق أجمعين فسأحشد لكم كافة العرب والمسلمين…”، فأثارت تلك الرسالة موجة من الذعر والفزع في فرنسا و توقفوا على الفور عن عرض تلك المسرحية القبيحة. وعندما سمع لاحقاً السلطان عبد الحميد الثاني عن عزم بريطانيا عرض هذه المسرحية المسيئة لخير الخلق صلى الله عليه وسلم بعث لهم ببرقية إنذار مماثلة فتراجعت بريطانيا هي الآخرى عن نيتها على الفور.
أما أن يُقزم الأمر سياسياً، ويُضخم إعلامياً، على كونه مجرد صراع بين الرقابة والأزهر، ويخرج المتشنجون والمتابكون على الإسلام وعلى العلمانية من الفريقين، فريق يريد دوراً أكبراً للأزهر ويريد تحكيم الإسلام في ظل دولة علمانية!، وفريق يريد إحباط المسلمين تجاه جدوى التغيير بالإسلام، فتَغيب فكرة عودة دولة الإسـلام دولة الخـلافة، وتنتشر فكرة الرضوخ لدولة علمانية ذات مصادر تشريع مطاطية يقال عنها “مبادئ الشريعة الإسلامية”، وأحياناً يقال عنها “دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية” فهذا هو التضليل المتعمد بعينه!!. والله المستعان حقاً على ما تصفون.


































